الفصل 16 / 25

حب أبدي 168

همسات القدر في ليل الغموض

بقلم سارة العمري

كانت ليلةً باردة، تلفّ فيها سماءُ الصحراءِ نجومًا ألماسيةً متناثرة، كما تتناثرُ أسرارٌ ثقيلةٌ في قلوبِ البشر. جلستْ "ليالي" في شرفتها المطلة على حديقةِ القصرِ الفسيحة، تعبثُ بأطرافِ وشاحها الحريري، وقلبُها يخفقُ خفقانَ فراشةٍ محاصرة. منذُ أيامٍ، وعينُها تترقّبُ بصيصَ أملٍ يزيلُ الغشاوةَ التي كسَتْ رؤيتها لـ"خالد". الخطابُ الذي استلمتهُ قبلَ أسبوعٍ، حملَ توقيعَ والدتهِ، السيدة "نورة"، ولم يكنْ يحملُ إلا نبأً واحدًا: رحيلُ خالدٍ المفاجئِ إلى بلدٍ بعيدٍ، لأسبابٍ لم تُوضحْ، ووعدٌ بالعودةِ فورَ انتهاءِ أمرٍ طارئٍ.

لكنّ "ليالي" لم تقتنعْ. كانَ خالدٌ في أشدِّ أيامِ حبهما، يتحدّثُ عن المستقبلِ ببريقٍ لا تخطئه العين، عن بيتٍ يجمعُهما، وعن أحلامٍ ستُنسجُ بخيوطِ السعادةِ. لم يكنْ رجلاً يرحلُ دونَ وداعٍ، ودون شرحٍ. شعرتْ بأنّ خلفَ هذهِ الرحلةِ المفاجئةِ، قصةً أكبر، سرًا أعمق، أعمقُ مما تستطيعُ أن تتخيّله.

أتذكرُ كيفَ نظرتْ إليهِ في آخرِ لقاءٍ، في تلكَ الحديقةِ التي أصبحتْ الآنَ شاهدةً على ألمها. كانتْ نسماتُ المساءِ تلعبُ بشعرهِ الأسودِ، وعيناهُ اللتانِ كانتا دائمًا تفيضانُ بالدفءِ، كانتا تحملانِ شيئًا من الحذرِ. همستْ لهُ: "هل أنتَ بخيرٍ يا حبيبي؟ تبدو شاردًا."

ابتسمَ ابتسامةً باهتةً، قالَ: "لا شيءَ يا غالية. مجردُ أفكارٍ تراودني."

"ما هي؟" سألتْ بصوتٍ يحملُ نبرةَ قلقٍ.

"ليستْ سوى رياحٍ عابرةٍ، ستمرّ وتتركُ وراءها سماءً صافية." أجابَ، وأمسكَ بيدها، ضاغطًا عليها برفقٍ. "ثقي بي يا ليالي. ثقي بحبنا."

لكنّ الثقةَ هذهِ بدأتْ تتصدّعُ الآن. فماذا لو لم تكنْ مجردَ أفكارٍ؟ ماذا لو كانتْ هناكَ قوةٌ ما، تجبرهُ على هذا الرحيل؟

وفجأةً، انكسرتْ شرودُها على صوتِ أقدامٍ تقترب. لم تلتفتْ، فالصوتُ مألوفٌ، صوتُ جدتها، السيدة "أمينة"، التي كانتْ دائمًا مصدرَ الأمانِ والطمأنينةِ.

"ماذا تفكرينَ فيهِ يا ابنتي؟" سألتْ السيدة "أمينة"، وجلستْ بجوارها بهدوء.

تنهدتْ "ليالي" وقالتْ: "أفكرُ في خالدٍ يا جدتي. في غيابهِ المفاجئ. أشعرُ بأنّ هناكَ شيئًا أكبرَ من مجردِ سفرٍ عملٍ."

نظرتْ السيدة "أمينة" إلى النجومِ، وقالتْ بصوتٍ هادئٍ لكنهُ يحملُ ثقلَ الأيامِ: "القدرُ يا ليالي، ينسجُ أحيانًا خيوطًا متشابكةً، لا نفهمُ غايتها إلا بعدَ حين."

"ولكنّ ما الذي يجعلُ خالدًا يذهبُ بهذهِ السرعة؟ دونَ أن يخبرني؟" سألتْ، وقد بدأَ الصوتُ يرتعشُ.

"هناك أمورٌ لا يمكنُ إطلاعُ الجميعِ عليها، خاصةً إذا كانتْ تتعلقُ بأمنٍ أو سمعةٍ." قالتْ السيدة "أمينة"، ولمعتْ في عينيها لمحةٌ لم تستطعْ "ليالي" تفسيرها. "أهلُ خالدٍ، أهلٌ عريقون، ولديهم أسرارٌ قديمةٌ."

"أسرارٌ قديمةٌ؟" تكررتْ "ليالي" بفضولٍ ممزوجٍ بالخوف. "ما نوعُ الأسرارِ؟"

"لا أعرفُ التفاصيلَ الدقيقةَ، يا ابنتي. ما أسمعُهُ مجردُ همساتٍ، وقصصٍ تتناقلها الأجيالُ في عائلتنا. ولكنْ، أعرفُ أنّهُ في بعضِ الأحيانِ، يجبُ على الرجالِ، وخاصةً الذينَ يحملونَ مسؤولياتٍ كبيرةً، اتخاذُ قراراتٍ صعبةٍ، قراراتٍ قد تبدو قاسيةً لمنْ لا يعرفونَ دوافعها."

"وهل تعتقدينَ أنّ هذهِ الأسرارَ هي سببُ رحيلِ خالد؟"

"منْ يدري؟" قالتْ السيدة "أمينة"، وأمسكتْ بيدِ "ليالي" برفقٍ. "لكنْ، ما أستطيعُ أن أقولهُ لكِ، هو أنْ تثقي بهِ. وأنْ تصلي. الدعاءُ قوةٌ لا يُستهانُ بها، وهوَ يفتحُ أبوابًا مغلقةً، ويكشفُ عن حقائقَ مخبأةٍ."

في تلكَ اللحظةِ، تملّكتْ "ليالي" رغبةٌ عارمةٌ في فهمِ الحقيقةِ. لم يعدْ الأمرُ يتعلقُ فقطْ بحبها لخالدٍ، بلْ أصبحَ يتعلقُ بشيءٍ أعمق، بشيءٍ قد يمسُّ عائلتهُ، وربما يمسُّ مستقبلَها.

في مكانٍ آخر، في قصرٍ فخمٍ تكسوهُ الأضواءُ الخافتةُ، كانَ "سالم"، والدُ خالدٍ، يجلسُ على أريكتهُ المخملية، وقد علا وجههُ عبوسٌ شديد. أمامهُ، كانَ يقفُ رجلٌ في منتصفِ العمرِ، بثيابٍ رسميةٍ أنيقةٍ، وجههُ خالٍ منَ التعبيرِ.

"هل أنتَ متأكدٌ يا عبدُ الله؟" سألَ "سالم" بصوتٍ أجشّ.

"بالتأكيدِ يا سيدي. المعلوماتُ مؤكدةٌ بنسبةٍ مئةٍ بالمئة. خالدٌ في طريقِهِ إلى البلادِ، لكنهُ لا يعرفُ أننا نتتبعه." أجابَ "عبدُ الله"، بصوتٍ ثابتٍ.

"وماذا عنْ الوثائقِ؟ هل تمّ التأكدُ منْ وجودها معه؟"

"نعم يا سيدي. لقدْ تأكدنا منْ أنها في حقيبةِ السفرِ التي يحملها. إنها لا تقدرُ بثمنٍ، وتحملُ تاريخَ عائلتِنا بكلِّ ما فيهِ منْ قوةٍ وضعفٍ."

"هذا جيدٌ. يجبُ أنْ نستعيدها بأيِّ ثمنٍ. سمعتُنا، ومستقبلُ تجارتِنا، كلُّ شيءٍ على المحك." قالَ "سالم"، وشدَّ قبضتهُ، حتى ابيضّتْ مفاصلُ أصابعه. "أيها الوغدُ، بعدَ كلِّ ما فعلتُهُ لأجلهِ، يحاولُ أنْ يخونني. هل يعتقدُ حقًا أنّهُ يستطيعُ أنْ يبيعَ هذهِ الوثائقَ لمنْ يدفعُ أكثر؟"

"هو صغيرٌ بعدُ يا سيدي. لم يتعلمْ بعدُ أنَّ الولاءَ أثمنُ منْ أيِّ مالٍ." قالَ "عبدُ الله" بهدوء.

"سنتعلمهُ الدرسَ. ولكنْ، ماذا عنْ الفتاةِ؟ "ليالي"؟ هل علمتْ بشيءٍ؟"

"لا يا سيدي. السيدة "نورة" أدتْ واجبها. أخبرتها أنّهُ سافرَ لأمرٍ طارئٍ. لا يبدو عليها أيُّ شكٍ."

"جيدٌ. لا نريدُ أنْ نعقّدَ الأمورَ أكثرَ مما هيَ معقدةٌ. يجبُ أنْ ننهيَ هذا بسرعةٍ، قبلَ أنْ يتدخلَ أيُّ طرفٍ آخر."

"سوفَ نفعلُ ذلكَ يا سيدي. خطتنا محكمةٌ."

نظرَ "سالم" إلى الخارجِ، إلى ظلامِ الليلِ الذي كانَ يشبهُ الظلامَ الذي يستقرُّ في روحه. كانَ يعلمُ أنّهُ يسيرُ على حبلٍ رفيعٍ، وأنّ أيَّ خطأٍ صغيرٍ قد يؤدي إلى كارثة. ولكنْ، لم يكنْ لديهِ خيارٌ آخر. لقدْ أصبحَ مدفوعًا إلى الزاويةِ.

في مكانٍ آخر، في غرفةٍ بسيطةٍ لكنها أنيقةٍ، كانَ "أحمد"، صديقُ خالدٍ المقربُ، يقرأُ رسالةً بخطٍ مرتعشٍ. الرسالةُ كانتْ موقعةً منْ شخصٍ مجهولٍ، لكنها حملتْ معلوماتٍ تفصيليةً عنْ مخططٍ يدبرهُ "سالم" ضدَّ خالدٍ.

"لا يمكنُ أنْ يكونَ هذا صحيحًا!" تمتمَ "أحمد" وهوَ يضغطُ الرسالةَ في يده. "خالدٌ، والدُهُ؟ مستحيلٌ!"

لكنّ تفاصيلَ الرسالةِ كانتْ مقلقةً للغاية. كانتْ تتحدثُ عنْ وثائقَ قيمةٍ، عنْ محاولةِ خداعٍ، وعنْ تعيينِ رجالٍ لمراقبةِ خالدٍ.

"يجبُ أنْ أخبرَ خالدًا. يجبُ أنْ أحذره." قالَ "أحمد" لنفسهِ، وقدْ شعرَ بأنَّ الدمَ يتجمدُ في عروقه.

لكنْ كيفَ؟ خالدٌ في رحلةٍ، ولا يستطيعُ الوصولَ إليهِ بسهولةٍ. ومنْ يرسلُ هذهِ الرسالةَ؟ هل يمكنُ الثقةُ بها؟

لم يكنْ يعرفُ. كانَ يقفُ على مفترقِ طرقٍ، وقلبهُ ينبضُ بالخوفِ والارتباك. شعرَ بأنَّ هناكَ شيئًا كبيرًا يحدثُ، شيئًا قد يغيرُ مجرى حياةِ صديقهِ، بلْ وحياةِ "ليالي" أيضًا.

وبينما كانتْ هذهِ الأحداثُ تتكشفُ في الظلامِ، كانَ "خالدٌ" نفسه، يسيرُ في قطارٍ بخاريٍّ قديمٍ، تعبرُ بهِ أنحاءَ البلادِ، وعيناهُ زائغتانِ، وقلبهُ يعتصرُ ألمًا. لم يكنْ يعلمُ أنّهُ يسيرُ نحو فخٍ كبيرٍ، وأنّ الأقدارَ قدْ بدأتْ تجمعُ خيوطَ لعبتِها القاسيةِ. كانَ يحدّثُ نفسهُ: "يا ربِّ، كنْ معي. أنتَ تعلمُ ما في قلبي."

اختتمتْ الليلةُ، وتركَتْ وراءها أسئلةً معلقةً في الهواءِ، وعيونًا ترقبُ بصيصَ الحقيقةِ في عتمةِ الغموضِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%