حب أبدي 168
نبض الأمل في سوق الحكايات
بقلم سارة العمري
لم يكن "خالد" يتوقع أن يكون سوق القرية، بضجيجه وألوانه وروائحه المتناثرة، مسرحاً للقاءٍ يغير مسار أحداثٍ بدأت تتشابك. كان شاباً نشيطاً، يعمل في محل والده لبيع الأقمشة الرجالية، ويتمتع بسمعة طيبة بين أهل البلدة. كان وجهه يعكس الصدق والشباب، وعيناه البنيتان تلمعان بذكاءٍ وحيوية.
كان يساعد والده في ترتيب البضائع الجديدة، حينما لمح "نور" وهي تدخل إلى السوق. لم تكن "نور" مجرد فتاةٍ عادية في عينيه. لقد عرفها منذ الطفولة، كجاريةٍ لطيفة، وشقيقةٍ لزميلٍ له في المدرسة. لكن مؤخراً، ومع لقاءاتهما المتكررة في مناسباتٍ عائليةٍ بسيطة، بدأ يشعر بشيءٍ مختلف. كانت ابتسامتها تضيء وجهه، وكلماتها تترك أثراً عميقاً في قلبه.
لاحظ "خالد" أنها تبدو قلقة، وأنها تسير بخطى متوترة. اعتاد أن يراها دائماً مرحةً ونشيطة، ولكن اليوم كان هناك ثقلٌ واضحٌ عليها. دفعه فضوله، وربما شيءٌ أعمق، إلى الاقتراب منها.
"نور! كيف حالكِ؟ ما الذي أتى بكِ إلى السوق بهذه السرعة؟" قالها "خالد" وهو يضع بضاعته جانباً. توقفت "نور" والتفتت إليه، بدا عليها بعض الارتياح لرؤيته. "أهلاً بك يا خالد. أنا بخير، الحمد لله. فقط… أحاول أن أجد بعض الحلول لبعض الأمور". "أرى ذلك. هل كل شيءٍ على ما يرام؟ والدك يبدو بصحةٍ جيدة، وجدتكِ أم أحمد كذلك".
ترددت "نور" قليلاً، ثم قررت أن تشاركه جزءاً من همها. لم تكن تعرف لماذا، ربما شعرت بثقةٍ فيه، أو ربما كانت بحاجةٍ إلى البوح لأحد. "الأمر يتعلق بوالدي. يواجه بعض الصعوبات المالية، ونحن نبحث عن طريقةٍ لسداد بعض الديون. وهناك… هناك شخصٌ يود شراء أرض جدنا، ولكن…". "ولكن؟" شجعها "خالد" بلهجةٍ مليئةٍ بالاهتمام.
"ولكن سمعته ليست جيدة. يقال إنه رجلٌ قليل الرحمة في معاملاته. اسمه "أبو الوليد"". اتسعت عينا "خالد" قليلاً. "أبو الوليد؟ سمعت عن هذا الاسم. في بعض الأحاديث بين التجار. يقال إنه رجلٌ ذو أموالٍ طائلة، ولكنه لا يعرف كيف يمنح فرصةً لأحد. صفقاته دائماً لصالح نفسه فقط. هل هو حقاً يريد شراء أرضكم؟" "نعم. وعرضه مغرٍ، ولكنه… مخيفٌ في نفس الوقت. أبي مترددٌ جداً، ولكنه يشعر بالضغط".
تلاشت الابتسامة من على وجه "خالد"، وحل محلها القلق. "أنا أفهم. أرض جدكِ لها قيمةٌ لا تُقدر بثمن. إنها ليست مجرد أرض، بل تاريخٌ وذكريات. لا يمكن أن تُعطى لشخصٍ قد لا يقدر معناها. هل تحدثتم مع أحدٍ آخر؟ هل حاول والدكِ الحصول على قرضٍ من البنك؟" "حاول، ولكن الشروط صعبة. والوقت ضيق. أبو الوليد مستعجلٌ في إتمام الصفقة. ولذلك، أنا هنا، أحاول أن أرى إن كان هناك أي شخصٍ في السوق قد يعرف شيئاً عنه، أو قد يكون لديه حلٌ بديل".
نظر "خالد" حوله، ثم انحنى قليلاً نحو "نور"، ليوطيء صوته. "اسمعي يا نور. هناك رجلٌ في السوق، اسمه "سعيد". هو تاجرٌ قديم، ويعرف كل شيءٍ عن صفقات المنطقة، وعن الناس. ربما يعرف شيئاً عن "أبو الوليد" أو عن صفقاته السابقة. إنه يجلس عادةً عند الزاوية الشرقية، قرب دكان التوابل. لكنه رجلٌ قليل الكلام، ويحتاج إلى مفاتيح لفتح حديثه".
"من فضلك، هل يمكنك أن تحدثه؟" طلبت "نور" بلهفة. "أنا… لا أعرف كيف أبدأ الحديث معه". "بالتأكيد. هذه مسؤولية. ولكن… أعطني فرصةً لأرى ما يمكنني فعله. ولكن، قبل أن أذهب، هل لكِ أن تخبريني قليلاً عن الأرض؟ ما هي مميزاتها؟ هل لها أي قيمةٍ أخرى غير القيمة النقدية؟"
بدأت "نور" تتحدث عن الأرض، وعن الأشجار العتيقة التي تنمو فيها، وعن البئر القديم، وعن الذكريات التي نسجت حولها. كان "خالد" يستمع بانتباه، وكان يشعر بأن هذه الأرض ليست مجرد عقار، بل هي جزءٌ من هوية العائلة.
بعد أن جمع "خالد" بعض المعلومات، توجه نحو الزاوية الشرقية للسوق. وجد "سعيد" جالساً على كرسيٍ صغير، يراقب المارة بهدوء. كان وجهه مليئاً بالخطوط، ولحيته بيضاء كالثلج. كان يبدو وكأنه يحمل في عينيه كل حكايات السوق.
اقترب "خالد" منه بوقار. "السلام عليكم يا عم سعيد. كيف حالك؟" التفت "سعيد" ببطء، وأومأ برأسه. "وعليكم السلام يا بني. بخير، الحمد لله. أرى أنك مشغولٌ اليوم؟" "بعض الشيء يا عم. ولكن لديّ أمرٌ يهمني، ولذلك جئت إليك، لعلمي بخبرتك وحكمتك". "تفضل يا بني، قل ما عندك. لستُ غريباً عن هموم أهل بلدتنا".
بدأ "خالد" بسرد القصة، معتمداً على ما سمع من "نور". ذكر اسم "أبو الوليد"، وصفقة الأرض. صمت "سعيد" لبرهة، وعيناه تفحصان "خالد" بعمق. ثم قال بصوتٍ عميق: "أبو الوليد… أعرفه. رجلٌ لا يبحث عن المجد، بل عن السيطرة. اشتهر في الشمال، ولكنه لم يستقر في مكانٍ واحدٍ طويلاً. تجارته تأتي وتذهب، ولكن ظلاله تبقى. سمعتُ أنه قد ظهر في الآونة الأخيرة، يبحث عن استثماراتٍ جديدة. صفقة أرضكم… أراها خطوةً في طريقٍ طويلٍ له".
"هل تعتقد أنه سيغدر بهم يا عم سعيد؟" سأل "خالد" بلهفة. "الغدر ليس الكلمة الوحيدة. إنه يعرف كيف يستغل الحاجة. إذا كانت عائلة "نور" في ضائقة، فسوف يستغل ذلك لصالحه. ربما يقدم عرضاً يبدو مغرياً في الظاهر، ولكنه سيفرض شروطاً خفيةً لاحقاً، تجعلهم يخسرون أكثر مما كسبوا. أرضكم… هل تعرفون قيمتها الحقيقية؟ ليس فقط بالقروش، بل بالماضي والمستقبل".
"هذا ما كنت أخشاه. هل هناك أي طريقةٍ لردعه؟ أو ربما إيجاد حلٍ بديل؟" "الحلول البديلة موجودة دائماً، يا بني. ولكنها تتطلب جهداً، وإيماناً. عليكم أن تثبتوا أنكم تملكون شيئاً ذا قيمة، وأنكم لن تتنازلوا عنه بسهولة. ربما إذا تمكنت عائلتها من الحصول على قرضٍ أكبر، أو مساعدةٍ من بعض الأثرياء الذين لديهم نخوةٌ عربية. أو ربما… يمكن أن تجدوا طريقةً لتنمية الأرض بنفسكم، بدلاً من بيعها".
"تنمية الأرض؟ كيف؟" "الأرض فيها خيرات. ربما زراعة بعض المحاصيل التي تحتاجها السوق، أو استغلالها في سياحةٍ بيئيةٍ بسيطة. لديّ بعض الأفكار، ولكنها تتطلب استثماراً. إذا كنتم مستعدين للعمل، فقد تجدون حلاً أفضل من بيع ما لا يُقدر بثمن".
شعر "خالد" بأن بصيص أملٍ بدأ يتسلل إلى قلبه. "شكراً جزيلاً يا عم سعيد. لقد أعطيتني أفكاراً قيمة. سأخبر "نور" بما سمعت، وسنرى ما يمكننا فعله". "توكلوا على الله، يا بني. والله مع الصابرين. أخبر "نور" أن ترسل لي رسالةً عندما تتخذ قراراً، فقد يكون لديّ بعض المعارف الذين قد يساعدونها في تأمين بعض الموارد. ولكن، بشرطٍ واحد: أن تكون الأرض ملكاً لهم، وأن يكون القرار لهم، وليس للشخص الذي يريد الاستيلاء عليها".
عاد "خالد" إلى والده، وقلبه مليءٌ بالطاقة. بدأ يرتب الأقمشة الجديدة، ولكن عقله كان مشغولاً بالصفقة، وبالأرض، وبـ "نور". لقد رأى فيها وفي عائلتها طيبةً ونبلاً، وشعر بأنه لا يمكن أن يتركهم عرضةً للاستغلال. ربما كانت هذه فرصةً له ليثبت شيئاً، لنفسه وللآخرين.