الفصل 13 / 25

قلبي في يديك 170

رياح التغيير العاتية

بقلم مريم الحسن

تسللت خيوط الشمس الذهبية من شقوق الستائر العتيقة، لتوقظ الأستاذة ليلى من سباتها العميق. فتحت عينيها ببطء، وهي تستشعر ثقل الأيام الأخيرة على كتفيها. كانت قد قضت ليلة مضطربة، تتصارع فيها الأفكار المتناقضة، وتتداخل فيها الذكريات الحزينة مع آمال واهية. جلست على طرف السرير، وارتدت حجابها بهدوء، ثم اتجهت نحو النافذة لتستقبل نور الصباح. كان منظر الشارع الهادئ، الذي بدأ يستيقظ ببطء، يمنحها بعض السكينة.

في الأسفل، كانت رائحة القهوة العربية الأصيلة تفوح من المطبخ، إيذانًا ببداية يوم جديد. نزلت ليلى بخطوات مترددة، لترى والدتها، الحاجة فاطمة، واقفة عند الموقد، تفرك يديها بالقماش وهي تبتسم لها ابتسامة حانية. "صباح الخير يا ابنتي، نوّرتِ البيت."

"صباح النور يا أمي." أجابت ليلى، وشعرت ببعض الدفء يغمر قلبها. كانت علاقتها بوالدتها قوية، كانت ملجأها وملاذها في أوقات الشدة.

تناولت ليلى فطورها بصمت، وهي تستمع إلى أحاديث والدتها عن أحوال الجيران والأخبار المتداولة في الحي. لكن عقلها كان يسبح بعيدًا، مشتتًا بين مستقبلها المهني ومشاعرها المكبوتة. قضية الأستاذ كريم كانت لا تزال تثير قلقها. لم يكن مجرد زميل عمل، بل كان شخصية أثرت فيها بعمق، بطيبته، وفكره المستنير، وتدينه الحقيقي.

في الجامعة، كانت الأجواء مشحونة. وصلت ليلى إلى مكتبها، لتجد مجموعة من الطالبات ينتظرنها، وجوههن تعلوها علامات القلق. "أستاذة ليلى، ماذا سنفعل؟ لقد تأكد الخبر، وسيتم تعديل المنهج الدراسي. نحن متخوفات جدًا من هذا التغيير."

تنهدت ليلى. كانت تعلم أن هذا القرار لم يكن قرارها وحدها، بل كان نتاج سياسات عليا. "أنا أفهم قلقكن يا بناتي. لكن علينا أن نتعامل مع الوضع بحكمة. سأبذل قصارى جهدي لحمايتكم، وسنبحث عن أفضل السبل للتأقلم مع هذه المستجدات."

كانت كلماتها تحمل بعض الطمأنينة، لكن عينيهن كانت لا تزال تشع بقلق عميق. بدأت ليلى في مراجعة الأوراق والمستندات المتعلقة بالتعديلات الجديدة، محاولة إيجاد ثغرات أو طرق لتخفيف الأثر السلبي على الطالبات. كان الأمر أشبه بمحاولة بناء جسر فوق نهر هائج.

بعد ساعات من العمل الشاق، استدعتها إدارة الكلية. دخلت مكتب العميد، وهي تشعر بثقل المسؤولية. كان العميد، الدكتور أحمد، رجلاً مسناً، ذا وقار وهيبة. "تفضلي يا أستاذة ليلى، اجلسي."

جلست ليلى، ووضعت حقيبتها على الأرض. "أشكرك يا دكتور. هل هناك ما تود إبلاغي به؟"

"نعم، لدي بعض الأخبار لك، ليست كلها سارة." قال الدكتور أحمد، وهو يقلب بعض الأوراق أمامه. "كما تعلمين، فإن التعديلات الجديدة في المنهج الدراسي ستؤثر بشكل مباشر على بعض المواد التي تدرسينها. وبناءً على ذلك، فقد تقرر تقليص بعض الساعات التدريسية، وفي بعض الحالات، قد يتم إلغاء بعض الأقسام."

شعرت ليلى بصدمة خفيفة. "هل تقصد، يا دكتور، أن هناك احتمالاً لتقليص عدد المحاضرات الخاصة بي؟"

"ليس فقط لك، بل لعدد من الزملاء. القرار اتخذ لضمان سير العملية التعليمية وفقاً للتوجهات الجديدة. ولكن، هناك جانب آخر أريد التحدث معك فيه." تردد العميد للحظة، ثم نظر إليها بعينين جادّتين. "وصلني تقرير من الأستاذ كريم، رئيس قسم الدراسات الإسلامية، يثني فيه على أدائك المتميز، ويشير إلى أنكِ من أفضل الكفاءات لدينا. وقد رشحكِ لتمثيل القسم في مؤتمر دولي قادم حول "الأخلاق في المجتمعات المعاصرة".

ابتسمت ليلى ابتسامة باهتة. كان هذا الخبر مفاجئًا. "مؤتمر دولي؟ لم أكن أتوقع هذا على الإطلاق."

"نعم. هو فرصة ثمينة لكِ، وللكلية. الأستاذ كريم أكد لي أن خبرتكِ ورؤيتكِ ستكونان إضافة قوية لهذا المؤتمر. لكن، هناك شرط."

"ما هو الشرط يا دكتور؟" سألت ليلى باهتمام.

"المؤتمر سيعقد في إسطنبول، وسيتطلب السفر لمدة أسبوع كامل. والأهم من ذلك، أنهم يشترطون أن يكون المشارك قد تجاوز مرحلة معينة في حياته المهنية، أو أن يكون لديه رؤية واضحة للمستقبل. الأستاذ كريم أشار إلى أنكِ في مرحلة تتطلب منكِ اتخاذ قرارات مصيرية، وأنه يرى في هذه المشاركة فرصة لكِ لتعزيز مكانتكِ وخبراتكِ."

كان الكلام يتدفق من فم العميد، لكن ليلى كانت بالكاد تستوعبه. مؤتمر دولي، إسطنبول، قرار مصيري... كل هذه الكلمات كانت تدور في ذهنها مثل دوامة. كانت تعلم أن كريم له دور كبير في هذه الفرصة. شعرت بامتنان ممزوج بالحيرة. كيف يمكنها أن تقبل؟ وهل هذا يعني ابتعادها عن كل ما تعرفه، وعن هذه الجامعة التي قضت فيها سنوات عمرها؟

"أشكرك يا دكتور. سأفكر في الأمر جيدًا." قالت ليلى، وهي تشعر بأن خياراتها تتكاثر، وأن الطريق أمامها أصبح أكثر تعقيداً.

خرجت ليلى من مكتب العميد، وقلبها يخفق بسرعة. كانت رياح التغيير العاتية قد بدأت تضرب حياتها، جارفة معها بعض الثوابت، ومقدمة بعض الفرص التي لم تكن تتوقعها. جلست في سيارتها، وهي تنظر إلى الطريق أمامها. هل هذه فرصة للنمو أم اختبار آخر لم يختبره إيمانها وصبرها؟

في تلك الليلة، عندما خلدت ليلى إلى فراشها، لم تجد النوم. كانت تفكر في المؤتمر، وفي كريم، وفي والديها. كانت تدرك أن قرارها لن يؤثر عليها وحدها، بل سيمتد ليشمل كل من حولها. كانت تتساءل عن نوايا كريم، وعن معاني كلماته. هل هي مجرد مبادرة مهنية، أم هناك ما هو أعمق من ذلك؟ كانت تعلم أن الإجابة لن تأتي بسهولة، وأن عليها أن تصلي وتستخير، وأن تثق في حكمة الله وقدره. كانت الأيام القادمة تحمل الكثير من المفاجآت، والكثير من التحديات.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%