قلبي في يديك 170

وحشة الروح ورنين الهواتف

بقلم مريم الحسن

كانت ريما تجلس في غرفتها، والغرفة التي كانت قبل أيام قليلة بستانًا مزهرًا بأحلامها، أضحت اليوم صحراء قاحلة تلتهم كل أمل. السرير لم يعد ملجأً بل سجنًا، والغرفة الفسيحة أصبحت مساحة محدودة تضيق بها أنفاسها. بين يديها هاتفها، ذلك الجهاز الصغير الذي بات مفتاح عالمها، وبوابة جحيمها. الشاشة تتوهج كعين شيطان في ظلمة ليلها الطويل، ورنين الإشعارات المتواصل، لم يعد صوتًا عاديًا، بل ضربات مطرقة على باب روحها المنهكة.

"لم أتوقع أبدًا أن أصل إلى هذا الحد،" همست ريما لنفسها، والصوت الخارج منها باهت كصدى صوت قديم. كانت تتأمل صورته، صورة عمر الذي باتت حياتها تدور في فلكه، صورته المنشورة على إحدى منصات التواصل الاجتماعي، يتحدث بطلاقة، يبتسم بثقة، وكأنه يعيش حياة أخرى، حياة لم تعد تشمله. كانت تقلب الصور، واحدة تلوى الأخرى، وكأنها تبحث عن إشارة، عن خيط رفيع يربطها بعمر الذي كان، عمر الذي وعدها، عمر الذي أصبح مجرد ذكرى بعيدة، أو ربما أبعد.

لقد استنزفت مواقع التواصل الاجتماعي طاقتها. كل نقرة، كل تصفح، كل متابعة، كانت تستهلك جزءًا من كيانها، وتزيد من وطأة الشعور بالفراغ الذي غلف قلبها. كانت تقضي ساعات طويلة، لا تدري كيف تمر، لا تدري ما الهدف منها. مجرد مشاهدة أخبار الناس، متابعة حيواتهم الافتراضية، وكأنها تحاول أن تملأ الفراغ الذي تركه غياب عمر، الفراغ الذي أصبح يتسع ويتعمق كل يوم.

"أليس هذا ما أردته؟ أن أكون قريبة منه؟" تساءلت بصوت متهدج، والدموع بدأت تتسلل على خديها. لكن قربًا كهذا، قرب يعتمد على التلصص، على متابعة كل نفس، على استساغة كل منشور، لم يكن قربًا حقيقيًا. كان أشبه بالتعلق بخيال، بالوهم، بالسراب. كانت تشعر بأنها تتقمص دور جاسوسة على حياته، وهو لا يعلم شيئًا، أو ربما يعلم، وربما لا يكترث. هذا الاحتمال الأخير كان يطعنها أشد طعنة.

كانت تتذكر لقاءهما الأول، ذلك اللقاء البريء الذي كان يحمل في طياته وعدًا ببداية جميلة. تتذكر كلمات عمر الرقيقة، ونظراته التي كانت تبث فيها الأمان. الآن، تبدو كل تلك الذكريات كأحلام يقظة، سرعان ما تتلاشى أمام واقع مرير. كانت تدرك أنها وقعت في فخ، فخ الإدمان على عالم افتراضي، وإدمان على حب لم يعد موجودًا إلا في خيالها.

"لا، لا أريد هذا،" قالت بصوت أعلى قليلًا، وهي تحاول أن تقاوم إغراء الهاتف. وضعت الهاتف جانبًا، وشعرت بانتصار لحظي. لكن سرعان ما عاد النداء، نداء الشاشة المضيئة، نداء الإشعارات الصاخبة. كان الأمر أشبه بحرب أهلية داخلها، بين رغبتها في استعادة حياتها، وبين إغراء السقوط في هاوية لا قرار لها.

في تلك اللحظة، دخلت أمها الغرفة، تحمل معها صينية شاي بالنعناع، ورائحة العطر الشرقي الأصيل تملأ المكان. ابتسمت الأم بحنان، وهي ترى ابنتها شاردة الذهن. "ما بك يا حبيبتي؟ منذ أيام وأنتِ على هذا الحال، كأن هموم الدنيا كلها على صدرك."

جلست الأم بجانب ريما، ووضعت يدها على كتفها. "تحدثي يا ابنتي، ربما أجد لكِ بعض الدواء لقلبك."

تنفست ريما بعمق، وشعرت ببعض الراحة لوجود والدتها. "لا شيء يا أمي، مجرد بعض الأفكار تتزاحم في رأسي."

"الأفكار لها أجنحة، يا ريما. إذا تركتِها تتكاثر دون ترتيب، أصبحت كالأسراب التي تخنقك. اجلسي، رتبيها، ثم ابحثي عن الحلول."

نظرت ريما إلى هاتفها، الذي بدا وكأنه يبتسم لها بخبث. "المشكلة يا أمي، أن بعض الأفكار لا يمكن ترتيبها بسهولة. إنها تتشابك، وتتسلل، وتجعل كل شيء مظلمًا."

"أنا أعلم أنكِ تمرّين بوقت عصيب،" قالت الأم بحكمة، وهي تحتسي رشفة من الشاي. "لكن تذكري يا ابنتي، مهما اشتدت الظلمة، يبقى نور الله أقرب إلينا. وهذا الظلام الذي تعيشينه، هو ظلام إرادتكِ، وظلام اختياراتكِ."

كلمات الأم لامست وترًا حساسًا في قلب ريما. اختياراتها. نعم، هي من اختارت أن تستسلم لهذا الإدمان. هي من اختارت أن تتتبع أثر عمر في عالم افتراضي، بدلًا من أن تبحث عن طريقها الخاص. "ربما أصبحت أسيرة لهذا الشيء، يا أمي. أسيرة للشاشة، ولصوره، ولما يفعله، ولما لا يفعله."

"الأسير هو من يسمح لنفسه بأن يكون كذلك،" قالت الأم بحزم لطيف. "وأنا أعرف أن ابنتي ليست أسيرة. أنتِ قوية، وذات عزيمة. فقط تحتاجين لأن تتذكري قوتكِ الحقيقية. قوتكِ التي تأتيكِ من إيمانكِ، ومن أسرتكِ، ومن قيمكِ."

نظرت ريما إلى عيني والدتها، ورأت فيهما نورًا صادقًا، نورًا افتقدته كثيرًا في عالمها الافتراضي. "لكن الأمر صعب جدًا، يا أمي. أشعر بأنني لا أستطيع مقاومته."

"الصعب هو أول خطوة نحو السهل، يا ريما. إذا استسلمتِ للصعوبة، فلن تواجهي أي شيء. حاولي. ابدئي بخطوات صغيرة. أطفئي الهاتف لساعة. ثم ساعتين. ثم اجعلي يومكِ مليئًا بأشياء أخرى، أشياء حقيقية، أشياء ملموسة. اقرئي كتابًا، تحدثي مع صديقة، ساعديني في أعمال المنزل. اجعلي حياتكِ تبدأ من جديد، بعيدًا عن هذه الشاشة التي تسرق منكِ الأنفاس."

خرجت الأم، وتركت ريما تفكر في كلماتها. كانت كلماتها كبلسم لجرح عميق، لكن الجرح كان لا يزال ينزف. نظرت إلى هاتفها مرة أخرى. كانت هناك رسالة جديدة. فتحتها بقلب مرتجف. كانت من عمر.

"أين أنتِ يا ريما؟ لم أركِ منذ مدة. هل كل شيء بخير؟"

شعر قلب ريما بالارتعاش. رسالة منه. بعد كل هذا الصمت. هل هذا تعويض؟ هل هي مجرد لعبة أخرى؟ هل هي محاولة للعودة، أم مجرد سؤال عابر؟

"هل كل شيء بخير؟" كرر عمر. "أخشى أن أكون قد سببت لكِ أي إزعاج. أردت فقط الاطمئنان."

رأت ريما في هذه الكلمات نوعًا من البرود، نوعًا من التباعد. لم تكن فيها تلك الحرارة التي كانت تعرفها. وكأن الرسالة جاءت من شخص آخر، شخص غريب.

"لماذا يسأل الآن؟" تساءلت ريما في نفسها. "لماذا لم يسأل طوال هذه الفترة؟ هل شعر بالذنب؟ أم أنه مجرد تمثيل؟"

حاولت أن تتذكر كيف أصبحت أسيرة لهذا الهاتف. كانت تتابع كل منشوراته، كل تعليقاته، كل تفاعلاته. كانت تحلل كل كلمة، كل صورة، كل فيديو. لقد أصبحت مهووسة. كان عمر، بوجوده أو بعدمه، يتحكم في مزاجها، في سعادتها، في حزنها.

"لا، لن أسمح له بذلك بعد الآن،" قررت ريما. "هذه الرسالة، هي مجرد اختبار. اختبار لإرادتي. ولن أخذله."

أغلقت ريما الهاتف، ووضعته في الدرج، وأقفلت عليه. شعرت بأنها قطعت حبلًا سامًا. كان الأمر مؤلمًا، لكنه ضروري. كانت تعلم أن المعركة لم تنتهِ، وأنها ستكون طويلة وصعبة. لكنها للمرة الأولى منذ فترة طويلة، شعرت بأنها قد اتخذت خطوة نحو الاستقلال. نحو استعادة حياتها. خطوة نحو قلبها الذي بات معلقًا بين عالمين.

*

في مكان آخر، كان عمر يتأمل هاتفه. كانت يده تتردد فوق زر إرسال رسالة أخرى. نظر إلى اسم ريما، ثم أزالها من قائمة الاتصال. "لماذا لم ترد؟" تساءل بصوت بدا وكأنه يسأل نفسه. "هل فقدت الاهتمام؟ هل تجاوزت الأمر؟"

كان يشعر بنوع من القلق. لم يكن يتوقع أن تكون ردة فعل ريما بهذا الشكل. لقد اعتقد أنها ستكون سعيدة بسماعه. ربما أخطأ في تقدير الأمور. ربما كانت كلماته باردة بالفعل.

"هل كنت قاسيًا؟" همس لنفسه. "ربما. ربما لم أقدر حجم ما كنت أسببه لها. لكنني كنت أحاول أن أحميها، وأن أحمي نفسي."

كان يعلم أن علاقته بريما كانت محفوفة بالمخاطر. كانت هناك عوائق، وكان هناك فرق في وجهات النظر. لكنه كان يحبها. كان يحبها حبًا لم يعرفه من قبل. ولكن هذا الحب، كان يواجه تحديات كبيرة، تحديات لم يكن مستعدًا لها تمامًا.

"لن أعود إلى الوراء،" قال عمر لنفسه بحزم. "لقد اتخذت قراري. وعليّ أن ألتزم به. مهما كان الثمن."

أغلق هاتفه، وألقاه على الطاولة. شعر بوحشة غريبة، وحشة لم يعهدها. وحشة لم تكن بسبب ابتعاده عن ريما، بل بسبب شعوره بأنه فقد شيئًا ثمينًا، شيئًا كان يضيء حياته، شيئًا بات الآن مجرد ذكرى.

*

في غرفة ريما، كانت النوافذ تطل على سماء بدأت تتلون بألوان الغروب. الشمس كانت تغيب، تاركة وراءها خيوطًا من ذهب على الغيوم. شعرت ريما ببعض الهدوء. لم يكن هدوءًا تامًا، بل هدوءًا كهدوء ما قبل العاصفة. كانت تعرف أن المعركة مع إدمانها على عمر، وعالم افتراضي، قد بدأت للتو. وأن الأيام القادمة ستحمل معها تحديات أكبر، وانتصارات أصغر، وصراعات عميقة. لكنها شعرت أيضًا بأن هناك بصيص أمل، بصيص أمل بدأ يتسلل إلى قلبها، أمل في استعادة ذاتها، واستعادة حياتها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%