الفصل 20 / 25

حب أبدي 168

بين ظلال الماضي وحقائق المستقبل

بقلم سارة العمري

تسلل نور الفجر الأول خجولاً من خلف ستار الغرفة، ليُعلن عن يومٍ جديد، يومٍ تحمل صفحاته تقلباتٍ لم تكن ليالي أو أحمد في حاجةٍ إليها. فبعد ليلةٍ أشبه بكابوسٍ، حيث تكسّرت أحلامهما الهادئة على صخور الحقيقة المرة، بدأت الشمس تلقي بأشعتها الذهبية على قصرٍ تغشاه غيومٌ سوداء.

جلست ليالي على حافة السرير، وقد غطاها بردٌ لا علاقة له بالطقس. كانت الرسالة بين يديها، كأنها سيفٌ مسلولٌ يهدد سلام روحها. كلمات والدة أحمد، التي تكشفت عن مؤامرةٍ دنيئة، عن حبٍّ مُحطّم، وعن خوفٍ مروع، كانت لا تزال ترنّ في أذنيها. كيف يمكن لشخصٍ أن يتحمل كلّ هذا؟ وكيف يمكن لشخصٍ أن يرتكب كلّ هذا؟

لقد وعدت نفسها بالحبّ الطاهر، بالزواج المبارك، ببناء أسرةٍ على أساسٍ من الودّ والاحترام. ولكنّ فؤاد، هذا الرجل الذي لم تعرف عنه سوى اسمه، قد نسج شبكةً معقدةً من الخداع، شبكةً لم تكن ليالي مستعدةً للوقوع فيها.

استيقظ أحمد، ووجد ليالي جالسةً على حافة السرير، عيناها زائغتان، تبدو أثقل حملاً من ذي قبل. تقدم نحوها، وجلس بجانبها، يضع يده حول كتفيها.

"هل أنتِ بخير؟" سأل بصوتٍ خافت.

أومأت ليالي برأسها، ولكنّ عينيها لم تعودا كما كانتا. "لا أعرف يا أحمد. كلّ شيءٌ يبدو مختلفاً الآن."

"نحن سنتجاوز هذا معاً،" قال أحمد، يحاول أن يزرع في صوتها بعضاً من الأمل. "مهما كانت هذه الحقيقة، سنواجهها. لقد تعاهدنا على الصدق."

"ولكنّ هذه الحقيقة... إنها ليست حقيقتنا وحدنا. إنها تخصّ عائلتنا، وتخصّ عائلتكِ. إنها تخصّ ديناً قديماً."

"الدين. هذا ما يقلقني. والدتي لم تتحدث عن أيّ دين. لا أفهم كيف يمكن أن يكون هناك دينٌ على عائلتنا. وهل له علاقةٌ بعائلتكِ؟"

"هذا ما لا أفهمه أيضاً. والدتي توفيت وأنا صغيرة، ولم تترك لي أيّ تفاصيل عن وضعنا المالي، أو عن أيّ ديون."

"ولكنّ الرسالة كانت واضحة. والدتي كتبت أنّ فؤاد استغلّ هذا الدين."

"وهذا يعني أنّ فؤاد ليس مجرد شخصٍ يسعى للانتقام. بل هو شخصٌ يسعى لتحقيق مكسبٍ ما. مكسبٍ يعتمد على هذا الدين."

"ولكنّ ما هو هذا الدين؟ ومن هو الدائن؟" تساءل أحمد، يفرك جبهته بقلق.

"هذا هو السؤال الذي يجب أن نجد له إجابة. وربما... ربما يجب أن نذهب إلى بيت فؤاد."

ارتعش جسد أحمد. "بيت فؤاد؟ هل أنتِ مجنونة؟ كيف يمكننا الذهاب إلى بيت عدوٍّ لنا؟"

"ليس عدواً لنا يا أحمد. هو عدوٌّ لنا. ولكنّ لديه الإجابات. ولديه الوثائق التي ذكرتها والدتي في الرسالة."

"ولكنّ والدي؟ ما موقفه من كلّ هذا؟"

"والدي... كان دائماً يحاول حمايتنا. ربما يعرف شيئاً. ولكنّي لا أعتقد أنه كان يعرف كلّ تفاصيل خطة فؤاد. ربما سمع شيئاً، ولكنه لم يفهم كلّ شيء."

"علينا أن نفكر جيداً،" قال أحمد. "لا يمكننا الاندفاع. فؤاد رجلٌ ماكرٌ وخطير. قد يستخدمنا ضدّنا."

"ولكنّ الوقت يمضي يا أحمد. والدتي قالت إنّ فؤاد يخطط للكشف عن كلّ شيء. ربما في أقرب وقتٍ ممكن."

"هذا صحيح. ولكنّ طريقة المواجهة مهمة. لا يمكننا الدخول إلى عرين الأسد دون خطة."

"وما هي خطتك؟" سألت ليالي، تشعر بأنّ روحها تتلاشى.

"أمي،" قال أحمد، "والدتي، السيدة آمنة، تبدو أنها تعرف الكثير. ربما تستطيع أن تخبرنا المزيد عن طبيعة علاقة فؤاد بوالدتي، وعن ماضيه."

"ولكنّها بدت قلقةً جداً. وكأنّها تخشى فؤاد أيضاً."

"الخوف أمرٌ طبيعي. ولكنّها أيضاً أرادت مساعدتنا. بل أعطتني الرسالة، وأصرّت على أن أقرأها."

"إذاً، لنتحدث إلى السيدة آمنة أولاً."

نهض أحمد، وفتح باب الغرفة. وجد السيدة آمنة تجلس في الصالة، تحدّق في الفراغ. بدا عليها التعب، والقلق.

"خالتي،" قال أحمد. "هل يمكنكِ أن تحدثينا أكثر عن علاقة فؤاد بوالدتي؟"

نظرت السيدة آمنة إليهما، وبدا وكأنّها استجمعت كلّ قوتها. "فؤاد... كان رجلاً طموحاً جداً. كان يرى في عائلة زوجي، وعائلتكِ، مصدر قوةٍ وسلطة. عندما أحبّت والدتكِ، أحبّها بشدة. ولكنّ حبه كان تملكياً، مريضاً. وعندما رفضته، تحوّل حبه إلى كراهيةٍ عمياء."

"ولكنّ والدتي كانت تحب أبي."

"نعم. كانت تحب والدكِ. ولكنّ فؤاد لم يستطع قبول ذلك. لقد استغلّ كلّ نقطة ضعفٍ في والدتكِ. وكلّ سرٍّ عرفه عن عائلتها. حتّى استطاع أن يزرع الشقاق بينها وبينكم."

"وماذا عن الدين؟" سألت ليالي. "الدين الذي ذُكر في الرسالة."

تنهدت السيدة آمنة. "هذا الأمر... معقدٌ جداً. عندما تزوجتُ من والد أحمد، اكتشفتُ أنّه كان هناك دينٌ قديمٌ على العائلة. دينٌ يتعلق ببعض استثماراتٍ سابقة. دينٌ كبيرٌ جداً. ولكنه لم يكن يعرف تفاصيله."

"ومن هو الدائن؟"

"هنا تكمن المفارقة. الدائن، في الأصل، كان شخصاً طيباً. ولكنّ فؤاد استطاع أن يستولي على هذا الدين. لقد اشترى الديون، وأصبح هو الدائن."

"بمعنى أنّه أصبح يطالبهم بالمال؟"

"نعم. وبما أنّهم لم يستطيعوا السداد، بدأ يهددهم. ثمّ استخدم والدتكِ كأداةٍ للضغط. لقد أخبرها بأنّها إذا لم تبعد عن أحمد، فسيُفضح أمر الدين، وسيتضرر سمعة العائلة بأكثر من ذلك."

"إذاً، فؤاد هو من كان يملك الدين؟" سأل أحمد، يشعر بالذهول.

"نعم. لقد كان يملك الدين، وكان ينتظر اللحظة المناسبة لابتزازكم. ولكنّ ما ذُكر في الرسالة عن دينٍ على عائلة والدتكِ... هذا شيءٌ لم أسمع به من قبل."

"ولكنّ والدتي ذكرته بوضوح. ذكرت أنّ هناك ديناً على عائلتها، وأنّ فؤاد استغلّ هذا الدين."

"هذا غريب. لم أكن أعلم بهذا. ولكنّ والدتكِ كانت غامضةً جداً. ربما كانت لديها أسرارٌ لم تشاركها حتى مع والد أحمد."

"ربما هذا الدين القديم... هو ما يسمح له بالسيطرة عليكم الآن."

"ولكنّ ما هو بالضبط؟" تساءل أحمد. "كيف يمكن لدينٍ قديمٍ أن يكون له كلّ هذه القوة؟"

"ربما ليس الدين بحدّ ذاته، بل ما يمثله. ربما هو اتفاقٌ قديمٌ، أو وعدٌ لم يُوفَ به."

"ولكنّ والدتي كانت واضحة. قالت إنّ فؤاد يريد شيئاً مادياً."

"إذاً، يجب أن نذهب إلى بيت فؤاد." قال أحمد، بصوتٍ يحمل مزيجاً من الحزم والخوف.

"ولكن كيف؟" سألت ليالي. "هو يعرف أننا نلاحقه."

"سنجد طريقة. ربما نتظاهر بأنّنا نريد التفاوض. أو ربما نذهب إلى هناك تحت ذريعةٍ أخرى."

"وماذا عن والدي؟" سألت ليالي. "كيف سيتقبل كلّ هذا؟"

"سأحدثه. سأخبره بما اكتشفناه. ولكنّي أعتقد أنّه يجب أن نفعل ذلك بسرعة. قبل أن يفاجئنا فؤاد."

"إذاً، لن نتجه مباشرةً إلى فؤاد. علينا أن نستعد."

"نعم. يجب أن نجمع أكبر قدرٍ ممكنٍ من المعلومات. عن الدين، وعن الاتفاقات القديمة. وربما... ربما يجب أن نجد دليلاً ضدّ فؤاد."

"وما هو الدليل الذي نبحث عنه؟"

"دليلٌ على أكاذيبه، وعلى خططه. دليلٌ يكشف عن وجهه الحقيقي، وعن نواياه الخبيثة."

"ولكنّ فؤاد محصّنٌ بكلماته، وبتلاعباته."

"ولكنّ لديه نقطة ضعف. وهي رغبته في الكشف عن كلّ شيء. ربما يمكننا أن نستخدم ذلك ضده."

"كيف؟"

"سأفكر في الأمر. ولكنّ أوّل خطوة هي فهم هذا الدين. ربما توجد وثائقٌ في منزل والدتي. أشياءٌ تركتها خلفها. قد تساعدنا في فهم ما حدث."

"ولكنّ والدتي توفيت ولم تترك لي شيئاً."

"ربما ليس أشياء مادية. ربما ذكريات، أو كلماتٌ قالتها لأشخاصٍ آخرين. ربما يمكننا التحدث إلى أصدقائها القدامى، أو إلى أقاربها."

"هذا يبدو صعباً. لقد مرّت سنواتٌ طويلة."

"ولكنّنا مجبرون على ذلك. يجب أن نجد الإجابة. يجب أن نفهم ما الذي يريده فؤاد حقاً."

"ولكنّ كيف سندخل بيت فؤاد؟"

"سنجد طريقة. ربما نتظاهر بأنّنا نريد الاعتذار. أو ربما نطلب منه المساعدة. أيّ شيءٍ يبدو طبيعياً."

"ولكنّ والدي... كيف سيتقبل هذه الفكرة؟"

"سأخبره. سأقول له إنّنا بحاجةٍ إلى مواجهة فؤاد. وأنّ هذا هو الطريق الوحيد لإنقاذ أنفسنا."

"وهل تعتقد أنّه سيوافق؟"

"أتمنى ذلك. ولكنّي سأضغط عليه. يجب أن نفعل هذا."

"إذاً، ما هي خطوتنا الأولى؟"

"علينا أن نبحث عن أيّ شيءٍ يتعلق بالدين. في منزل والدتي. في أيّ مكانٍ يمكن أن توجد فيه هذه المعلومات."

"ولكنّ منزل والدتي... فارغٌ الآن."

"إذاً، علينا أن نطلب من والدي أن يأخذنا إليه. وأن نبحث فيه عن أيّ شيءٍ قد يكون مفيداً."

"هذا سيثير الشكوك."

"لا بأس. فؤاد قد يكون ينتظر أن نتحرك. ولكنّنا سنحتفظ بأسرارنا. ولن نكشف عن كلّ ما نعرفه."

"إذاً، سنبدأ بالبحث في منزل والدتي."

"نعم. ثمّ سنواجه فؤاد. ولكنّ هذه المرة، لن ندخل إلى عرينه بخوفٍ. بل بقوةٍ مستمدةٍ من الحقائق التي سنكتشفها."

"أتمنى أن تكون هذه الحقائق كافية."

"ستكون كافية. لأنّها حقائق. والحقيقة لا تهزم."

شعر أحمد ببعضٍ من الثقة في صوت ليالي. كانت لا تزال متعبةً، ولكنّها لم تعد محطمةً. كانت على وشك أن تخوض معركةً، ولكنّها كانت مستعدةً لها.

"إذاً، هل سنذهب إلى منزل والدتي الآن؟" سأل أحمد.

"نعم. قبل أن يباغتنا فؤاد. وقبل أن يكشف عن كلّ شيء."

نهضت ليالي، ونظرت إلى أحمد. في عينيه، رأت ليس فقط الحبّ، بل رأت أيضاً الشجاعة. الشجاعة التي كانت بحاجةٍ إليها.

"ولكنّنا بحاجةٍ إلى خطةٍ محكمة."

"بالتأكيد. قبل أن نذهب، علينا أن نفكر في كلّ الاحتمالات. وماذا لو؟"

"وماذا لو؟"

"ماذا لو لم نجد شيئاً؟ ماذا لو كانت كلّ المعلومات في ذهن فؤاد؟"

"إذاً، سنواجهه. وسنستخلص منه المعلومات. بالقوة، أو بالذكاء."

"وهل أنتِ مستعدةٌ لهذا؟"

"أنا مستعدةٌ لأيّ شيءٍ يا أحمد. لأجل الحقيقة. ولأجل مستقبلنا."

نظرت ليالي إلى الشمس وهي تشرق، متمنيةً أن تحمل معها نوراً لا ينطفئ، ونوراً يكشف عن كلّ الظلام. فقد كانت تعلم أنّ هذه ليست نهاية المطاف، بل بداية معركةٍ شرسةٍ، معركةً ستحدد مصير حبّهما، ومصير مستقبل عائلتيهما.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%