حب أبدي 168
سِحرُ الوِصالِ المَمنوعِ
بقلم سارة العمري
تَكادُ الشمسُ أن تُواريَها خلفَ الأفقِ، تاركةً وراءَها ذيولاً منَ الضوءِ الذهبيِّ تنسكبُ على رمالِ الصحراءِ الهادئةِ. في ذلكَ الوقتِ منَ المساءِ، كانتْ سعادُ قدْ بدأتْ تستشعرُ ثقلَ الأيامِ، ثقلَ الأفكارِ التي تتزاحمُ في صدرِها كَطَيرٍ جريحٍ يبحثُ عنْ عشٍّ آمنٍ. جلستْ على شرفةِ منزلِها الوَاسِعِ، تستنشقُ عبقَ الياسمينِ الذي يفوحُ منْ حديقةِ منزلِ جدتِها، ذلكَ العبقُ الذي لطالما كانَ يُذكّرُها بالبراءةِ والطفولةِ، زمنٍ لمْ تعرفْ فيهِ شيئاً عنْ شِباكِ القدرِ التي تُنسَجُ بخيوطٍ خفيةٍ.
في يدِها، كانتْ تُمسكُ بـ"مِسبحةٍ" عتيقةٍ، حباتُها منْ عاجٍ مصقولٍ، تعودُ لأيامِ جدتِها الراحلةِ. كانتْ تتلمسُها بأصابعِها المرتعشةِ، كأنّها تبحثُ فيها عنْ عزاءٍ، عنْ إجاباتٍ لتلكَ الأسئلةِ الملحةِ التي تُقضُّ مضجعَها. "يوسف". ذاكَ الاسمُ باتَ كـ"وِشْمٍ" محفورٍ على جدارِ قلبِها، تراهُ في كلِّ زاويةٍ، تسمعُهُ في كلِّ همسةٍ، وتكادُ أنْ تتنفسَهُ معَ كلِّ شهيقٍ.
لمْ تكنْ تتخيّلُ يوماً أنْ ينقشعَ غبارُ الروتينِ الرتيبِ عنْ حياتِها لتُزهرَ بهذهِ الطريقةِ، بهذهِ القوةِ والوهجِ. كانتْ علاقتُها بيوسفَ كـ"لُغزٍ" مُعقّدٍ، يجمعُ بينَ الحلالِ والحرامِ، بينَ الرغبةِ المكتومةِ والأخلاقِ الفاضلةِ. كانَ ينظرُ إليها بنظراتٍ حارقةٍ، نظراتٍ تختزلُ ألفَ كلمةٍ، ألفَ شعورٍ، ألفَ أمنيةٍ. وكانَ قلبُها، بـ"عنادِ" الفتياتِ الحالماتِ، يستجيبُ لتلكَ النظراتِ، يستجيبُ لتلكَ الكلماتِ الناعمةِ التي تُلقى عليها في خلواتٍ نادرةٍ، تحتَ جنحِ الظلامِ، بعيداً عنْ أعينِ الرقباءِ، بعيداً عنْ عيونِ العائلةِ.
كانتْ تعي تماماً خطورةَ ما تفعلُ. كانتْ تعلمُ أنَّها تتجاوزُ الحدودَ، أنَّها تخوضُ في "ماءٍ" قدْ يُغرقُها. لكنَّ يوسفَ كانَ كـ"مُخدِّرٍ" لطيفٍ، يُسكِنُ آلامَ وحدتِها، يُزيحُ عنْ كاهلِها ثقلَ مسؤولياتِها. كانَ يُشعلُ فيها شغفاً ظنَّتْ أنَّهُ قدْ خبا إلى الأبدِ. كانَ يمنحُها إحساساً بالأنوثةِ، بالجاذبيةِ، بأنَّها مرغوبةٌ، بأنَّها "جوهرةٌ" ثمينةٌ لا يُقدَّرُ بثمنٍ.
في أحدِ الأيامِ، بينما كانتْ تُساعدُ جدتَها في إعدادِ الشايِّ، دخلَ يوسفُ المنزلَ. كانَ وقتَها قدْ أعلنَ عنْ خطبتِهِ منْ ابنةِ عمِّها، خبرٌ كانَ كـ"صاعقةٍ" قدْ ضربتْ سعادُ في منتصفِ قلبِها. كانتْ تبدو وكأنَّها لمْ تسمعْ شيئاً، واصلتْ ترتيبَ الأكوابِ بخطواتٍ آليةٍ، لكنَّ يديها كانتا ترتعشانِ، وكانتْ عيناها تَلمعانِ بـ"دموعٍ" لمْ تستطعْ أنْ تُخفيَها.
"سعاد؟ هلْ أنتِ بخيرٍ؟" سألَها يوسفُ بصوتٍ هادئٍ، لكنَّهُ كانَ يحملُ نبرةً منَ القلقِ لمْ تعتدْ سماعَها منهُ.
تَجمدتْ في مكانِها. لمْ تستطعْ أنْ تُجيبَ. كلُّ ما شعرتْ بهِ هوَ وخزٌ حادٌّ في صدرِها، وكأنَّ شيئاً عزيزاً قدْ انتُزعَ منها. رفعتْ رأسَها ببطءٍ، لتقابلَ عينيهِ. كانتْ عيناهُ تحملانِ مزيجاً غريباً منَ الأسفِ والشفقةِ، بلْ ربما كانَ هناكَ شيءٌ آخرُ، شيءٌ يشبهُ "الذنبَ".
"أنا... أنا بخيرٍ يا يوسفُ،" قالتْ بصوتٍ مُختنقٍ، ثمَّ ابتعدتْ مسرعةً، وكأنَّها تهربُ منْ لظىً يصهرُها.
في تلـكَ الليلةِ، لمْ تنمْ سعادُ. كانتْ تتأملُ السقفَ، وعقلُها يغوصُ في بحرٍ منَ الذكرياتِ. تذكرتْ لقاءاتِهما السريةَ، همساتِهما العابرةَ، الوعودَ التي لمْ تُقالْ بوضوحٍ، لكنَّها كانتْ تفهمُها. كانتْ تشعرُ بأنَّ يوسفَ كانَ يحبُّها، بطريقةٍ ما، بطريقةٍ لا تتماشى معَ تقاليدِ مجتمعِهما، لكنَّها كانتْ تشعرُ بها.
"لقدْ خانَني،" رددتْ في سرِّها. "لقدْ خدعني."
لكنَّ جزءاً منها كانَ يدافعُ عنهُ. كانَ يذكرُها بـ"ضعفِهِ" أمامَ إرادةِ عائلتِهِ. كانَ يذكرُها بالضغوطِ التي كانَ يتعرضُ لها. هلْ كانَ ذلكَ عذراً كافياً؟ هلْ كانَ حبهُ لها مجردَ "نزوةٍ" عابرةٍ، أمْ كانَ شيئاً أعمقُ، شيئاً لمْ يستطعْ البوحَ بهِ؟
في كلِّ مرةٍ كانتْ تتذكرهُ، كانتْ تشعرُ بـ"نارٍ" تشتعلُ في قلبِها. نارُ الشوقِ، ونارُ الغضبِ، ونارُ خيبةِ الأملِ. كانتْ تُحاولُ جاهدةً أنْ تكبتَ مشاعرَها، أنْ تُقنعَ نفسَها بأنَّ ذلكَ ما هوَ إلا وهمٌ، حلمٌ جميلٌ سرعانَ ما انقشعَ. لكنَّ ذلكَ الوهمَ باتَ يُسيطرُ على حياتِها، يُحاصرُها، يجعلُ كلَّ شيءٍ آخرَ يبدو باهتاً، بلا معنى.
في أحدِ الأيامِ، تلقتْ سعادُ رسالةً. كانتْ مظروفاً أبيضَ بسيطاً، لا يحملُ اسمَ مرسلٍ. فتحتْهُ بترددٍ. كانتْ ورقةٌ مطويةٌ بعنايةٍ، بخطٍ جميلٍ، لكنَّهُ كانَ غريباً عليها. قرأتْ بـ"رهبةٍ":
"يا منْ سرقتِ القلبَ، ويا منْ أضأتِ الروحَ. لا تخافي منْ قضاءٍ أبدى، ولا تيأسي منْ رحمةٍ أوسعَ منَ السماءِ. ما يجمعُنا أقوى منْ كلِّ القيودِ، وأبقى منْ كلِّ الزمانِ. سنلتقي، حينَ يُصبحُ الحلالُ لنا وطناً، والحبُّ لنا ديناً. إلى أنْ يأتيَ ذاكَ اليومُ، اصبري، وتذكري أنَّ في البعادِ حكمةً، وفي الأملِ نوراً."
لمْ تعرفْ منْ أرسلَ هذهِ الرسالةَ. هلْ كانَ يوسفَ؟ هلْ كانَ شخصاً آخرَ؟ لكنَّ الكلماتِ لمستْ وتراً حساساً في قلبِها. شعرَتْ بـ"قشعريرةٍ" تسري في جسدِها. كانتْ تلكَ الكلماتُ كـ"بلسمٍ" يُداوي جراحَها، كـ"دليلٍ" في ظلمةِ حيرتِها.
أمضتْ سعادُ أياماً تتساءلُ عنْ صاحبِ الرسالةِ. كانتْ تتأملُ كلَّ منْ تلتقي بهم، تبحثُ عنْ عينينِ تحملانِ نفسَ الشغفِ، نفسَ الحيرةِ. هلْ كانَ هذا مجردَ خيالٍ جديدٍ، أمْ كانَ بدايةَ فصلٍ جديدٍ لمْ تتوقعْهُ؟
في مساءٍ هادئٍ، بينما كانتْ تُعدُّ وليمةً للعائلةِ، دخلَ عليها أحدُ أبناءِ عمومتها، شابٌّ يُدعى "خالدٌ". كانَ خالدٌ لطيفاً، مهذباً، وكانَ دائماً ما يبدو مُعجباً بسعادَ، لكنَّها لمْ تُعطِ لـ"إعجابِهِ" أيَّ أهميةٍ، فقدْ كانتْ أسيرةَ حبٍّ وهميٍّ، أوْ ربما حبٍّ حقيقيٍّ ولكنهُ ضائعٌ.
"سعادُ، هلْ تحتاجينَ مساعدةً؟" سألَها خالدٌ بـ"ابتسامةٍ" لطيفةٍ.
"لا، شكراً لكَ يا خالدٌ، كلُّ شيءٍ على ما يرامٍ،" أجابتْ سعادُ، وهيَ تحاولُ أنْ تُخفيَ توترَها.
نظرَ إليها خالدٌ بـ"تمعنٍ". "لقدْ رأيتُكِ بالأمسِ، كنتِ تبدينَ شاردةَ الذهنِ، هلْ كلُّ شيءٍ على ما يرامٍ؟"
شعرتْ سعادُ بأنَّ قلبَها يخفقُ بعنفٍ. هلْ كانَ خالدٌ هوَ صاحبُ الرسالةِ؟ بدتْ عيناهُ تحملانِ شيئاً منَ الحنانِ، شيئاً منَ الفهمِ.
"لا شيءَ، مجردُ تفكيرٍ في أمورٍ بعيدةٍ،" قالتْ سعادُ، وهيَ تُحاولُ أنْ تُحافظَ على هدوئِها.
"إذا احتجتِ إلى أيِّ شيءٍ، أوْ أردتِ التحدثَ، فأنا موجودٌ،" قالَ خالدٌ، ثمَّ غادرَ المطبخَ، تاركاً وراءهُ سعادَ في حيرةٍ أكبرَ.
هلْ كانتْ تلكَ الرسالةُ محاولةً منْ خالدٍ للتقربِ منها؟ هلْ كانَ ذلكَ ذكاءً منهُ، أمْ مجردَ صدفةٍ؟ أصبحتْ سعادُ في دوامةٍ منَ الشكوكِ والآمالِ. لقدْ علمتْها تجاربُها الأخيرةُ أنْ تكونَ حذرةً، لكنَّ قلبَها، قلبَ الفتاةِ التي تبحثُ عنِ الحبِّ، لمْ يستطعْ أنْ يتجاهلَ تلكَ الدعوةَ الخفيةَ.