حب أبدي 168
رياح التغيير العاصفة
بقلم سارة العمري
ارتعشَ الهاتفُ في يدِ "ليالي" كأنّهُ يحملُ نبضَ قلبٍ مذعورٍ. كانتْ قدْ جلستْ في شرفتها منذُ ساعاتٍ، تراقبُ بصمتٍ رحيلَ الليلِ واستقبالَ الفجرِ، والكلماتُ الأخيرةُ لجدتها، السيدة "أمينة"، تترددُ في أذنها: "ثقي بهِ يا ابنتي. وصلي."
لكنّ الثقةَ كانتْ تتلاشى أمامَ شبحِ الشكِّ الذي بدأَ ينسجُ خيوطهُ العنكبوتيةَ حولَ روحها. رنّ الهاتفُ مجددًا، وهذهِ المرةَ، كانَ الرنينُ أكثرَ إلحاحًا، وكأنّهُ يكسرُ صمتَ الفجرِ بقوةٍ. لم تعرفْ منْ المتصلُ، لكنَّ قلبها سبقَ عقلهُ إلى القلق.
"منْ معي؟" قالتْ بصوتٍ متوترٍ.
"ليالي؟" جاءَ الصوتُ ضعيفًا، مشوّشًا، كأنّهُ قادمٌ منْ مسافةٍ بعيدةٍ، يحملُ لهجةً غريبةً لم تسمعها منْ قبلُ.
"نعم. منْ أنتَ؟"
"أنا... أنا صديقٌ لخالد." قالَ الصوتُ، وشعرتْ "ليالي" ببرودةٍ تسري في عروقها. "أنا... أحمد."
"أحمد؟ صديقُ خالدٍ؟" تكررتْ، وعقدتْ حاجبيها. لم تسمعْ عنْ خالدٍ لديهِ صديقٌ اسمهُ أحمدُ. "كيفَ عرفتَ رقمي؟"
"خالدٌ... خالدٌ أعطاني إياهُ. قالَ إنّكِ... إنّكِ الشخصُ الوحيدُ الذي أثقُ بهِ." بداَ "أحمد" مترددًا، كأنّهُ يخشى أنْ يقولَ شيئًا قدْ يؤذيها. "لديَّ... لديَّ أخبارٌ سيئةٌ."
"أخبارٌ سيئةٌ؟ عنْ خالدٍ؟" سألتْ، وشعرتْ بأنَّ الأرضَ تميدُ بها.
"نعم. خالدٌ... هوَ في خطرٍ."
"خطرٌ؟ ما نوعُ الخطر؟" صرختْ "ليالي"، ووقفتْ فجأةً، ممسكةً بالهاتفِ بكلتا يديها.
"أنا... لا أستطيعُ أنْ أشرحَ كلَّ شيءٍ عبرَ الهاتفِ. الأمرُ معقدٌ جدًا، ومتشعبٌ. ولكنْ، يجبُ أنْ نلتقيَ. فورًا. في مكانٍ آمنٍ."
"أينَ؟ متى؟"
"سأرسلُ لكِ العنوانَ. رجاءً، لا تخبري أحدًا. ولا تأتي وحدكِ. أحضري شخصًا تثقينَ بهِ."
"ولكنْ... ولكنْ منْ هوَ "سالم"؟ وهل هوَ والدُ خالدٍ حقًا؟" سألتْ، متذكرةً بعضَ الهمساتِ التي سمعتها منْ جدتها.
صمتَ "أحمدُ" لبرهةٍ، وكأنّهُ يحاولُ أنْ يجمعَ كلماته. "نعم. سالمٌ هوَ والدُ خالدٍ. ولكنَّ... ولكنَّ هناكَ صراعًا عائليًا كبيرًا. وصراعًا على السلطةِ والمالِ. وخالدٌ... لقدْ اكتشفَ شيئًا. شيئًا خطيرًا."
"ما هوَ الشيءُ الذي اكتشفهُ؟"
"لا أعرفُ بالتفصيلِ. لكنّ الرسالةَ التي وصلتني... تشيرُ إلى تزويرٍ كبيرٍ، وتلاعبٍ في أوراقٍ مهمةٍ تخصُّ تاريخَ العائلةِ. وخالدٌ حاولَ أنْ يواجهَ والدهُ. ولكنَّ والدهُ... يبدو أنّهُ لا يريدُ أنْ يكشفَ الأمرَ. لقدْ... لقدْ فعلَ شيئًا لخالدٍ."
"ماذا فعلَ؟" سألتْ "ليالي"، والدماءُ تتسارعُ في وجهها.
"أعتقدُ أنّهُ... أجبرهُ على السفرِ. ربما... ربما وضعهُ تحتَ الإقامةِ الجبريةِ، تحتَ غطاءِ السفرِ. ولكنَّ الأمرَ أسوأُ منْ ذلكَ. الرسالةُ تذكرُ أنّهُ تمّ تعيينُ رجالٍ لمراقبتهِ، وربما... ربما لاستعادةِ شيءٍ منهُ."
"لا، لا يمكنُ أنْ يكونَ هذا صحيحًا!" قالتْ "ليالي"، والدموعُ تتجمّعُ في عينيها. "خالدٌ... لا يستطيعُ والدهُ أنْ يفعلَ بهِ هكذا."
"أنا آسفٌ جدًا يا ليالي. ولكنَّ الحقيقةَ غالبًا ما تكونُ مؤلمةً. لهذا السببِ أتصلُ بكِ. أريدُ أنْ أساعدَ خالدًا. وأعتقدُ أنكِ الوحيدةُ التي يمكنُ أنْ تؤثري فيهِ، أو تساعدي في كشفِ الحقيقةِ."
"سأفعلُ أيَّ شيءٍ." قالتْ "ليالي"، وقدْ استجمعَتْ كلَّ قوتها. "أرسلْ لي العنوانَ. وسآتي."
وبعدَ مكالمةٍ قصيرةٍ، تلقتْ "ليالي" رسالةً عبرَ الهاتفِ تحتوي على عنوانٍ لمنزلٍ صغيرٍ في حيٍّ قديمٍ، يبدو بعيدًا عنْ أعينِ المتطفلين. أغلقتْ الهاتفَ، وشعرتْ بأنّها تقفُ في قلبِ عاصفةٍ. كلُّ ما كانتْ تعتقدهُ عنْ خالدٍ، عنْ عائلتهِ، بدأَ يتهاوى.
عندما أخبرتْ جدتها بما حدثَ، لم تبدُ السيدة "أمينة" متفاجئةً تمامًا. قالتْ بهدوءٍ: "كنتُ أعلمُ أنَّ هناكَ شيئًا ما. ولكنّني لم أتخيلْ أنّهُ بهذا السوء."
"ماذا نفعلُ الآنَ يا جدتي؟" سألتْ "ليالي"، والخوفُ يسيطرُ عليها.
"لنْ تذهبي وحدكِ." قالتْ السيدة "أمينة"، بنظرةٍ حازمةٍ. "سأذهبُ معكِ. وهناك رجلٌ في العائلةِ، رجلٌ شجاعٌ وذكيٌ، لم ترهُ السيدة "نورة" منذُ زمنٍ بعيدٍ. سأتصلُ بهِ. هوَ الوحيدُ القادرُ على مواجهةِ سالمٍ. اسمهُ "ريان"."
"ريان؟ منْ هوَ؟"
"هو ابنُ عمِّ خالدٍ، منْ فرعٍ آخرَ للعائلةِ. وهوَ يعرفُ الكثيرَ عنْ تاريخِ سالمٍ. إنهُ رجلٌ لا يخشى شيئًا. وسيكونُ معكِ."
شعرتْ "ليالي" ببعضِ الطمأنينةِ. لوجودِ شخصٍ قويٍ بجانبها، شخصٍ يعرفُ ما يحدثُ.
في تلكَ الأثناءِ، كانَ "سالم" يجلسُ في مكتبهِ الفخمِ، يتصفحُ تقاريرَ "عبدِ الله". كانتْ الأخبارُ مطمئنةً. خالدٌ سافرَ، والوثائقُ معه. لكنّ قلقهُ لم يهدأ. كانَ يشعرُ بأنّ شيئًا ما لم يكنْ على ما يرام.
"هل أنتَ متأكدٌ أنّهُ لم يتركْ أيَّ أثرٍ؟" سألَ "عبدَ الله" عبرَ الهاتفِ.
"نعم يا سيدي. لقدْ فتّشنا كلَّ شيءٍ. كلُّ شيءٍ يبدو طبيعيًا. هوَ مسافرٌ، ويقومُ بصفقةٍ تجاريةٍ خارجَ البلادِ."
"لا أعرفُ لماذا... ولكنّني أشعرُ بعدمِ ارتياحٍ. كأنَّ هناكَ عينًا تراقبنا."
"لا تقلقْ يا سيدي. لا أحدَ يعرفُ حقيقةَ الأمرِ سوى نحنُ. وسنتأكدُ منْ بقاءِ الأمورِ على هذا المنوالِ."
في نفسِ اللحظةِ، كانَ "ريان"، رجلُ العائلةِ الذي ذكرتهُ السيدة "أمينة"، يستلمُ اتصالًا هاتفيًا. كانتْ كلماتها سريعةً، ومليئةً بالمعلوماتِ. نظرَ إلى السماءِ، وعيناهُ تلمعانِ بالعزمِ. كانَ يعرفُ "سالمَ" جيدًا. يعرفُ مدى جبروتهِ وطمعهِ.
"لا تقلقي يا جدتي." قالَ لـ"ليالي" عبرَ الهاتفِ. "سأكونُ هناكَ. ولنْ نسمحَ لـ"سالمَ" بأنْ يضرَّ أحدًا. سأكونُ برفقةِ "ليالي"."
عادَ "أحمدُ" إلى المنزلِ، وقدْ غمرهُ شعورٌ بالرهبةِ. لقدْ حاولَ جاهدًا أنْ يرسلَ لخالدٍ رسالةً تحذيريةً، لكنّ هاتفهُ كانَ مغلقًا. بدأَ يشعرُ باليأسِ. هل سيكونُ قدْ فاتَ الأوانُ؟
في هذهِ الأثناءِ، كانَ "خالدٌ" في القطارِ، ينظرُ إلى المناظرِ الخلابةِ التي تمرُّ أمامهُ. لكنّ قلبهُ كانَ يعتصرُ ألمًا. لم يستطعْ أنْ يتصلَ بـ"ليالي"، لم يستطعْ أنْ يودعها. لقدْ كانَ مضطرًا. كانتْ هذهِ خطةَ والدهِ. إجبارهُ على الابتعادِ، وإبعادهُ عنْ "ليالي" وكلِّ ما يحبُّ.
"ماذا فعلتَ بي يا أبي؟" همسَ لنفسهِ، والدموعُ تتساقطُ على خديهِ. "لماذا تدفعني إلى هذا الطريقِ؟"
كانَ يعلمُ أنّهُ يحملُ بينَ جنبيهِ سرًا خطيرًا. سرًا قدْ يدمرُ سمعةَ والدهِ، وربما حياتهُ. لقدْ اكتشفَ تزويرًا في سجلاتِ الشركةِ، وحساباتٍ وهميةٍ، وأموالٍ اختفتْ بطرقٍ غامضةٍ. وعندما واجهَ والدهُ، ردّ عليهِ بتهديدٍ صريحٍ.
"إما أنْ تسافرَ الآنَ، وتنسى كلَّ ما رأيتَ، وإلا... فإنّ العواقبَ ستكونُ وخيمةً جدًا، ليسَ عليكَ وحدكَ، بلْ على كلِّ منْ تحبُّ."
لم يكنْ لدى "خالدٍ" خيارٌ. لقدْ اختارَ أنْ يضحيَ بنفسهِ، وأنْ يضعَ حبَهُ لـ"ليالي" جانبًا، على أملِ أنْ يستطيعَ إيجادَ طريقةٍ لكشفِ الحقيقةِ لاحقًا، دونَ أنْ يؤذيها.
ولكنّ القدرَ، كانَ لهُ رأيٌ آخر. فبينما هوَ مسافرٌ، كانتْ خيوطُ المؤامرةِ تُنسجُ حولهُ، وكانَ العالمُ الذي يعرفهُ على وشكِ الانقلابِ رأسًا على عقبٍ.