الفصل 19 / 25

قلبي في يديك 170

صدقٌ مُختبرٌ ووشاحٌ من الشك

بقلم مريم الحسن

تسللت أشعةُ الشمسِ الخجولةِ من بينِ ستائرَ الغرفة، لتلامسَ وجهَ سارةَ النائم، لكنها لم تستطعْ أن تبددَ ظلامَ القلقِ الذي خيّمَ على روحها. بقيت مستيقظةً طوالَ الليل، تدورُ في رأسها كلماتُ جدتها، تتناثرُ كشظايا الزجاجِ في أرجاءِ ذاكرتها، تجرحُ قلبها وتُدمي عقلها. "هناك أحقادٌ دفينةٌ... وهناك أناسٌ لا يترددون في الانتقام... قد يؤثرُ على مستقبلِكما... خطرٌ على أمنكِ."

لقد استيقظتْ سارةُ بحملٍ ثقيلٍ على صدرها، حملٌ لم تكنْ تتوقعهُ قط. العلاقةُ التي بنتها مع أحمدَ، المبنيةُ على الثقةِ والحبِّ والاحترامِ المتبادل، بدأتْ الآنَ تتخللها ظلالٌ قاتمةٌ من الشك. لم تكنْ تودُّ الشكَّ في أحمدَ، فهو الذي رأتهُ في أشدِّ المواقفِ صدقاً وأمانة. لكن كلماتِ جدتها كانتْ كالبذورِ التي تُزرعُ في أرضٍ خصبةٍ، لتنبتَ شكوكاً عميقةً، وتُغذّيَ مخاوفَ لم تعرفها من قبل.

ارتدتْ ثوبَها، وخرجتْ بهدوءٍ من غرفتها. رأتْ والدتها في المطبخِ تُعدُّ فطورَ الصباح. ابتسمتْ لها سارةُ ابتسامةً باهتةً، بالكادِ تظهرُ على وجهها المتعب. "صباحُ الخيرِ يا أمي."

"صباحُ النورِ يا حبيبتي. تبدينَ شاحبةً. هل أنتِ بخير؟" سألتْ الأمُ بقلقٍ، ولاحظتْ الشحوبَ الذي غطى وجهَ ابنتها.

"نعم يا أمي، أنا بخير. فقط لم أنمْ جيداً." حاولتْ سارةُ أن تبدوَ طبيعيةً، لكن عينيها عكسَتا قلقاً لا تستطيعُ إخفاءه.

جلستْ تتناولُ طعامَها بصمتٍ، بينما كانتْ والدتها تسألها عن أحوالِها. فجأةً، رنَّ هاتفُها. كانتْ رسالةٌ من أحمد. "صباحُ الخيرِ يا قلبي. اشتقتُ إليكِ. هل يمكنُ أن نلتقيَ اليوم؟ أريدُ أن أتحدثَ معكِ في أمرٍ مهم."

تسارعتْ دقاتُ قلبِ سارة. "أمرٌ مهم." هل كانَ أحمدُ يشعرُ بنفسِ القلقِ الذي تشعرُ به؟ هل كانَ لديهِ ما يقولهُ؟ أم أنَّ الأمرَ الذي يريدُ التحدثَ فيهِ هو نتيجةٌ لشيءٍ آخرَ غيرَ تلكَ الأسرارِ العائلية؟

ردتْ عليهِ: "صباحُ النورِ يا أحمد. بالتأكيد، متى وأينَما تشاء. لديَّ أنا أيضاً ما أريدُ التحدثَ فيه."

لم تكنْ تعرفُ كيفَ ستبدأُ الحديث. كيفَ تطرحُ سؤالاً عن ماضٍ قد يكونُ ألماً لوالدتهِ؟ كيفَ تواجهُ حبَّها بمنطقِ المخاوفِ والشكوك؟

بعدَ عدةِ ساعات، وجدتْ سارةُ نفسها في حديقةٍ هادئةٍ، تفصلُ بينَ أحيائها وأحياءَ أحمد. كانَ أحمدُ ينتظرها، واقفاُ تحتَ شجرةِ ليمونٍ تزينها أزهارٌ بيضاء. ابتسمَ لها عندما رآها، ابتسامةٌ كانتْ دائماً تبعثُ في قلبها الدفءَ والأمان، لكنها اليومَ بدتْ باهتةً قليلاً في عينيها.

"سارة، أهلاً بكِ. تبدينَ قلقةً." قالَ أحمدُ بصوتٍ مطمئن، ومدَّ يدهُ ليصافحها.

أمسكتْ بيده، وشعرتْ بالدفءِ الذي اعتادتْ عليه، لكنها لم تشعرْ بنفسِ الاطمئنان. "نعم يا أحمد. هناكَ أمرٌ يقلقني. وجدتكَ في رسالتكَ تقولُ أنكَ تريدُ التحدثَ في أمرٍ مهم. هل يتعلقُ الأمرُ بما أفكرُ فيه؟"

نظرَ إليها أحمدُ بدهشةٍ، ثمَّ أخذَ نفساً عميقاً. "ربما. في الواقع، كنتُ أودُّ أن أتحدثَ إليكِ عن أمورٍ تتعلقُ بعائلتي. أمورٌ كنتُ أتمنى أن لا أضطرَ للحديثِ عنها في هذا الوقت، لكنني شعرتُ أن من واجبي إخباركِ بكلِّ شيءٍ قبلَ أن تتطورَ الأمورُ بيننا."

ازدادتْ ضرباتُ قلبِ سارة. "هل تقصدُ...؟"

"نعم، يا سارة. هناكَ قصةٌ طويلةٌ ومعقدةٌ في ماضي عائلتي. قصةٌ فيها بعضُ الخصومِ القدامى، وبعضُ الأحداثِ التي لا تزالُ تلقي بظلالِها. والدتي، ووالدي، وكلُّ أفرادِ عائلتي، يتجنبون الحديثَ عن هذا الأمرِ كثيراً. وهي قصةٌ أتمنى أن لا تؤثرَ عليكِ، أو علينا."

كلماتُ أحمدَ كانتْ مشابهةً لكلماتِ جدتها، لكنها أتتْ منهُ مباشرةً، مباشرةً من قلبِ الرجلِ الذي تحب. هل كانَ هذا يعني أن جدتها كانتْ على حق؟ أم أن أحمدَ كانَ يحاولُ إبقاءَ الأمورَ في نصابها؟

"هل هو أمرٌ خطيرٌ يا أحمد؟" سألتْ سارةُ بصوتٍ منخفضٍ، تشعرُ بأن حلقها بدأَ يضيق.

"خطيرٌ بالمعنى الذي قد يؤثرُ على استقرارِنا، وعلى أمنِنا. كانتْ هناكَ مشاكلُ في الماضي، مشاكلُ كادتْ أن تؤديَ إلى عواقبَ وخيمة. لكننا، والحمدُ لله، تجاوزنا معظمَها. ومع ذلك، فإن بعضَ الأطرافِ لم تنسَ."

"وماذا عنكَ؟ أنتَ تعرفُ بكلِّ هذا؟"

"أعرفُ جزءاً منه. لم يتمَّ إخباري بكلِّ التفاصيل، ولم أرغبْ في الخوضِ فيها. أرادَ والدي دائماً أن يحميني منها، وأن يمنحني حياةً طبيعية. لكنني أفهمُ أن هذا الأمرَ قد يصبحُ مشكلةً لنا في المستقبل. وهذا ما جعلني أفكرُ ملياً قبلَ أن أتقدمَ إليكِ بشكلٍ رسمي."

"وهل تقدمتَ إليَّ إذاً وأنتَ تعرفُ أن هناكَ مشكلة؟" سألتْ سارةُ، شعرتْ ببرودةٍ تسري في أطرافها.

"سارة، أنا أحبكِ. وأنتِ تعرفينَ ذلك. ولا أريدُ أن أخفيَ عنكِ شيئاً قد يؤثرُ على علاقتنا. كنتُ أنتظرُ اللحظةَ المناسبةَ للتحدثِ عن هذا الأمر. كنتُ أتمنى أن تكونَ الأمورُ قد حُلتْ بالكامل. لكن يبدو أن بعضَ الأمورِ لا تزالُ معلقة."

"ولكن أحمد، كيفَ لي أن أبنيَ مستقبلاً مع رجلٍ قد يكونُ دائماً مهدداً بسببِ ماضيه؟ كيفَ لي أن أضمنَ أمنَ عائلتنا؟"

"أنا لن أتركَ شيئاً يهددُكِ يا سارة. ولن أدعَ أحداً يؤذيكِ. سأقاتلُ لأجلِنا. لكنني أردتُ أن تعرفي الحقيقةَ كاملةً، وأن تتخذي قراركِ بناءً على معرفةٍ كاملةٍ بالوضع."

شعرتْ سارةُ بأن دموعها بدأتْ تتساقطُ على خديها. "ولكن لماذا لم تخبرني جدتي بكلِّ هذا؟ هي فقط ألمحتْ إلى وجودِ مشكلة، لكنها لم تذكرْ تفاصيلَها."

"جدتكِ؟ هل تحدثتِ مع جدتكِ عن هذا الأمر؟" سألَ أحمدُ بلهجةٍ مفاجئة.

"لا، لم أتحدثْ معها. بل هي التي بدأتْ بالحديثِ عن الأمرِ أمس. وشعرتُ أن ما قالتهُ يتناسبُ مع ما كنتَ تفكرُ فيه."

تنهدَ أحمدُ بعمق. "ربما كانَ لديها سببٌ وجيهٌ لعدمِ ذكرِ التفاصيل. بعضُ التفاصيلِ قد تكونُ مؤلمةً جداً. والحقيقةُ أنني لا أعرفُ كيفَ أفسرُ لكِ كلَّ شيءٍ دونَ أن أجعلكِ تخافينَ أكثر."

"ولكن الخوفَ موجودٌ بالفعلِ يا أحمد. الخوفُ من المستقبل، الخوفُ من المجهول. أخبرني، ما هو بالضبطِ ما حدثَ؟ ومن هم هؤلاءِ الأشخاصُ الذينَ لم ينسوا؟"

نظرَ أحمدُ إلى الأرضِ للحظةٍ، ثمَّ رفعَ عينيهِ لينظرَ إليها. "هناك قصةٌ قديمةٌ تتعلقُ بأرضٍ، وبخلافٍ تجاريٍّ بينَ عائلتي وعائلةٍ أخرى. الخلافُ تطورَ إلى ما هو أبعدَ من ذلك، وشملَ أحقاداً شخصيةً. وللأسف، فإن بعضَ أفرادِ تلكَ العائلةِ لا يزالون يحملونَ ضغينةً."

"وهل هم على استعدادٍ لمواجهتكم؟"

"لقد حاولوا في السابق. والحمدُ لله، فإن عائلتي قويةٌ ولديها القدرةُ على حمايةِ نفسها. لكن الأمرَ لا يخلو من التوتر. وهذا التوترُ قد يتصاعدُ في أيِّ لحظة."

شعرتْ سارةُ بأنها تقفُ في وسطِ عاصفة. كلُّ كلمةٍ تسمعها تزيدُ من اضطرابها. "ولماذا لم تحلوا هذا الخلافَ نهائياً؟"

"الأمرُ ليسُ بالسهولةِ التي تتصورينها. هناكَ أمورٌ قديمةٌ، وعنادٌ، ورغبةٌ في الانتقام. لقد حاولنا في عدةِ مناسباتٍ إيجادَ حلٍّ، لكنهم لم يكونوا متعاونين. بل على العكس، يبدو أنهم يستمتعونَ بإثارةِ المشاكل."

"وهل تعتقدُ أنهم قد يستهدفوننا نحن؟ أنا وأنت؟"

"لا أظنُ ذلكَ بشكلٍ مباشرٍ الآن. لكن العلاقاتِ الأسريةَ قد تتأثرُ. وقد يتمُّ استغلالُ زواجنا لإلحاقِ الأذى."

"إلحاقِ الأذى؟ ما نوعُ الأذى؟" تساءلتْ سارةُ، وشعرتْ بقلبها يرتعشُ خوفاً.

"لا يمكنني أن أقولَ لكِ كلَّ شيءٍ الآن. بعضُ الأمورِ قد تكونُ حساسةً جداً. لكن ما أريدُ أن تعرفيه هو أنني لن أسمحَ لأيِّ أحدٍ بأن يعبثَ بمستقبلنا. سأكونُ قوياً من أجلكِ، ومن أجلِنا."

شعرتْ سارةُ بأنها لا تزالُ تقفُ على مفترقِ طرق. أحمدُ كانَ صادقاً معها، وهذا ما جعلها تشعرُ ببعضِ الارتياح. لكنه لم يزِلْ المخاوفَ تماماً. كانتْ الحقيقةُ صادمةً، وكانتْ ثقيلةً، وكانتْ تلقي بظلالِها على كلِّ شيء.

"أحمد، أنا لا أعرفُ ماذا أقول. أنا مصدومةٌ. ومخيفةٌ."

"أتفهمُ ذلكَ يا سارة. ولكني أرجوكِ، لا تدعي هذا الأمرَ يسيطرُ عليكِ. نحنُ نحبُ بعضنا. وهذا الحبُ هو أقوى سلاحٍ لدينا."

"ولكن هل هو كافٍ؟" سألتْ سارةُ، متسائلةً عن قوةِ الحبِّ أمامَ رياحِ الماضي العاتية.

"سنجعلهُ كافياً. سنعملُ معاً. وسنجدُ حلاً. وثقي بأنني لن أخذلكِ أبداً."

شعرتْ سارةُ بلمسةٍ على يدها. رفعتْ عينيها لتنظرَ إلى أحمد. كانَ ينظرُ إليها بعينينِ صادقتين، مملوءتينِ بالحبِّ والإصرار. هل كانتْ هذهِ كافيةً لتتجاوزَ مخاوفها؟ هل كانَ هذا الحبُ قوياً بما يكفي ليتحملَ عبءَ هذا الماضي؟

"أحمد، أنا... أنا لا أعرفُ. أحتاجُ وقتاً لأفكرَ."

"خذي وقتكِ كلهُ يا سارة. لكن لا تنسي أنني هنا، وسأكونُ دائماً هنا من أجلكِ."

نظرتْ سارةُ إلى أحمد، وشعرتْ بأنها تقفُ على حافةِ تحدٍّ كبير. لقد أُعطيتْ الحقيقة، لكن الحقيقةَ كانتْ مريرةً. هل كانتْ قادرةً على التعايشِ مع مرارتها؟ هل كانَ حبهما قوياً بما يكفي ليصمدَ أمامَ غضبِ الماضي؟ لقد أصبحتْ على المحكِّ، والقرارُ بينَ يديها، لكنه قرارٌ لم تعدْ تتأكدُ من عواقبه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%