قلبي في يديك 170
همسات الماضي في أروقة البيت العتيق
بقلم مريم الحسن
عاد "أحمد" إلى سيارته الفاخرة، وقد غلّفت وجهه ابتسامة ماكرة، لم تكن تبدو على وجهه أمام "نور". كان ملف القضية الذي يحمله بين يديه، يحوي معلومات دقيقة عن ملكية المحل، وعن تاريخ عائلته. لم يكن مجرد مهندس مساحة، بل كان وريثًا لأحد كبار رجال الأعمال في القاهرة، الذي لطالما سعى للسيطرة على العقارات القديمة في قلب المدينة. كان المحل الذي ورثته "نور" عن جدها، يقع في منطقة ذات قيمة استراتيجية عالية، وكان عمه، الذي كان له دور كبير في قضية عائلته، يطمع فيه منذ سنوات.
"سوف تأخذين كل شيء، أيتها الفتاة." تمتم "أحمد" لنفسه، وهو يشغل محرك السيارة، ويطلقها في شوارع القاهرة المزدحمة. كانت نظراته تتجه نحو المحل القديم، الذي لا يزال يلوح في الأفق. "لكن ليس بهذه السهولة."
في هذه الأثناء، كانت "نور" تعود إلى منزلها، وهي تشعر بحالة من التشتت. كل ما رأته وسمعته في ذلك الصباح كان يدور في رأسها. نظرات "أحمد" الثاقبة، كلماته التي تحمل معنى مزدوجًا، كل ذلك ترك لديها انطباعًا غامضًا. جلست في غرفتها، وهي تنظر إلى بطاقة عمل "أحمد". المهندس أحمد، مؤسسة "الرؤى الهندسية". بدا كل شيء رسميًا، لكنها شعرت بأن هناك شيئًا آخر.
"ما بكِ يا حبيبتي؟ تبدين شاردة الذهن." قالت "ليلى"، شقيقتها الصغرى، وقد دخلت الغرفة دون استئذان، تحمل صينية شاي بالنعناع.
ابتسمت "نور" ابتسامة باهتة. "لا شيء يا ليلى. فقط أفكر في أمور العمل."
"عمل؟ هل وجدتِ مشكلة في المحل؟" سألت "ليلى"، وقد انتابها القلق.
"لا، على العكس. كان هناك مهندس جاء لتفقد العقارات المجاورة، وتبادلنا بعض الأحاديث." قالت "نور"، وحاولت أن تبدو طبيعية.
"مهندس؟ هل هو وسيم؟" سألت "ليلى"، بعينيها اللامعتين، وقد بدأت ملامحها تتغير إلى ملامح سعادة. "هل هو أعزب؟"
ضحكت "نور" ضحكة خافتة. "يا ليلى، لا تفكري في هذه الأمور الآن. ليس لدي وقت. نحن في بداية المشوار."
"لكن يا نور، أنتِ لا تفكرين في نفسك أبدًا. كل همك هو أنا، وأمي، والمحل. متى ستجدين الوقت لقلبك؟" قالت "ليلى"، وقد عادت نظراتها إلى الجدية.
"قلبي بخير يا ليلى. هو يمتلئ بحبكم، وهذا يكفيني." قالت "نور"، وهي تحتضن شقيقتها. "أما عن الزواج، فهذا أمر يأتي في وقته. رزق من الله."
"لكن، هل رأيتِ أختكِ "فاطمة"؟" سألت "ليلى"، وهي تشير بيدها نحو الباب. "لقد بدأت تجهيزات زفافها. كل يوم تشتري شيئًا جديدًا، وتتحدث عن مستقبلها مع "خالد"."
تنهدت "نور" بعمق. كانت "فاطمة" أختهم غير الشقيقة، الابنة الثانية لوالدها من زوجته الثانية. لم تكن تربطها بها علاقة قوية، لكنها كانت تشعر بالمسؤولية تجاهها. "أتمنى لها كل التوفيق."
"آه، لو أنكِ مثلها. تفكرين في مستقبلكِ، في سعادتكِ." قالت "ليلى"، وهي تجلس بجوار "نور".
"سعادتنا تكمن في رضا الله، وفي برنا لوالدينا. هذا هو ما تعلمناه." قالت "نور"، وهي تنظر إلى صورة والدها وأمها التي تزين جدار الغرفة.
بعد أن انصرفت "ليلى"، ظلت "نور" وحدها، تفكر في كلمات شقيقتها. هل كانت على حق؟ هل كانت تضحي بسعادتها من أجل الآخرين؟ لقد ورثت عن جدها ليس فقط المحل، بل أيضًا حس المسؤولية العالي، والتفاني في خدمة العائلة. لكن هل كان ذلك يكفي؟
كانت "نور" تعيش في بيت عتيق، يتوارث الأجيال فيه ذكرياتهم وأحلامهم. المنزل كان مليئًا بالتحف، واللوحات القديمة، والكتب المجلدة بالجلد. كل زاوية فيه تحكي قصة، وكل قطعة أثاث تشهد على حياة مضت. كان منزلًا دافئًا، لكنه كان أيضًا مليئًا بالقيود. قيود العادات والتقاليد، وقيود الواجبات الأسرية.
في تلك الليلة، لم تستطع "نور" النوم. كانت تستيقظ كلما سمعت صوتًا، أو شهدت خيالًا يمر أمام النافذة. كان ذهنها مشغولًا بالمهندس "أحمد"، وبكلماته التي تحمل معانٍ كثيرة. كانت تشعر بأن هناك شيئًا ما غير عادي في هذا اللقاء. هل كان مجرد لقاء عمل، أم بداية لشيء آخر؟
في صباح اليوم التالي، استيقظت "نور" مبكرًا. قررت أن تبدأ عملها في المحل. جهزت حقيبتها، وودعت عائلتها، وانطلقت نحو القاهرة الفاطمية. الهواء كان منعشًا، والشمس كانت بدأت تشرق. شعرت بنشاط غير مسبوق.
عندما وصلت إلى المحل، كان لا يزال مغلقًا. جلست على الرصيف المقابل، تراقب الناس وهم يتحركون في الشارع. كان هذا المكان مليئًا بالحياة، وبالتاريخ. جلست تفكر في جدها، في حكاياته عن هذا المحل، وعن عائلته. لقد ترك لها إرثًا عظيمًا، وشرفًا كبيرًا.
وفجأة، رأت سيارة "أحمد" تتوقف أمام المحل. ترجل منها، وارتدى قبعة أنيقة. تقدم نحوها بابتسامة.
"صباح الخير، السيدة نور. هل أنتِ مستعدة لبدء العمل؟" قال، وقد بدا أكثر أناقة من الأمس.
"صباح النور، المهندس أحمد. أنا جاهزة." قالت "نور"، وهي تشعر ببعض التردد.
"رائع. لدي بعض الأفكار الجديدة لتطوير المحل. يمكننا البدء بترميم الواجهة، ثم التفكير في إضافة قسم للعطور الشرقية الفاخرة." قال "أحمد"، وهو ينظر إلى المحل بعينين ناقدتين.
"فكرة جيدة. لكنني أخشى أن يكلف ذلك الكثير." قالت "نور"، وقد بدأ القلق يتسلل إلى نفسها.
"لا تقلقي. أنا أملك شبكة من الموردين الموثوقين. ويمكننا التفاوض على أسعار جيدة. المهم أن نبدأ." قال "أحمد"، وقد بدأ يتفحص أوراقًا في يده. "لدينا أيضًا بعض المشاكل القانونية التي يجب معالجتها. يبدو أن هناك خلافًا قديمًا حول حدود الأرض مع العقار المجاور."
"خلاف؟ مع من؟" سألت "نور"، وقد شعرت بالخوف.
"لا أعرف التفاصيل بالضبط. لكنني سأحاول معرفة ذلك." قال "أحمد"، وقد بدت على وجهه علامات التركيز. "يبدو أن هذا المحل له تاريخ طويل، مليء بالأسرار."
"أسرار؟" كررت "نور"، وقد شعرت بشيء غريب. "أتمنى أن تكون هذه الأسرار خيرًا."
"هذا ما نتمناه جميعًا." قال "أحمد"، ثم التفت إليها. "لكن قبل أن نبدأ، هل يمكن أن تحدثيني عن تاريخ هذا المكان؟ أنا مهتم جدًا بمعرفة قصته."
بدأت "نور" تسرد له تاريخ المحل، وحكايات جدها، وحياة والدها. كانت تتحدث بصدق، وبشغف، وبفخر. وكان "أحمد" يستمع إليها باهتمام، وقد ارتسمت على وجهه علامات الإعجاب.
"إرث عظيم حقًا." قال "أحمد" في نهاية حديثها. "وهذا الإرث يستحق أن يُحافظ عليه، وأن يُطور. أنا سعيد جدًا لأنني أصبحت جزءًا من هذه القصة."
لم تكن "نور" تعرف ما إذا كان "أحمد" صادقًا في كلامه، أم أنه كان يمثل دورًا. لكنها شعرت بشيء ما في نظراته، وفي كلماته، دفعها إلى الثقة به. كان لقاءً غريبًا، لكنه كان بداية لشيء جديد، شيء قد يكون مفتاحًا لمستقبلها، ومستقبل هذا المكان.