حب أبدي 168
همسات القدر وخيانة الروح
بقلم سارة العمري
كانت ليلةً باردةً كبرد اليقين، يلفّها سكونٌ يسبق العاصفة. في ذلك القصر الشاسع، حيث تفوح رائحة البخور المعتق وزنابق الليل، كانت الأجواء مشحونةً بترقبٍ ثقيل. ليالي، التي استقرت فيها روحها بعد عناءٍ طويل، وجدت نفسها اليوم على أعتاب انحدارٍ مفاجئ. كانت قد وعدت نفسها بالحفاظ على طمأنينتها، ولكنّ القدر كان ينسج خيوطاً لا تبدو في صالحها.
جلست في غرفتها، تلتهمها أحاديث الأمس. ابتسامة أحمد، ونظراته التي كانت تخبر قصصاً لا تُقال، تلك الوعود التي نسجها لهيب الحبّ الطاهر. كانت كلّما استحضرت تلك اللحظات، شعرت بقلبها يرتعش بين السعادة والقلق. ففي عمق روحها، ظلّت تلك الهمسات الخبيثة تدغدغ أذنها، تلك الشكوك التي زرعها فؤاد ببراعةٍ لئيمة.
كانت تبحث في ذاكرتها عن أيّ أثرٍ يدين أحمد، أيّ شقٍّ في جدار الثقة الذي بنته معه. ولكنّ كلّ ما وجدته هو صورٌ مشرقةٌ وكلماتٌ صادقة. ومع ذلك، فإنّ الحقيقة، كما اكتشفت، قد تكون مخبأةً في أماكن مظلمة، لا تصل إليها أشعة الشمس.
في تلك اللحظة، انفتح باب الغرفة بخفة. دخلت والدة أحمد، السيدة آمنة، بوجهٍ عبوسٍ يخفي قلقاً أعمق. كانت تحمل في يدها صينيةً فضيةً مزينةً بتمرٍ فاخر وشايٍ بالنعناع، لكنّ رائحة الشاي لم تعد تحمل دفء الألفة.
"مساء الخير يا ابنتي،" قالت بصوتٍ مرتعش.
"مساء النور يا خالتي،" أجابت ليالي، حااولةً رسم ابتسامةٍ على شفتيها.
جلست السيدة آمنة على طرف السرير، وعيناها زائغتان. "هل أنتِ بخير يا ليالي؟ أرى في عينيكِ شيئاً يقلقني."
ترددت ليالي. كيف تبدأ؟ كيف تُخرج من جوفها كلّ ما تراه الآن كسمٍّ يتدفق؟ "لستُ متأكدةً يا خالتي. هناك... هناك أشياءٌ تتكشف."
تنهدت السيدة آمنة بعمق. "أعلم. ربما حان الوقت لأقول لكِ الحقيقة كاملةً. الحقيقة التي خبأتها عنكِ وعن أحمد لسنوات."
تجمدت ليالي في مكانها. "حقيقة؟ أيّ حقيقة؟"
"الحقيقة عن فؤاد. عن علاقته القديمة بأحمد. عن... عن والدتك."
انفتح جرحٌ قديمٌ في صدر ليالي. ذكر والدتها كان دائماً يثير فيها شعوراً بالضياع. "ما علاقة فؤاد بوالدتي؟"
"كان... كان فؤاد يعرف والدتكِ قبل زواجها من والدك. بل كان هو السبب الرئيسي في كثيرٍ من المشاكل التي واجهتها."
اتسعت عينا ليالي. "كيف؟"
"كانت هناك قصةٌ معقدةٌ بينهما. قصةٌ لم تكتمل. وقد استغلّ فؤاد هذا الأمر ليُبعدها عن أحمد. كان فؤاد يحقد على أحمد بشدة، وكان يرى في والدتكِ أداةً للانتقام. لقد هدّدها، وأخبرها بأشياءٍ كاذبةً عن أحمد، حتى أقنعها بأنّ أحمد لا يريدها. لقد دمر علاقةً كان يمكن أن تكون سعيدةً جداً."
شعرت ليالي بأنّ الأرض تدور بها. كلّ ما سمعته من فؤاد عن أحمد كان محض أكاذيب. كلّ تلك النظرات التي اتهمت بها أحمد، كلّ تلك الشكوك التي زرعها، كانت مجرد لعبةٍ شيطانية.
"ولماذا لم تخبريني أنتِ بهذا من قبل؟" سألت بصوتٍ بالكاد يُسمع.
"كنتُ أحاول حمايتكما. كنتُ أعتقد أنّ الماضي يجب أن يظلّ مدفوناً. لكنّ فؤاد قد عاد، ولم يعد بإمكاني الصمت. هو لم يتب، بل ازدادت خبثه. لقد اكتشفتُ مؤخراً أنه يخطط لشيءٍ كبيرٍ ضدّ أحمد. شيءٌ قد يدمر سمعته ومستقبله."
"ماذا يخطط؟" سألت ليالي، قلبها يخفق بجنون.
"ليس لديّ تفاصيل دقيقة. لكنّ الأمر يتعلق بشيءٍ قديمٍ جداً. شيءٌ من الماضي، وقد استخدمه فؤاد لسنواتٍ ليُبقي أحمد تحت سيطرته. سمعتُه يتحدث عن وثائق، عن أسرار... أسرار تخصّ عائلتكِ وعائلتنا."
ارتعشت يدا ليالي. أسرار؟ وثائق؟ هل كان فؤاد يسعى لتدمير كلّ شيء؟ "وهل أحمد يعلم بكلّ هذا؟"
"لا. لم أخبره. كنتُ أريد أن أتأكد أولاً. ولكن الآن، بعد أن رأيتُ ما يفعله فؤاد من جديد، يجب أن نتصرف."
في تلك اللحظة، انفتح باب الغرفة مرةً أخرى. وقف أحمد على العتبة، يحدّق فيهما بعينين متسائلتين. كان يحمل بين يديه رسالةً مغلقةً عليها ختمٌ غريب.
"ليالي، خالتي، ما الذي يجري؟" سأل.
نظرت السيدة آمنة إلى ليالي، ثمّ إلى أحمد. ثمّ رفعت رأسها وقالت بصوتٍ قويّ: "أحمد، هناك أمورٌ خطيرةٌ تحدث. علينا أن نواجهها معاً."
ثمّ رفعت الرسالة التي في يد أحمد. "هل تعرف هذه الرسالة؟ من أين أتت؟"
نظر أحمد إلى الرسالة بتفحص. "لا. لم أرها من قبل. هل تخصّني؟"
"ربما. لكنّ المهمّ هو ما تقوله. سمعتُ فؤاد يتحدث اليوم عن خطةٍ نهائية. خطةٌ سيكشف فيها كلّ شيء. وطلب مني أن أحتفظ بهذه الرسالة... كضمان."
انقطعت أنفاس ليالي. خطة نهائية؟ كشف كلّ شيء؟ ضمان؟
"وماذا يعني هذا؟" سأل أحمد، يشعر بالبرد يتسلل إلى عروقه.
"يعني يا أحمد، أنّ فؤاد قد قرر أخيراً تنفيذ وعده. لقد قرر تدمير كلّ شيء. وربما... ربما تكون هذه الرسالة مفتاح تدميرك."
نظرت ليالي إلى الرسالة. كان ختمها غريباً، ولكنّ الخطّ الذي كُتب به اسم المرسل كان مألوفاً بشكلٍ مؤلم. خطٌّ منحنيٌّ، كأنّه يعبر عن حزنٍ عميق.
"ماذا مكتوبٌ فيها؟" سألت.
"لا أعرف. لم أفتحها. لكنّ فؤاد قال إنّها ستغيّر كلّ شيء. وطلب مني أن أعطيها لكَ فقط في حال... في حال حدوث ما لا يُحمد عقباه."
أخذ أحمد الرسالة من والدته، وشعر بثقلها. كانت رسالةً تحمل في طياتها مصيراً. مصيراً قد يكون أشدّ قسوةً مما تخيل.
"أمي، ليالي، لا أعرف ما الذي يحدث، ولكنّي أشعر بأنّنا على وشك أن نغوص في بئرٍ سحيق."
"وهذا البئر يا أحمد، قد يكون من صنع فؤاد،" قالت السيدة آمنة. "لقد عاد ليُكمل ما بدأه. عاد لينتقم."
وقفت ليالي، تشعر بأنّ كلّ ذرةٍ في كيانها ترفض هذا الواقع. كيف يمكن لرجلٍ أن يحمل كلّ هذا الحقد؟ وكيف يمكن للحبّ، الذي كان يبدو لها أماناً، أن يتحول إلى ساحة معركة؟
"لا يمكن أن نسمح له بذلك!" قالت بصوتٍ حازم. "لن ندع فؤاد يدمرنا."
"ولكن كيف؟" سأل أحمد، ينظر إلى الرسالة بعينين مليئتين بالحيرة. "ماذا لو كانت هذه الرسالة هي ما يريده؟ ما لو كانت الحقيقة فيها هي ما سيسحقه؟"
"علينا أن نعرف ما فيها أولاً،" قالت ليالي. "علينا أن نواجه ما تخبئه."
نظرت إلى أحمد. في عينيه، رأت خوفاً، ولكنه أيضاً رأت تصميماً. تصميماً لم تره من قبل.
"إذاً، لنفتحها معاً،" قال أحمد، صوته هادئٌ وثابت.
أخذت ليالي نفساً عميقاً. كانت تعلم أنّ هذه اللحظة ستكون نقطة اللاعودة. وأنّ ما ستكشفه هذه الرسالة سيغيّر حياتهم إلى الأبد.
انفصلت السيدة آمنة عنهما، وتراجعت قليلاً. بدا وكأنّها تمنحهما مساحةً لمواجهة هذا المصير.
بدأ أحمد بفكّ الختم بعناية. كان ذلك الختم يحمل شكلاً غريباً، رمزاً لم تفهم معناه. ثمّ فتح الورقة. كانت مكتوبةً بخطٍّ قديمٍ، ولكنّه كان واضحاً.
قرأ أحمد السطور الأولى، ثمّ توقف. شحب وجهه. ثمّ قرأ المزيد، وارتعش جسده.
"ماذا؟" همست ليالي. "ما الذي فيها؟"
رفع أحمد رأسه، وعيناه تلمعان بدموعٍ لم يستطع حبسها. "إنها... إنها من والدتي."
انفتحت عينا ليالي على اتساعهما. "والدتك؟"
"نعم. إنها... إنها رسالةٌ أخيرة. قبل أن... قبل أن تغادر. إنها تخبرني بكلّ شيء. عن علاقتها بفؤاد. وعن... وعن كذبةٍ كبيرةٍ عاشتها."
أخذت ليالي الرسالة من يديه. كانت كلمات والدته، مكتوبةً بخطٍّ مألوفٍ، ولكنّ المعنى كان صادماً.
"يا بني أحمد،" بدأت تقرأ بصوتٍ مرتعش. "إذا كنتَ تقرأ هذه الرسالة، فهذا يعني أنّي قد غادرتُ هذا العالم، وأنّ فؤاد قد نجح في تحقيق نواياه. أريد أن تعلم أنّ كلّ ما أخبرك به فؤاد عني وعن علاقتي بكِ كان كذباً. لقد استغلّ ضعفي، وأجبرني على الابتعاد عنك. لقد خفتُ عليك. خفتُ من غضبه. لقد وعدني بأن يؤذيك إن لم أفعل. لقد كنتُ صغيرةً، ضعيفةً، وخائفةً. أرجوك يا بني، لا تلومني. لقد أحببتك أكثر من روحي. ولكنّ فؤاد... فؤاد كان قد سلب مني كلّ قوة."
توقفت ليالي عن القراءة. لم تستطع. كانت كلمات والدة أحمد كالصواعق، تضرب في أعماق قلبها. كانت ترى في هذه الكلمات ظلّ والدتها، ظلّها الذي لطالما شعرت به.
"هذا يعني..." بدأت ليالي. "هذا يعني أنّ كلّ ما قاله فؤاد... كان صحيحاً؟"
نظر أحمد إلى ليالي، وعيناه مليئتان بالألم. "لا يا ليالي. ليس كلّ ما قاله. لقد كذبت والدتي في جزءٍ واحد. لقد وعدت فؤاد بأن لا تخبرني شيئاً، ولكنّها الآن تخبرك. لقد كذبت على فؤاد، لتقول لي الحقيقة."
"ولكن... كيف؟" سألت ليالي، محاولةً تجميع أجزاء هذه الفسيفساء المعقدة.
"لقد استغلّ فؤاد خوف والدتي، وخوفها مني. لقد أقنعها بأنّي سأغضب منها. لقد خلق حرباً بيني وبينها، هي لم تخترها. وهي الآن، من خلال هذه الرسالة، تعتذر. وتعترف بخطئها."
"ولكن لماذا فؤاد؟ لماذا كلّ هذا الانتقام؟" سألت السيدة آمنة، لا تزال تقف جانباً.
"فؤاد،" قال أحمد، وصوته يرتعش، "كان يحب والدتي. يحبها حباً مريضا. عندما رفضته، لم يستطع تحمل ذلك. ثمّ رأى أنّه لا يستطيع الحصول عليها، فأراد أن يدمر علاقتها بي. لقد أراد أن يرى العالم يحترق، لأنه لم يحصل على ما أراد."
شعرت ليالي بأنّها على حافة الهاوية. كلّ شيء كان يتكشف، ولكنّ الأجزاء لم تتلاءم بعد. كان هناك شيءٌ ما لا يزال مفقوداً.
"ولكنّ فؤاد قال لي إنّ هناك وثائق. وثائق تدينك يا أحمد. وثائق تخصّ عائلتي. ما هي هذه الوثائق؟"
نظر أحمد إلى ليالي، وعيناه مليئتان بالحزن. "لا أعرف يا ليالي. ولكنّ والدتي في رسالتها، تشير إلى شيءٍ ما. إلى خطأٍ قديمٍ ارتكبته العائلة. خطأٌ لم أكن أعلم به."
"ما هو هذا الخطأ؟" سألت ليالي، قلبها يخفق بسرعة.
"تقول إنّ هناك... إنّ هناك ديناً قديماً. ديناً على عائلتنا. ديناً يخصّ عائلة والدتك."
"ديناً؟" كررت ليالي. "ما هذا الدين؟"
"لا أعرف. ولكنّ والدتي تقول إنّها حاولت أن تسدّ هذا الدين، ولكنّها لم تستطع. وأنّ فؤاد استغلّ هذا الأمر. استغلّ هذا الدين ليُهددنا."
صمتٌ رهيبٌ خيّم على المكان. كانت الكلمات تتساقط كالحجارة، ثقيلةً، ومدمرة.
"إذاً،" قالت ليالي، صوتها يكاد يختفي، "فؤاد لا يريد الانتقام فقط. إنه يريد شيئاً مادياً. شيئاً يتعلق بهذا الدين."
"ولكنّي لا أفهم،" قال أحمد. "ما هو هذا الدين؟ وما علاقة عائلتكِ به؟"
"هذا ما يجب أن نكتشفه،" قالت ليالي، تحدّق في الرسالة. "هذا ما يجب أن نواجهه."
نظرت إلى أحمد. لم يعد يبدو لها ذلك الرجل المثالي الذي وعدت نفسها بالحبّ له. لقد بدا الآن رجلاً يحمل على كتفيه عبء أسرارٍ قديمة. ولكنه أيضاً، رأت في عينيه ذلك الحبّ الذي كان يشعل روحها. حبٌّ أقوى من كلّ هذه الأكاذيب.
"سنواجه هذا معاً،" قالت. "مهما كانت الحقيقة."
مدّ أحمد يده، ومسح دمعةً انزلقت على خدّ ليالي. "أعدكِ بذلك."
كانت تلك ليلةً بدأت بالحبّ، وانتهت بظلالٍ من الماضي. ليلةً كشفت عن خيانةٍ قديمة، وعن حبٍّ كان يتشكل في ظلّ الأوهام. وكانت هذه الرسالة، هذه الرسالة الملعونة، هي الشاهدة الوحيدة على بداية النهاية. أو ربما، بداية الحقيقة.