قلبي في يديك 170
أوراق مكشوفة على طاولة الحياة
بقلم مريم الحسن
اجتمع الأستاذ كريم مع الدكتور هشام، رئيس قسم التخطيط والتطوير الأكاديمي، في مقهى هادئ خارج أسوار الجامعة. كان الدكتور هشام رجلاً واسع الأفق، يحمل في جعبته الكثير من الخبرات، وكان كريم يثق في حكمته.
"هل من أمر جلل يا كريم؟ أرى القلق بادياً على وجهك." قال الدكتور هشام، وهو يأخذ رشفة من قهوته.
"نعم يا دكتور. لقد علمت بأن هناك حملة منظمة ضد بعض الأساتذة الذين يلتزمون بالمنهج الشرعي الأصيل. وأن هناك من يسعى لتقليل نفوذنا." بدأ كريم، وهو يشرح ما سمعه من المتصل المجهول.
اتسعت عينا الدكتور هشام. "حملة منظمة؟ هذا أمر خطير. من هم هؤلاء؟ ولماذا يفعلون ذلك؟"
"لا أعرف هوياتهم بالضبط، ولكن يبدو أنهم يستغلون التغييرات الأخيرة في الجامعة. وقد سمعت أن هناك تقريراً يجهز ضدي وضد بعض الزملاء. وحتى الأستاذة ليلى، التي رشحتها لمؤتمر إسطنبول، يرى فيها البعض تهديداً."
"الأستاذة ليلى؟ إنها من أفضل الكفاءات لدينا. لماذا يراها هؤلاء تهديداً؟"
"يبدو أنهم لا يريدون لأصواتنا أن تصل إلى المحافل الدولية. وأنهم يرون في التزامها بالمنهج الشرعي عائقًا أمام مشاريعهم. لقد تلقيت مكالمة من شخص مجهول، حذرني من هذا الأمر."
تنهد الدكتور هشام. "هذا مؤسف حقًا. الجامعة كانت دائمًا منبرًا للعلم والمعرفة، وليس ساحة للصراعات الشخصية أو الأيديولوجية. يجب أن نواجه هذا الأمر بحكمة وشجاعة. لا يمكننا السماح لأحد بالعبث بمستقبل طلابنا أو بتشويه سمعة جامعتنا."
"وما هي الخطوات التي ترونها مناسبة يا دكتور؟" سأل كريم، وهو يشعر ببعض الأمل يتدفق إلى قلبه.
"علينا أولاً أن نجمع المزيد من المعلومات. لا يمكننا التصرف بناءً على شائعات أو مكالمات مجهولة. يجب أن نتأكد من الحقائق. ثم، علينا أن نتحرك بشكل جماعي. لن أسمح بأن يتم استهداف أي من أساتذتنا دون وجه حق."
"شكرًا لك يا دكتور. أنت دائمًا سند لنا."
"لا شكر على واجب يا كريم. نحن جميعًا فريق واحد، وعلينا أن ندافع عن مبادئنا وقيمنا. وبالنسبة للأستاذة ليلى، فإن فرصة المؤتمر هذه مهمة جدًا لها. ويجب أن نحاول تمكينها من الحصول عليها، وأن نحميها من أي محاولات للتشويش عليها."
في هذه الأثناء، كانت ليلى قد اتخذت قرارها. بعد صلاة الاستخارة، والاستشارة مع والديها، ومع سارة، شعرت بالارتياح. كانت تعلم أن الطريق لن يكون سهلاً، لكنها كانت مستعدة للمضي قدمًا. اتصلت بالعميد، وأبلغته بموافقتها على حضور المؤتمر.
"خبر سار يا أستاذة ليلى." قال العميد، بابتسامة. "لقد تأكدت من كل الترتيبات. سيكون هناك زميل من قسم الدراسات الإسلامية سيرافقكِ، الأستاذ كريم، ليكون على اطلاع دائم بتقدمكِ، ولتنسيق الأمور اللوجستية."
شعرت ليلى ببعض المفاجأة. "الأستاذ كريم؟"
"نعم. لقد طلب هو ذلك بنفسه. قال إنها فرصة مهمة لكِ، وأنه يريد أن يتأكد من أن كل شيء يسير على ما يرام."
لم تكن ليلى تفهم لماذا يريد كريم مرافقتها. هل هي مجرد مسؤولية مهنية، أم هناك شيء آخر؟ كانت تشعر بالتناقض. من جهة، كانت سعيدة بهذه الفرصة، ومن جهة أخرى، كانت تشعر ببعض التردد تجاه هذه العلاقة المتنامية بينها وبين كريم. كانت تحاول جاهدة أن تحافظ على حدود مهنية، ولكن مشاعرها كانت تخبرها شيئًا آخر.
بعد انتهاء المكالمة، شعرت ليلى بأن الأمور تتسارع. كان عليها أن تستعد للسفر، وأن تستجمع كل قوتها لمواجهة ما سيأتي.
في وقت لاحق من ذلك اليوم، تلقت ليلى رسالة بريد إلكتروني غريبة. كانت من عنوان غير معروف، ولم يكن بها سوى سطر واحد: "احذري من نوايا الأستاذ كريم. ليس كل ما يظهر هو الحقيقة."
شعرت ليلى بالخوف يتسلل إلى قلبها. من أين جاءت هذه الرسالة؟ ومن الذي يريد أن يضر بسمعة كريم، أو ربما بها؟ كانت تتذكر كلمات المتصل المجهول لكريم، والتقرير الذي يجهز. هل كانت هذه الرسالة مرتبطة بتلك الحملة؟
ذهبت إلى مكتبة الجامعة، وبدأت تبحث عن كتب حول السلوك الاجتماعي في المجتمعات الإسلامية، وحول دور المرأة في الدعوة إلى الله. كانت تحاول أن تفهم الصورة الأكبر، وأن تستوعب السياق الذي كانت تتحرك فيه.
كانت تشعر بأنها في وسط معركة، وأنها ليست مجرد طالبة أو أستاذة، بل هي رمز لقيم معينة، وأن هناك من يحاول تشويه هذه القيم. كانت تشعر بالمسؤولية، وتشعر بالقلق.
في المساء، بينما كانت ليلى تتحدث إلى والدتها، سألتها الحاجة فاطمة: "ماذا بكِ يا ابنتي؟ تبدين قلقة."
"لا شيء يا أمي. مجرد ضغوط العمل."
"أتمنى أن تكوني بخير. تذكري أن الله معكِ، وأن الدعاء هو سلاح المؤمن."
"أعلم يا أمي. وأنا أفعل ذلك."
نظرت ليلى إلى السماء المظلمة، ودعت الله أن يكشف لها الحقيقة، وأن يحميها من كل سوء. كانت تعلم أن الأيام القادمة ستحمل المزيد من المفاجآت، وأن عليها أن تكون على أهبة الاستعداد. كانت أوراق حياتها تتناثر أمامها، وكان عليها أن تجمعها بعناية، وأن تعيد ترتيبها، لتستمر في مسيرتها.