حب أبدي 168
لقاءٌ تحتَ ضوءِ الأملِ الخافتِ
بقلم سارة العمري
كانَ الهواءُ في الحيِّ القديمِ أثقلَ، يحملُ رائحةَ الترابِ الجافِّ وعبقَ الياسمينِ المتسللِ منْ أسوارِ البيوتِ العتيقةِ. اقتربَ الموعدُ، وشعرتْ "ليالي" بتوترٍ متصاعدٍ، يتخللُهُ بصيصُ أملٍ خافتٍ، زرعتهُ كلماتُ "أحمدَ" و"جدتها". جلستْ في سيارةٍ فاخرةٍ، لكنّها بدتْ غريبةً عليها، بوجودِ "ريانَ" بجانبها. كانَ "ريانُ" يبدو هادئًا، لكنَّ عينيهِ كانتا تراقبانِ كلَّ شيءٍ، تحملانِ حذرَ رجلٍ اعتادَ على مواجهةِ الأخطارِ.
"هل أنتِ متأكدةٌ منْ هذا؟" سألَ "ريانُ" بصوتٍ منخفضٍ، وهوَ ينظرُ إلى عنوانِ المنزلِ الذي استلمهُ.
"نعم." أجابتْ "ليالي"، وعيناها تراقبانِ البابَ الخشبيَّ القديمَ. "هناكَ. أعتقدُ أنّهُ هوَ."
"حسنًا. تذكري، حافظي على هدوئكِ. ولا تصدقي كلَّ ما تسمعينَ. سنرى ما لديهِ ليقولهُ."
فتحتْ "ليالي" البابَ، ونزلتْ منَ السيارةِ، وتبعها "ريانُ". تقدمتْ نحو البابِ، وقلبها يخفقُ بعنفٍ. رفعتْ يدها، ترددتْ للحظةٍ، ثمَّ طرقَتْ.
بعدَ لحظاتٍ، فُتحَ البابُ، وظهرَ وجهٌ شاحبٌ، متعبٌ، لكنّ عينيهِ لمعتا بفرحٍ ممزوجٍ بالارتياحِ فورَ رؤيتها. كانَ "أحمدُ".
"ليالي! الحمدُ للهِ على سلامتكِ. تفضلي بالدخولِ." قالَ، وقدْ فسحَ لها الطريقَ.
دخلتْ "ليالي" إلى المنزلِ، فوجدتْهُ بسيطًا، مرتبًا، لكنّهُ يفتقرُ إلى الكثيرِ منَ الرفاهيةِ. أينَ "ريانُ"؟
"تفضلْ بالدخولِ." قالتْ "ليالي" لـ"ريانَ" الذي ظلَّ واقفًا عندَ البابِ، يراقبُ المكانَ بعينٍ ثاقبةٍ.
دخلَ "ريانُ" بهدوءٍ، وأغلقَ البابَ خلفهُ. نظرَ إلى "أحمدَ" بنظرةٍ استكشافيةٍ.
"هذا... هذا السيدُ ريانُ." قدمتْ "ليالي" "ريانَ" بابتسامةٍ مترددةٍ. "وهذا... السيدُ أحمدُ."
"أهلًا بكما." قالَ "أحمدُ" ببعضِ الارتباكِ. "تفضلوا بالجلوسِ."
جلسوا جميعًا في غرفةِ المعيشةِ. كانَ الجوُّ ثقيلًا، مشوبًا بالترقبِ.
"إذًا..." بدأتْ "ليالي"، ولم تكنْ تعرفُ منْ أينَ تبدأُ. "لقدْ قلتَ لي أنَّ خالدًا في خطرٍ. وأنّ هناكَ مخططًا..."
"نعم." قالَ "أحمدُ"، وهوَ يتنفسُ بعمقٍ. "أنا آسفٌ جدًا لأنّني لم أستطعْ إخباركِ بكلِّ التفاصيلِ عبرَ الهاتفِ. الأمرُ أكبرُ مما نتخيلُ."
بدأَ "أحمدُ" يروي قصتهُ. قصصُ الرسالةِ التي وصلتْ إليهِ، ومحتواها. تفاصيلُ التزويرِ الذي اكتشفهُ "خالدٌ"، والصراعِ بينهُ وبينَ والدهِ "سالم".
"لقدْ قالَ لي خالدٌ، قبلَ أنْ يسافرَ... أقصدُ قبلَ أنْ يُجبرَ على السفرِ... أنّهُ اكتشفَ تلاعبًا كبيرًا في سجلاتِ الشركةِ. وأموالٌ تختفي. وأنّ والدهُ... والدهُ متورطٌ في كلِّ هذا. حاولَ أنْ يواجههُ، ولكنَّ سالمًا هددهُ. هددّهُ بأنّهُ سيؤذي كلَّ منْ يحبُّ، وخاصةً أنتِ."
"يؤذيني؟" سألتْ "ليالي"، وقدْ اشتدتْ وطأةُ الخوفِ عليها.
"نعم. هذا ما قالهُ لي خالدٌ. لقدْ أجبرهُ على السفرِ. وقالَ لهُ إنّهُ سيبقيهِ تحتَ المراقبةِ، وسيعيدُ إليهِ الوثائقَ التي معه."
"أيَّ وثائق؟" سألَ "ريانُ"، وقدْ بدأَ يتفاعلُ معَ القصةِ. "ما هيَ طبيعةُ هذهِ الوثائق؟"
"لا أعرفُ بالضبطِ." قالَ "أحمدُ". "ولكنَّ الرسالةَ التي وصلتي، ذكرتْ أنها تحملُ تاريخَ العائلةِ، وكلَّ أسرارها. وأنّ خالدًا كانَ ينوي استخدامها لكشفِ فسادِ والدهِ."
"هذا جنونٌ." قالَ "ريانُ"، وهوَ يفركُ ذقنهُ. "سالمٌ يتلاعبُ بتاريخِ العائلةِ؟ هل هذا معقولٌ؟"
"الرسالةُ كانتْ واضحةً جدًا." قالَ "أحمدُ". "لقدْ ذكرتْ تفاصيلَ عنْ حساباتٍ وهميةٍ، وأموالٍ مسروقةٍ، وكيفَ حاولَ سالمٌ إخفاءَ كلِّ هذا عبرَ الزمنِ. وخالدٌ... اكتشفَ كلَّ شيءٍ."
"ولكنْ، لماذا لم يخبرنا خالدٌ بذلكَ مباشرةً؟" سألتْ "ليالي".
"لأنّهُ كانَ خائفًا عليكِ." أجابَ "أحمدُ". "قالَ إنّ سالمًا يملكُ رجالًا لا يرحمونَ. ورجالٌ يراقبونهُ الآنَ. لقدْ شعرَ بأنّهُ محاصرٌ. وأنّ السفرَ هوَ الخيارُ الوحيدُ لإنقاذِ حياتهِ، ولإنقاذِكِ."
"محاصرٌ؟" تكررَ "ريانُ" بصوتٍ هادئٍ. "إذا كانَ خالدٌ تحتَ المراقبةِ، فكيفَ لكَ أنْ تتلقى هذهِ الرسالةَ؟"
"لا أعرفُ. ولكنَّ الرسالةَ جاءتْ منْ مصدرٍ مجهولٍ. ويبدو أنّهُ شخصٌ داخلَ دائرةِ سالمٍ، يريدُ كشفَ الحقيقةِ."
"وهذا الشخصُ، هل يعرفُ مكانَ خالدٍ الآنَ؟" سألَ "ريانُ".
"لا. لا أعتقدُ ذلكَ. ولكنَّ الرسالةَ ذكرتْ أنّهُ سيتمُّ إرسالُ خالدٍ إلى مكانٍ آمنٍ، بعيدًا عنْ الأنظارِ، لحينِ استعادةِ الوثائقِ."
"هذا مربكٌ للغاية." قالَ "ليالي"، وقدْ بدأَ العقلُ يلاحقُ الأفكارَ المتشابكةَ. "إذا كانَ والدهُ يريدُ الوثائقَ، فكيفَ سيتمُّ إرسالهُ إلى مكانٍ آمنٍ؟"
"ربما... ربما هذا يعني أنّهُ لم يسافرْ طوعًا." قالَ "ريانُ"، بعينينِ تشتعلُ فيهما الفكرةُ. "ربما تمَّ اختطافهُ."
"اختطافهُ؟!" صرختْ "ليالي"، وشعرتْ بأنَّ قلبها سيتوقفُ.
"لا أقولُ ذلكَ بيقينٍ. ولكنَّ المعلوماتِ التي لديكِ، والقصةُ عنْ سالمٍ... كلها تشيرُ إلى أنّهُ في خطرٍ حقيقيٍّ. وأنّ والدهُ لا يريدهُ أنْ يكشفَ الأسرارَ."
"هذا يتوافقُ معَ ما سمعتهُ منْ جدتي." قالتْ "ليالي". "لقدْ ذكرتْ أنَّ والدهُ لديهِ طموحٌ كبيرٌ، وأنّ هناكَ صراعًا على السلطةِ في العائلةِ."
"إذا كانَ الأمرُ كذلكَ، فإنّنا بحاجةٍ إلى معرفةِ مكانِ خالدٍ. وأنْ نصلَ إلى هذهِ الوثائقِ قبلَ سالمٍ." قالَ "ريانُ"، بنبرةٍ تحملُ تصميمًا.
"ولكنْ كيفَ؟" سألَ "أحمدُ"، وقدْ بداَ عليهِ اليأسُ. "خالدٌ في مكانٍ مجهولٍ، ونحنُ لا نعرفُ منْ هوَ المتورطُ في كلِّ هذا."
"لدينا بعضُ الخيوطِ." قالَ "ريانُ". "لدينا هذهِ الرسالةُ. ولدينا... لديّ بعضُ المعلوماتِ عنْ علاقاتِ سالمٍ المشبوهةِ. أعتقدُ أنّهُ كانَ هناكَ شخصٌ في العائلةِ، كانَ يحاولُ مساعدةَ خالدٍ، ولكنهُ... ولكنّهُ اختفى. أو تمَّ إسكاتهُ."
"منْ هوَ؟" سألتْ "ليالي".
"شخصٌ يُدعى... "عبدُ الله"." قالَ "ريانُ". "كانَ قريبًا جدًا منْ سالمٍ، ولكنهُ بدأَ يثيرُ الشكوكَ مؤخرًا. اختفى منذُ أسبوعٍ."
"اختفى؟" قالَ "أحمدُ". "الرسالةُ التي وصلتي، ذكرتْ اسمَ "عبدِ الله" كرجلٍ موثوقٍ لدى سالمٍ، وأنّهُ هوَ منْ يقومُ بمراقبةِ خالدٍ."
"هذا يعني..." قالَ "ريانُ"، وقدْ لمعتْ عينيهِ. "أنّ "عبدَ الله" هوَ الذي أرسلَ الرسالةَ. هوَ يريدُ التبرؤَ منْ فعلتهِ، أو ربما... ربما لديهِ خطةٌ أخرى."
"ولكنْ إذا كانَ هوَ منْ يراقبُ خالدًا، فكيفَ يمكنُ أنْ يكونَ هوَ منْ ساعدهُ؟" سألتْ "ليالي"، وقدْ ازدادَ الارتباكُ.
"ربما... ربما اكتشفَ طبيعةَ التزويرِ، وأدركَ أنّهُ يتمُّ استغلالُه. أو ربما... يريدُ أنْ يحصلَ على الوثائقِ لنفسهِ. لا نعرفُ نواياه الحقيقيةَ. ولكنَّ الرسالةَ هيَ نقطةُ البدايةِ."
"إذا، ما هيَ خطوتنا التالية؟" سألَ "أحمدُ".
"علينا أنْ نعرفَ مكانَ خالدٍ. وأنْ نجدَ "عبدَ الله". وأنْ نتحققَ منْ نواياه." قالَ "ريانُ". "وسوفَ نستخدمُ هذهِ الرسالةَ كنقطةِ انطلاقٍ."
كانَ الليلُ قدْ بدأَ ينسدلُ على الحيِّ القديمِ، لكنَّ نورَ الأملِ بدأَ يتسللُ إلى قلوبهم، نورٌ يتجسدُ في عزمهم على كشفِ الحقيقةِ، وإنقاذِ "خالدٍ".