الفصل 7 / 25

حب أبدي 168

ريحُ العاصفةِ القادمةِ

بقلم سارة العمري

تَزايَدَ الارتباكُ في نفسِ سعادَ. لمْ يعدِ الأمرُ مجردَ حيرةٍ عابرةٍ، بلْ باتَ صراعاً داخلياً شديداً يُنهكُ قواها. كلُّما حاولتْ أنْ تُعيدَ ترتيبَ أفكارِها، كلَّما وجدتْ نفسها غارقةً في بحرٍ منَ الاحتمالاتِ المتضاربةِ.

كانَ يوسفُ، برغمَ خطبتِهِ، لا يزالُ يظهرُ في أحلامِها، يُمثِّلُ لها الشغفَ الممنوعَ، والحبَّ الذي لمْ يُتحققْ. كانتْ تتذكرُ كيفَ كانَ يُحدِّقُ فيها، وكيفَ كانتْ عيناهُ تلمعانِ حينَ يرونها. لمْ تستطعْ أنْ تُقنعَ نفسَها بأنَّ ما شعرتْ بهِ كانَ مجردَ وهمٍ. كانتْ تلكَ المشاعرُ عميقةً، حقيقيةً، وإنْ كانتْ غيرَ شرعيةٍ.

ومنْ ناحيةٍ أخرى، كانَ خالدٌ يُصبحُ أقربَ إليها بشكلٍ لا تخطئهُ العينُ. لمْ يعدْ حضورهُ مجردَ إعجابٍ عاديٍّ، بلْ كانَ يحملُ نبرةً منَ الاهتمامِ العميقِ، منَ الرغبةِ في فهمِها، ودعمِها. كانتْ كلماته عنِ الرسالةِ، عنِ الأسرارِ، تُشيرُ إلى معرفةٍ خفيةٍ، إلى ربما كانَ هوَ منْ أرسلَ تلكَ الكلماتِ التي أثارتْ فيها الأملَ.

في أحدِ الأيامِ، بينما كانتْ سعادُ تُساعدُ جدتَها في تحضيرِ حلوى العيدِ، دخلَ يوسفُ المنزلَ. كانَ اللقاءُ مفاجئاً، ولحظةً شعرتْ سعادُ بأنَّ قلبَها سيتوقفُ عنِ النبضِ. كانَ يوسفُ يبدو مُتعباً، شاحباً، وربما كانَ هناكَ ظلٌّ منَ الحزنِ يُخيمُ على وجهِهِ.

"مرحباً يا سعادُ،" قالَ يوسفُ بصوتٍ مُختنقٍ، ثمَّ استدركَ سريعا. "أقصدُ، السلامُ عليكم."

"وعليكم السلامُ، يا يوسفُ،" ردتْ سعادُ بصوتٍ بالكادِ يُسمعُ. حاولتْ أنْ تُخفيَ ارتجافَ صوتِها.

"كنتُ أمرُ بالصدفةِ، فأردتُ أنْ أُلقيَ السلامَ،" قالَ يوسفُ، وعيناهُ تتجهانِ نحو الأرضِ. "سمعتُ أنَّ... أنَّ حفلةَ الخطوبةِ ستكونُ قريباً."

"نعم، إن شاء اللهُ،" أجابتْ سعادُ، وهيَ تشعرُ وكأنَّ ثقلاً هائلاً قدْ استقرَّ على صدرِها.

"أتمنى لكِ كلَّ السعادةِ، يا سعادُ،" قالَ يوسفُ، ثمَّ انحنى ليُقبِّلَ يدَ جدتِها.

كانتْ تلكَ الكلماتُ بمثابةِ "طعنةٍ" جديدةٍ. لمْ تكنْ سعادُ تتوقعُ منهُ تمنياتٍ بالسعادةِ، وهيَ التي شعرتْ بأنَّهُ قدْ سلبَ منها حقَّها في السعادةِ.

بعدَ أنْ غادرَ يوسفُ، جلستْ سعادُ على كرسيٍّ، تشعرُ بالإعياءِ الشديدِ. "هلْ كانَ صادقاً؟ هلْ حقاً يتمنى لي السعادةَ؟" تساءلتْ.

في تلكَ الليلةِ، قررتْ سعادُ أنْ تبحثَ عنِ الحقيقةِ، بغضِّ النظرِ عنْ ثمنِها. كانَ عليها أنْ تفهمَ ما يجري، وأنْ تُنهيَ هذا الصراعَ الذي يُنهكُها.

في اليومِ التالي، تلقتْ سعادُ اتصالاً هاتفياً. كانَ الرقمُ غريباً. رفعتْ السماعةَ بترددٍ.

"ألو؟"

"سعادُ؟" جاءَ صوتٌ رجوليٌّ، لكنَّهُ بدا مألوفاً.

"نعم، منْ معي؟"

"إنَّهُ أنا، خالدٌ،" قالَ الصوتُ. "أردتُ أنْ أُخبرَكِ بشيءٍ، شيءٌ قدْ يُساعدُكِ على فهمِ ما يدورُ حولَكِ."

شعرتْ سعادُ بـ"قشعريرةٍ" تسري في جسدِها. "ماذا تقصدُ يا خالدٌ؟"

"أعلمُ أنَّكِ تبحثينَ عنِ الحقيقةِ،" قالَ خالدٌ. "وأعلمُ أنَّ هناكَ الكثيرَ منَ الأمورِ غيرِ الواضحةِ. سأُقابلكِ في المساءِ، في المقهى القديمِ، في المكانِ الذي اعتدنا اللقاءَ فيهِ. أريدُ أنْ أتحدثَ إليكِ بصراحةٍ."

أنهى خالدٌ المكالمةَ، تاركاً سعادَ في حالةٍ منَ الترقبِ الشديدِ. كانَ هذا هوَ ما تنتظرُهُ، فرصةٌ للحصولِ على إجاباتٍ، ولوْ كانتْ مؤلمةً.

في المساءِ، ذهبتْ سعادُ إلى المقهى. كانَ المكانُ هادئاً، تملأهُ رائحةُ القهوةِ العربيةِ. وجدَتْ خالدَ يجلسُ في زاويتِهِ المفضلةِ، ينتظرُها.

"مساءُ الخيرِ يا سعادُ،" قالَ خالدٌ، وهوَ ينهضُ ليُسلِّمَ عليها.

"مساءُ النورِ يا خالدٌ،" ردتْ سعادُ، وهيَ تجلسُ قبالتَهُ. "أتساءلُ ما الذي تودُّ إخباري بهِ."

نظرَ إليها خالدٌ بـ"جديةٍ". "سعادُ، أنا أعرفُ الكثيرَ مما يحدثُ. أعرفُ عنْ علاقتِكِ بيوسفَ، وعنْ مشاعرِكِ تجاهَهُ. وأعلمُ أنَّكِ تشعرينَ بأنَّكِ تعرضتِ للخداعِ."

صُدمتْ سعادُ. كيفَ عرفَ؟ هلْ كانَ يراقبُها؟

"لا تقلقي، لمْ أكنْ أتجسسُ عليكِ،" قالَ خالدٌ، وكأنَّهُ يقرأُ أفكارَها. "لكنَّ الأمورَ في مجتمعِنا الصغيرِ ليستْ خافيةً على الجميعِ. لقدْ رأيتُ حبَّكِ ليوسفَ، ورأيتُ حزنَكِ حينَ خطبَ ابنةَ عمِّكِ. ولذلكَ، عندما رأيتُ ردَّ فعلِكِ على الرسالةِ، شعرتُ بشيءٍ."

"الرسالةُ؟ هلْ كنتَ أنتَ منْ أرسلها؟" سألتْ سعادُ بـ"لهفةٍ".

ابتسمَ خالدٌ ابتسامةً خفيفةً. "ربما. أوْ ربما كانتْ مجردَ محاولةٍ لأُساعدَكِ على رؤيةِ الأمورِ بوضوحٍ. يوسفُ، يا سعادُ، كانَ ضحيةً لضغوطٍ عائليةٍ شديدةٍ. عائلتُهُ كانتْ مُصرَّةً على هذا الزواجِ. وهوَ، لكي يُرضيَهم، ولِكي يتجنبَ المزيدَ منَ المشاكلِ، وافقَ على الخطوبةِ."

"لكنَّهُ... ولكنَّهُ كانَ يُحبُّني،" قالتْ سعادُ بصوتٍ مُرتجفٍ.

"ربما أحبَّكِ، يا سعادُ، ولكنَّ حبهُ لمْ يكنْ كافياً ليتحدى كلَّ تلكَ الظروفِ،" قالَ خالدٌ بـ"أسفٍ". "هو لمْ يكنْ قوياً بما يكفي، ولمْ يكنْ لديهِ الشجاعةُ التي تمتلكينَها أنتِ."

شعرَتْ سعادُ وكأنَّ جداراً هائلًا قدْ انهارَ أمامَها. كلُّ ما بنتهُ منْ أملٍ في عودةِ يوسفَ، أوْ في فهمِ دوافعِهِ، قدْ تحطمَ إلى أشلاءٍ.

"إذنْ... إذنْ كلُّ شيءٍ كانَ مجردَ وهمٍ؟" قالتْ سعادُ، وعيناها تملؤها الدموعُ.

"ليسَ كلُّ شيءٍ،" قالَ خالدٌ. "مشاعركِ كانتْ حقيقيةً. وأنا... أنا أيضاً لديَّ مشاعرُ تجاهَكِ. مشاعرٌ بدأتْ تنمو حينَ رأيتُ كيفَ تتألمينَ، وكيفَ تُحاولينَ أنْ تظلي قويةً. الرسالةُ، كانتْ بدايةً، محاولةً لأُريكِ أنَّ هناكَ طرقاً أخرى، وأنَّ هناكَ منْ يُقدِّركِ حقاً."

تَجمدتْ سعادُ. كانتْ كلماتُ خالدٍ تُثيرُ في نفسِها مزيجاً منَ الحزنِ والامتنانِ، بلْ وربما شعوراً خفياً بالراحةِ. لقدْ كانتْ تنتظرُ هذهِ الحقيقةَ، حتى لوْ كانتْ مُرةً.

"وأنتَ، يا خالدٌ؟ ما هيَ مشاعركَ؟" سألتْ سعادُ، وهيَ تنظرُ في عينيهِ.

"أنا أُحبُّكِ يا سعادُ،" قالَ خالدٌ بـ"صدقٍ" لا يُمكنُ إنكارُهُ. "ولكنَّني لنْ أُجبرَكِ على شيءٍ. أردتُ فقطْ أنْ أُخبرَكِ بالحقيقةِ، وأنْ أُقدمَ لكِ يدي، إذا كنتِ مستعدةً لبدءِ فصلٍ جديدٍ، فصلٍ مبنيٍّ على الصدقِ والاحترامِ."

كانتْ ريحُ العاصفةِ القادمةِ تلوحُ في الأفقِ. كانتْ سعادُ تقفُ الآنَ أمامَ قرارٍ مصيريٍّ، قرارٍ سيُحدِّدُ ما إذا كانتْ ستظلُّ أسيرةَ الماضي، أمْ ستبدأُ رحلةً جديدةً نحو مستقبلٍ قدْ يكونُ أكثرَ إشراقاً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%