الفصل 6 / 25

حب أبدي 168

خيوطُ الشَّكِّ المُتشابكةِ

بقلم سارة العمري

تَسلَّلَ الليلُ إلى أرجاءِ منزلِ جدتِها، مُلقياً بـ"عباءتِهِ" السَّوداءِ على كلِّ شيءٍ. لكنَّ الظلامَ لمْ يكنْ سوى غطاءٍ خارجيٍّ لظلامٍ أعمقَ كانَ يستعرُ داخلَ سعادَ. لمْ تكنْ قدْ استطاعتْ بعدُ أنْ تفكَّ لغزَ الرسالةِ، ولا أنْ تُحدِّدَ هويةَ صاحبِها. كانتْ كلُّ الاحتمالاتِ تدورُ في رأسِها كـ"دوامةٍ" لا تتوقفُ، تُثيرُ في نفسِها مزيجاً منَ الأملِ والخوفِ.

كانتْ تتذكرُ نظراتِ يوسفَ الأخيرةَ، تلكَ النظراتِ التي حملتْ مزيجاً منَ الحزنِ والرجاءِ. هلْ كانَ يرسلُ لها تلكَ الرسالةَ قبلَ أنْ يُجبَرَ على الارتباطِ بابنةِ عمِّها؟ أمْ أنَّها كانتْ مجردَ محاولةٍ أخيرةٍ لتهدئةِ مشاعرِها، بينما هوَ يمضي في طريقهِ؟ سؤالٌ كانَ يُؤلمُها، يُدمي قلبَها، ويُثيرُ في داخلِها شعوراً طاغياً بالعجزِ.

ومنْ ناحيةٍ أخرى، كانَ حضورُ خالدٍ المتزايدُ يُشكلُ لغزاً آخرَ. كانَ لطيفاً، مهذباً، ولكنْ هلْ كانَ إعجابُهُ بها حقيقياً، أمْ كانَ يلعبُ دورَ "المنقذِ" بدافعٍ آخرَ؟ لقدْ أدركتْ سعادُ، بعدَ تجربةِ يوسفَ، أنَّ الظواهرَ قدْ تكونُ خادعةً، وأنَّ الكلماتِ المعسولةَ قدْ تُخفي خلفَها نوايا مختلفةً.

في أحدِ الأيامِ، بينما كانتْ تُرتِّبُ بعضَ الأغراضِ القديمةِ في غرفةِ جدتِها، عثرتْ على علبةٍ خشبيةٍ صغيرةٍ، مزينةٍ بنقوشٍ عربيةٍ قديمةٍ. فتحتْها بحذرٍ، فوجدتْ بداخلِها مجموعةً منَ الرسائلِ المكتوبةِ بخطٍ يدويٍّ جميلٍ، بالإضافةِ إلى "صورةٍ" صغيرةٍ بالأبيضِ والأسودِ. كانتْ الصورةُ تجمعُ جدتَها في شبابهَا، وهيَ تقفُ بجانبِ رجلٍ وسيـمٍ، بعينينِ ذكيتينِ وابتسامةٍ واسعةٍ.

لمْ تستطعْ سعادُ أنْ تتعرفَ على الرجلِ في الصورةِ. لكنَّ الرسائلَ، التي كانتْ موجَّهةً إلى جدتِها، بدتْ وكأنَّها تروي قصةَ حبٍّ قديمٍ، قصةَ شغفٍ وحرمانٍ. كانتِ الرسائلُ مليئةً بالمشاعرِ الجياشةِ، بالتمنياتِ الصادقةِ، وبالآهاتِ التي تفوحُ منْ بينِ السطورِ.

"يا نورَ عيني، يا نبضَ قلبي، كمْ أشتاقُ إليكِ في كلِّ لحظةٍ... لقاؤنا القادمُ باتَ حلماً يراودني، وذِكراكِ هيَ السلوى في غيابِكِ..."

قرأتْ سعادُ الرسائلَ بشغفٍ، وبدأتْ تشعرُ بتعاطفٍ شديدٍ معَ جدتِها ومعَ صاحبِ تلكَ الرسائلِ. لقدْ كانتْ قصةَ حبٍّ محرمٍ، حبٍّ لمْ يُكتبْ لهُ أنْ يكتملَ. تساءلتْ سعادُ: هلْ كانَ هذا هوَ السببُ الذي جعلَ جدتَها تُصبحُ حكيمةً، صبورةً، وتُعلي منْ شأنِ الزواجِ الشرعيِّ؟

بدأتْ سعادُ تُدركُ أنَّ هناكَ الكثيرَ منَ الأسرارِ والعواطفِ المكبوتةِ في تاريخِ عائلتِها. هلْ كانتْ تجربتُها معَ يوسفَ، وحيرتُها بشأنِ خالدٍ، مجردَ صدىً لقصصٍ قديمةٍ؟ هلْ كانتْ الأقدارُ تُعيدُ نفسها بطرقٍ مختلفةٍ؟

في أحدِ الأيامِ، وبينما كانتْ سعادُ تجلسُ في الحديقةِ، مُتأملةً الورودَ المتفتحةَ، مرَّ بها خالدٌ. كانتْ تبدو شاردةَ الذهنِ، غائبةً عنِ الواقعِ.

"سعادُ، تبدينَ مُتعبةً،" قالَ خالدٌ بـ"صوتٍ" حنونٍ. "هلْ لي أنْ أُشارككِ هذهِ اللحظةَ؟"

ترددتْ سعادُ قليلاً، ثمَّ أشارتْ لهُ بالجلوسِ بجانبِها. سادَ صمتٌ مريحٌ للحظاتٍ، صمتٌ كسرتْهُ سعادُ أخيراً.

"خالدٌ، هلْ أنتَ... هلْ تعرفُ شيئاً عنْ رسالةٍ غامضةٍ وصلَتْني مؤخراً؟" سألتْ سعادُ، محاولةً أنْ تُحافظَ على رباطةِ جأشِها.

نظرَ إليها خالدٌ بـ"دهشةٍ" طفيفةٍ. "رسالةٌ؟ وما نوعُ هذهِ الرسالةِ؟"

"كانتْ... كانتْ تحتوي على كلماتٍ جميلةٍ، كلماتٍ تتحدثُ عنْ حبٍّ وأملٍ،" أجابتْ سعادُ، وهيَ تُحاولُ أنْ تقرأَ تعابيرَ وجهِهِ.

ابتسمَ خالدٌ ابتسامةً خفيفةً. "آه، ربما أعرفُ عنْ ماذا تتحدثينَ. لقدْ مررتُ بتجربةٍ مشابهةٍ."

شعرَتْ سعادُ بـ"نبضِ" أملٍ جديدٍ. "حقاً؟ ومنْ كانَ المرسلُ؟"

"لا يمكنني الجزمُ،" قالَ خالدٌ، وهوَ يُحاولُ أنْ يختارَ كلماته بعنايةٍ. "لكنْ، إذا كانتِ الرسالةُ تحملُ كلماتٍ طيبةً، وتُشعِركِ بالأملِ، فربما تكونُ منْ شخصٍ يريدُ لكِ الخيرَ، شخصٍ يُقدِّركِ."

كانَ جوابُ خالدٍ مُبهماً، لكنَّهُ كانَ كافياً لإثارةِ المزيدِ منَ الشكوكِ. هلْ كانَ يحاولُ التهربَ منَ الاعترافِ؟ أمْ أنَّهُ كانَ يُحاولُ أنْ يُبقيَ البابَ مفتوحاً لأمرٍ آخرَ؟

"لقدْ كانتِ الرسالةُ... مؤثرةً،" قالتْ سعادُ بترددٍ. "جعلتني أُفكرُ كثيراً."

"الحياةُ مليئةٌ بالتفاصيلِ التي قدْ تبدو عاديةً، لكنَّها تحملُ معانٍ أعمقَ،" قالَ خالدٌ، وهوَ ينظرُ إلى الأفقِ. "المهمُّ هوَ كيفَ نُفسِّرُ هذهِ التفاصيلَ، وكيفَ نسمحُ لها بالتأثيرِ فينا."

بدأتْ سعادُ تشعرُ بأنَّ خالدَ لديهِ الكثيرُ ليقولَهُ، لكنَّهُ كانَ يترددُ. هلْ كانَ يخشى ردَّ فعلِها؟ أمْ كانَ ينتظرُ اللحظةَ المناسبةَ؟

"أنا... أنا أُقدِّرُ لكَ اهتمامَكَ، يا خالدٌ،" قالتْ سعادُ بصوتٍ أكثرَ ثقةً. "ولكنْ، هناكَ أمورٌ لا أستطيعُ أنْ أتحدثَ عنها بسهولةٍ."

"أتفهمُ ذلكَ،" أجابَ خالدٌ. "ولكنْ، تذكري أنَّ الأسرارَ، حينَ تبقى حبيسةَ الصدورِ، قدْ تُصبحُ ثقيلةً. وأحياناً، قدْ يكونُ البوحُ بها هوَ بدايةَ الشفاءِ."

تَشابكتْ خيوطُ الشكِّ في عقلِ سعادَ. كانَ يوسفُ يُمثلُ لها الماضي المؤلمَ، والحبَّ المفقودَ، بينما كانَ خالدٌ يُمثلُ لها المستقبلَ الغامضَ، والأملَ المترددَ. كانتْ تقفُ على مفترقِ طرقٍ، حائرةً بينَ ماضيها وحاضرِها، وبينَ مشاعرِها المتناقضةِ.

في تلكَ الليلةِ، لمْ تستطعْ سعادُ أنْ تنامَ. كانتْ تستشعرُ ثقلَ كلِّ كلمةٍ قيلتْ، وكلِّ نظرةٍ تُلُقِّيتْ. كانتْ تعلمُ أنَّها على وشكِ اتخاذِ قرارٍ مصيريٍّ، قرارٍ قدْ يُغيِّرُ مسارَ حياتِها بالكاملِ. وكانَ عليها أنْ تُقرِّرَ، قبلَ فواتِ الأوانِ، أيَّ خيطٍ منْ خيوطِ الشكِّ هذا ستتبعُ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%