قلبي في يديك 170
لقاء على ضفاف النيل
بقلم مريم الحسن
كانت الرمال الذهبية تغفو تحت وطأة شمس القاهرة الساطعة، تنسج خيوطًا من الدفء على أطراف النخيل الباسقة التي تلوح في الأفق كحراس قدماء. وقفت "نور"، بخطواتها الواثقة التي تخفي وراءها قلقًا دفينًا، على شرفة منزلها المطل على النيل الخالد. كانت تشاهد الأضواء الأولى تتسلل بكسل من خلف الأفق، ترسم لوحة بديعة تتمازج فيها زرقة السماء بلونها الداكن مع وهج شمس الصباح الواعدة. في يدها، أمسكت بمفتاح نحاسي عتيق، بارد الملمس، يشهد على سنين طويلة مضت، وكأنها تحتضن ذكرى غائبة، روحًا تسكن بين جدران هذا البيت العريق.
كانت "نور" فتاة في ربيعها الخامس والعشرين، لم تذق بعد حلاوة الزواج، لكنها حملت على عاتقها مسؤوليات أسرة كبيرة. كانت عيناها الواسعتان، بلون العسل الصافي، تشعان ذكاءً وطموحًا، لكنهما كانتا تخفيان أيضًا بحرًا من الأحلام المؤجلة، وآلامًا صامتة. قضت أيام عمرها تخدم أسرتها، وتتفانى في رعاية شقيقتها الصغرى "ليلى"، التي كانت زهرة حياتها، وشمعتها التي تضيء دروبها. لم يكن لديها وقت للتفكير في نفسها، في أحلامها الخاصة، فكل ما تملكه كان مخصصًا لمن تحب.
اليوم، كان يومًا فارقًا. اليوم، كانت ستستلم ميراث جدها، المحل التجاري القديم الذي يقع في قلب القاهرة الفاطمية، وهو الذي ورثته عن والدها الذي رحل مبكرًا. كان هذا المحل، بتراثه العريق وعبق ماضيه، رمزًا لوجودها، وشاهداً على تاريخ عائلتها. كان لديها خطة طموحة لتحديثه، ليواكب العصر، لكنها كانت تعلم أن الطريق لن يكون مفروشًا بالورود. كانت تعلم جيدًا أن هناك عقبات، وأن هناك من يتربص بها، يسعى للاستيلاء على ما هو حق لها.
دفعت الباب الزجاجي للمحل، الذي كان لا يزال مغلقًا، فصدر صوت خشخشة قديمة، كأنها تستقبل زائرة عائدة من غياهب الزمن. استنشقت عبق الخشب المعتق، ورائحة التوابل الأصيلة التي ما زالت عالقة في زوايا المكان. كان المحل يعرض منتجات يدوية تقليدية، وزجاجات من العطور الفاخرة، وسجادًا شرقيًا منقوشًا بزخارف عجيبة. كان مكانًا يحتفي بالجمال، ويجسد فنونًا شرقية عريقة.
وبينما كانت تتفحص بصرها في زوايا المكان، تناهى إلى سمعها صوت خطوات تقترب. رفعت رأسها فوجدت نفسها وجهاً لوجه مع شاب لم تره من قبل. كان طويل القامة، ذا بنية رياضية، وملامح وجه حادة، لكنها تحمل جمالاً عربيًا أصيلًا. عيناه، بلون الليل، تحملان نظرة ثاقبة، عميقة، وكأنه يرى ما وراء الأشياء. كان يرتدي زيًا رسميًا، وفي يده ملف يحمله بحذر.
"أنتِ صاحبة هذا المكان؟" سأل بصوت جهوري، يحمل نبرة من التساؤل والدهشة.
"نعم، أنا نور. و أنت من تكون؟" أجابت "نور"، وقد استشعرت في صوته شيئًا من التحدي.
"أنا المهندس أحمد، من مكتب المساحة. جئت لأتفقد العقارات المجاورة. سمعت أن هذا المحل سيخضع لتجديدات." قال، ثم أضاف بنبرة أكثر هدوءًا: "أنا معجب جدًا بتصميمه التقليدي."
ابتسمت "نور" ابتسامة خفيفة، وهي تلاحظ كيف يحاول أن يتلطف. "شكرًا لك. إنه جزء من تاريخ عائلتي. و أنا أرى فيه مستقبلًا واعدًا."
"هذا ما أحب أن أسمعه. فالأصالة لا تتعارض مع التطور. بالعكس، هي التي تمنحه القيمة الحقيقية." قال "أحمد"، ثم مد يده إليها. "يسعدني التعرف عليكِ، السيدة نور."
صافحته "نور"، فشعرت بقوة يده، وبرود أطرافه. كانت تلك أول لمسة بينهما، لمسة خفيفة، لكنها تركت أثرًا في نفسها.
"لي الشرف، المهندس أحمد." قالت، وقد استشعرت في نظراته شيئًا غريبًا. لم تكن نظرات إعجاب فحسب، بل كانت تحمل فضولًا عميقًا، ورغبة في اكتشاف ما وراء هذا السكون الظاهري.
"لدي بعض الاستفسارات حول حدود العقار. هل يمكنني إلقاء نظرة؟" سأل "أحمد"، وهو يشير بيده إلى زاوية بعيدة من المحل.
"بالطبع. تفضل." قالت "نور"، وهي تشعر بتزايد فضولها تجاه هذا الشاب الغامض.
وبينما كان "أحمد" يتحرك في المكان، مستكشفًا زواياه، لم تكن "نور" تستطيع أن تنكر أن وجوده قد أضفى على المكان جوًا جديدًا، مزيجًا من الحداثة والغموض. كانت تراقبه، تحاول أن تفهم ما يدور في عقله، وما هي أهدافه الحقيقية.
"هذه الخريطة قديمة بعض الشيء،" قال "أحمد" وهو يتفحص أحد الملفات. "تحتاج إلى تحديث. خاصة مع التغييرات العمرانية التي طرأت على المنطقة."
"أنا أدرك ذلك. ولهذا السبب، أردت البدء بتحديث المحل، ثم التوسع لاحقًا." قالت "نور"، وهي تنظر إليه بثقة.
"التوسع؟ إلى أين؟" سأل "أحمد"، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة.
"هناك مساحة صغيرة خلف المحل، مهملة حاليًا. أرغب في استغلالها." قالت "نور"، وهي تشير بيدها نحو باب صغير خلف الطاولات.
"فكرة جيدة. قد تحتاجين إلى بعض الموافقات الرسمية." قال "أحمد"، ثم رفع نظره إليها. "لكن قبل ذلك، دعيني أعطيكِ بعض النصائح. المنطقة هنا لها تاريخ طويل، وتخضع لقوانين خاصة. قد تكون هناك بعض المفاجآت."
"مفاجآت؟" كررت "نور"، وقد تزايد القلق في صوتها.
"نعم. بعض النزاعات القديمة حول الملكيات. وربما بعض التحديات غير المتوقعة." قال "أحمد"، وعيناه لا تزالان مثبتتين عليها. "لكن لا تقلقي، أنا هنا للمساعدة."
"المساعدة؟" تساءلت "نور"، وهي تشعر بأن هذا الشاب يمثل لغزًا لا تستطيع حله.
"نعم. فأنا أؤمن بأن كل عمل يجب أن يبدأ بشكل صحيح. خاصة عندما يتعلق الأمر بإحياء تراث عريق." قال "أحمد"، وهو ينظر حوله باهتمام. "هذا المكان يستحق الأفضل."
تركته "نور" يتجول في المحل، وهي تفكر في كلماته. هل كان صادقًا في عرضه للمساعدة، أم أن هناك نوايا أخرى؟ شعرت وكأنها دخلت متاهة، وأن كل خطوة تخطوها تقودها إلى مزيد من التعقيد. كان هذا اللقاء غير المتوقع هو بداية قصة لم تكن تتوقعها أبدًا، قصة قد تغير مجرى حياتها، وتكشف لها عن أسرار لم تكن تعلم بوجودها.
أنهى "أحمد" تفحصاته، وعاد إليها بابتسامة واسعة. "شكرًا لكِ على وقتكِ، السيدة نور. سأرسل لكِ تقريرًا مفصلاً حول ما وجدته. و إذا احتجتِ أي شيء، فلا تترددي في الاتصال بي."
"شكرًا لك." قالت "نور"، وهي تأخذ منه بطاقة عمل تحمل اسمه ولقبه. "سأتصل بك بالتأكيد."
شاهدت "نور" "أحمد" يغادر المحل، ثم أغلقت الباب خلفه. عادت إلى الشرفة، وهي تشعر بشيء غريب يتسرب إلى قلبها. كان ذلك مزيجًا من الخوف والأمل، من الشك والفضول. كان لقاءً قصيرًا، لكنه ترك بصمة لا تُمحى. كان بداية فصل جديد، فصل مليء بالمفاجآت، وربما بالحب، لكنه بالتأكيد كان مليئًا بالأسئلة.