الفصل 4 / 25

حب أبدي 168

خيوط متشابكة ومخاوف متزايدة

بقلم سارة العمري

لم تكن "نور" تتوقع أن يكون لقاؤها بـ "خالد" في السوق مجرد دردشةٍ عابرة. كانت كلماته تحمل وزناً، ورؤيته للأمور بدت أكثر وضوحاً من رؤيتها هي. بعد أن أخبرها بما دار بينه وبين "سعيد"، شعرت بارتياحٍ ممزوجٍ بقلقٍ متجدد. كان "سعيد" قد فتح أمامها نافذةً على عالم "أبو الوليد" المظلم، ولكنه أيضاً زرع في قلبها بذرة أملٍ حول إمكانية إيجاد حلولٍ أخرى.

عادت "نور" إلى منزلها، وأفكارها تتسابق في رأسها. جلست مع والدها، تحاول أن تشرح له ما سمعت، معتذرةً عن كونها استشارت آخرين دون علمه. "يا أبي، لقد تحدثت مع خالد، وهو رجلٌ طيبٌ وسمعته جيدة. لقد أخبرني أن عم سعيد، وهو تاجرٌ قديمٌ ومعروفٌ بحكمته، يعرف "أبو الوليد" ويحذر منه. يقول إنه رجلٌ لا يعرف الرحمة في تجارته، ويستغل حاجة الناس".

نظر والدها إليها، وقد ارتسمت على وجهه علامات التعب والقلق. "يا ابنتي، أنا أعلم أن والدكِ رجلٌ طيب، ولكنه ليس ساذجاً. أعرف أن "أبو الوليد" قد يكون له أساليب، ولكنه يعرض مبلغاً ينهي كل همومي. هل ترين أن لديّ خياراً آخر؟" "ولكن يا أبي، عم سعيد قال إن الأرض لها قيمةٌ لا تُقدر بثمن، وإن "أبو الوليد" قد يفرض شروطاً خفيةً تجعلنا نخسر أكثر".

"وهل لديكِ أنتِ، يا نور، حلٌ بديلٌ يمنعنا من بيع الأرض؟ هل لديكِ المال اللازم لسداد ديوننا؟" سأل والدها بنبرةٍ تحمل بعض الاستياء. شعرت "نور" بالضيق. لم تكن تريد أن تواجه والدها، ولكنه كان يضغط عليها. "لا يا أبي، ليس لديّ المال. ولكن… ربما يمكننا محاولة إيجاد قرضٍ آخر، أو ربما… ربما نستطيع تنمية الأرض بأنفسنا؟ عم سعيد قال إن بها خيراً كثيراً".

ضرب والدها كفاً بكف. "تنمية الأرض؟ ومن أين لنا بالمال اللازم لذلك؟ ومن سيعمل فيها؟ نحن بالكاد نملك قوت يومنا. "أبو الوليد" يعرض مبلغاً جاهزاً، ينقذنا من السجن ديوننا. إنها فرصةٌ لا يمكن تفويتها". "ولكن، يا أبي، ماذا لو اكتشفنا لاحقاً أننا بعنا شيئاً غالياً جداً بثمنٍ بخس؟ أرض جدنا، يا أبي. كل ذكرياتنا، كل تاريخنا، قد يختفي في يوم وليلة".

تنهد والدها بعمق، وأمسك بيدها. "يا ابنتي، أنا أعرف قيمة هذه الأرض. ولكن الحاجة لها صوتٌ لا يُقاوم. إنني أريد أن أحافظ على كرامتكم، وعلى مستقبلكم. والخوف يغتالني كل ليلة. إنني أرى في عرض "أبو الوليد" الخلاص الوحيد". "ولكن، يا أبي، خالد قال إن عم سعيد يمكن أن يساعدنا إذا أردنا إيجاد حلٍ بديل. ربما يمكننا أن نراسله؟"

نظر والدها إليها بتردد. كان يشعر بضعفٍ أمام إصرارها، ولكنه كان يخشى أيضاً أن يعلق آماله على سراب. "وماذا سيقول عم سعيد؟ هل سيمنحنا المال؟ هل سيزرع لنا الأرض؟" "ربما لا يملك المال، ولكنه قد يعرف من لديه النخوة للمساعدة. أو قد يقدم لنا أفكاراً عملية. لا يكلفنا شيئاً أن نسأل".

بعد نقاشٍ طويل، وافق والدها على مضض. "حسناً يا نور. اكتبي رسالةً إلى عم سعيد. ولكن لا تتعلقي بها كثيراً. إنني أشعر بأننا نسير في طريقٍ لا رجعة فيه. أما "أبو الوليد"، فسوف أقابله غداً. يجب أن أنهي هذا الأمر". ارتعش قلب "نور". مقابلة "أبو الوليد" غداً؟ هذا يعني أن القرار قد اتُخذ بالفعل.

في غرفتها، جلست "نور" وكتبت رسالةً إلى عم سعيد. كانت كلمات الرسالة تعكس قلقها، وأملها، وخوفها. وضعت الرسالة في ظرف، وقررت أن توصلها بنفسها في الصباح الباكر، قبل أن تتفاقم الأمور.

في تلك الأثناء، كان "سالم"، المشرف على قسم المخطوطات، يعمل بجدٍ في مكتبه. كان يتواصل مع بعض معارفه القدامى في الشمال، الذين ربما يكونون قد تعاملوا مع "أبو الوليد". كان الجو في مكتبه مليئاً بالأوراق، والخرائط، والمخطوطات. كان يبحث عن أي معلومةٍ قد تساعد عائلة "نور".

تلقى "سالم" اتصالاً من أحد معارفه، رجلٌ يدعى "صالح"، يعمل في تجارة العقارات في مدينةٍ شمالية. "مرحباً يا سالم. كيف حالك؟" "بخير يا صالح، الحمد لله. هل لديك الوقت؟ أحتاج نصيحتك في أمرٍ عاجل". "تفضل يا سالم، أنا أسمعك". "أتذكر "أبو الوليد"؟ تاجرٌ كان له سمعةٌ في المنطقة؟" "آه، أبو الوليد… نعم أتذكر. رجلٌ لا يُنسى. كيف؟" "يُقال إنه يعود للظهور، ويدخل في صفقاتٍ هنا. هل لديك معلوماتٌ عن طبيعة صفقاته الأخيرة؟ أو عن أي شيءٍ قد يدل على نواياه؟"

تردد "صالح" قليلاً، ثم قال: "يا سالم، "أبو الوليد" لم يكن يتاجر بالمعنى المعتاد. كان يشتري الأراضي، ويستغل المشاكل المالية لأصحابها، ثم يبيعها بأسعارٍ مضاعفة. سمعتُ أن لديه طمعاً لا يشبع، وأنه لا يتورع عن استخدام أي وسيلةٍ لتحقيق هدفه. لقد تسببت خسائرٌ فادحةٌ للكثيرين بسببه. بل إنني سمعتُ عن قصةٍ، قبل سنوات، حيث أجبر رجلاً على بيع أرضٍ لأجداده، لأن الرجل كان مدينًا له. الرجل مات بعدها بحسرةٍ لم يستطع تحملها".

شعر "سالم" بالصدمة. كلمات "صالح" كانت تؤكد أسوأ مخاوفه. "شكراً لك يا صالح. هذه معلوماتٌ قيمةٌ جداً. هل تعرف إن كان لديه سجلٌ إجرامي، أو أي شيءٍ من هذا القبيل؟" "لا أعرف عن شيءٍ من هذا القبيل، ولكن أعرف أن رجاله كانوا يقومون بأعمالٍ قذرة أحياناً، لتهديد الآخرين. حذارِ منه يا سالم. إنه ثعلبٌ ماكر".

أنهى "سالم" المكالمة، وشعر بعبءٍ ثقيلٍ يقع على عاتقه. لقد تأكد له أن "أبو الوليد" ليس مجرد تاجرٍ انتهازي، بل هو شخصٌ خطير، يسعى وراء المال بأي ثمن. عليه أن يجد طريقةً لمنع هذه الصفقة، وأن يفعل ذلك بسرعة.

في تلك الليلة، لم تستطع "نور" النوم. كانت صور "أبو الوليد" تتراقص أمام عينيها، كظلٍ مخيفٍ يهدد مستقبل عائلتها. كانت تفكر في والدها، الذي يبدو أنه قد استسلم للواقع، وتفكر في "خالد"، الذي يحاول مساعدتها، وفي "سعيد" و "سالم" الذين يبحثون عن حل. شعرت بأنها عالقةٌ في شبكةٍ معقدة، وأن عليها إيجاد مخرجٍ قبل أن تفقد كل شيء.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%