قلبي في يديك 170

صحوة الروح ومرارة الحقيقة

بقلم مريم الحسن

كان الصباح يحمل معه وعدًا جديدًا، وإن كان ذلك الوعد مغلفًا ببعض الغموض. بعد أن نجحت ريما في إغلاق باب الإدمان على هاتفه، وإن كان ذلك لفترة محدودة، شعرت ببعض الثقل الذي بدأ يخف عن صدرها. لكن مرارة الحقيقة كانت تلوح في الأفق، حقيقة أن عمر قد رحل، أو بالأحرى، قد اختفى من حياتها، تاركًا وراءه فراغًا كبيرًا، وفراغًا أكبر في قلبها.

كانت تجلس على طاولة الإفطار مع أسرتها، تحاول أن تبدو طبيعية، تحاول أن تخفي ما يدور في خلدها. ابتسامة والدتها، وصوت أخيها الصغير وهو يروي مغامراته في المدرسة، كلها كانت محاولات منها للتأقلم مع واقع جديد، واقع لا وجود فيه لعمر.

"هل تشعرين بتحسن يا ريما؟" سألت والدتها بحنان، وهي تراقب تفاصيل وجه ابنتها.

أومأت ريما برأسها، وهي تحاول أن تبدو قوية. "نعم يا أمي، أشعر بتحسن. ربما كان ما فعلته هو الصحيح. ربما كان يجب أن أقطع كل الروابط."

"القطع ليس دائمًا هو الحل، يا ابنتي،" قالت الأم بحكمة، وهي تمسح حبة قهوة عن زاوية فمها. "أحيانًا، يكون الحل في الفهم، وفي المواجهة، وفي وضع الأمور في نصابها الصحيح. لكنكِ فعلتِ ما شعرتِ أنه الأفضل لكِ في تلك اللحظة، وهذا يكفي."

"لكنني أشعر بالفراغ، يا أمي. فراغ كبير جدًا."

"الفراغ هو مساحة، يا ريما. مساحة يمكن أن تملئيها بأشياء أجمل وأكثر فائدة. أنتِ لديكِ موهبة، ولديكِ أحلام. لا تدعي فراغًا من شخص آخر يطغى على مساحتكِ الخاصة."

فكرت ريما في كلمات والدتها. موهبة. أحلام. هل ما زالت لديها تلك الأشياء؟ هل ما زالت قادرة على الإبداع، على الكتابة، على رسم المستقبل الذي كانت ترسمه لنفسها؟

في الأيام التي تلت، حاولت ريما جاهدة أن تشغل نفسها. بدأت تعود إلى هواياتها القديمة. أعادت ترتيب مكتبتها، وأخرجت الكتب التي تراكم عليها الغبار. بدأت في القراءة بنهم، وكأنها تبحث عن إجابات بين صفحات الورق. بدأت تعود إلى الرسم، تخرج فرشاة الألوان، وتخلط الألوان على لوحتها. لكن الصور التي كانت ترسمها، كانت دائمًا تحمل أثر عمر، أثر حبه، وأثر غيابه.

كانت تجلس في حديقة المنزل، تحت ظل شجرة الرمان، وتتأمل أزهارها الحمراء المتفتحة. تذكرت كيف كان عمر يحب رائحة الرمان، وكيف كان يعدها بأن يزرع لها شجرة رمان في حديقة منزلهم المستقبلي.

"منزلنا المستقبلي..." همست لنفسها، ودمعة انزلقت على خدها. "هل كان هذا كله مجرد وهم؟"

مرت أيام، وبدأت ريما تشعر ببعض الراحة. الهدوء الذي فرضته على حياتها، بدأ يؤتي ثماره. لكن ذلك الهدوء لم يكن خاليًا من الألم. كان كهدوء ما قبل العاصفة، كما يقال.

في أحد الأيام، بينما كانت تتصفح كتابًا قديمًا، سقطت منه صورة. كانت صورة لها مع عمر، في رحلة قاما بها قبل أشهر. كانا يبتسمان، سعداء، لا يعلمان أن الأيام القادمة ستحمل لهم هذا القدر من الشقاء.

"لماذا كل هذا؟" تساءلت ريما، وهي تتأمل الصورة. "لماذا انتهى بنا الأمر هكذا؟"

في تلك اللحظة، شعرت بأن هناك شيئًا ما في الصورة لفت انتباهها. نظرة عمر في تلك اللحظة. نظرة لم تكن مجرد سعادة، بل كان هناك شيء من التردد، شيء من القلق.

"هل كان يفكر في أمر ما؟" سألت نفسها. "هل كان يخطط لشيء؟"

بدأت ريما تستعيد ذكريات تلك الرحلة. تذكرت كيف كان عمر يبدو متوترًا في بعض الأحيان، وكيف كان يتلقى مكالمات هاتفية طويلة، ثم يعود بوجه شاحب. لقد فسرت ذلك على أنه ضغوط عمل. لكن الآن، بدأت تشك.

"هل كان هناك شيء يخفيه عني؟"

هذا السؤال بدأ يتسلل إلى ذهنها، ويصبح كشوكة في حلقها. إن فكرة أن عمر قد يخفي عنها شيئًا، كانت أشد إيلامًا من فكرة رحيله. لقد آمنت به، وثقت به. فهل خان ثقتها؟

قررت ريما أن تبحث عن الحقيقة. لم تعد تريد أن تعيش في وهم، أو في غموض. إذا كان عمر قد أحبها حقًا، فعليه أن يكون صادقًا معها، حتى في أصعب الظروف.

بدأت ريما تتذكر تفاصيل أكثر. بدأت تبحث عن أي خيط، أي دليل. كانت تعلم أن هذه رحلة محفوفة بالمخاطر، وأن الحقيقة قد تكون مؤلمة. لكنها قررت أن تخوضها.

في تلك الليلة، وبينما كانت السماء مليئة بالنجوم، والهدوء يعم الأرجاء، شعرت ريما بأن هناك خطوة أخرى يجب أن تتخذها. خطوة نحو اكتشاف حقيقة ما كان يدور بين عمر وبين العالم الخارجي.

*

في مكتبه، كان عمر يشعر بثقل كبير. كان يتأمل ملفًا أمامه، ملف يحتوي على تفاصيل أعماله. كان يشعر بأنه يغرق في بحر من المشاكل. كان يحاول أن يجد حلولًا، لكن الحلول كانت تزداد تعقيدًا.

"لماذا كل هذا؟" تساءل بصوت متهدج. "لماذا لم أتمكن من الفصل بين حياتي الشخصية وعملي؟"

كان يعلم أن علاقته بريما كانت السبب في جزء من هذه المشاكل. لقد كان يشتت تركيزه، ويقصر في اهتماماته. لكنه كان يحبها. وكان يتمنى لو أن الأمور كانت تسير بشكل مختلف.

"لو أنني أقدرت أن أكون صادقًا معها تمامًا،" قال لنفسه. "لو أنني شرحت لها كل شيء. ربما كانت ستفهم."

لكن الخوف كان يسيطر عليه. الخوف من أن تتركه، الخوف من أن تفقد ثقتها. وكان هذا الخوف هو ما دفعه إلى اتخاذ بعض القرارات الخاطئة.

"ما زال لدي أمل،" همس لنفسه. "ما زال لدي فرصة لإصلاح الأمور. لكن يجب أن أبدأ من الآن. يجب أن أكون صادقًا."

أخذ عمر هاتفه، وتصفح صور ريما. كانت تبتسم له من الشاشة، براءة في عينيها، ثقة في قلبها. شعر بحزن عميق.

"أنا آسف يا ريما،" قال بصوت خفيض. "آسف على كل الألم الذي سببته لكِ. آسف على كل شيء."

قرر عمر أن يتخذ خطوة. خطوة نحو الاعتراف، ونحو الشفاء. لم يكن يعلم ما إذا كانت ريما ستسامحه، لكنه كان يعلم أنه يجب أن يفعل ذلك، من أجل نفسه، ومن أجلها.

*

في صباح اليوم التالي، وبينما كانت الشمس تشرع في شق طريقها عبر الأفق، شعرت ريما بشعور مختلف. شعرت بأنها على وشك اكتشاف شيء ما. شيء قد يغير كل شيء.

كانت قد قررت أن تتواصل مع شخص قريب من عمر، شخص قد يعرف شيئًا عن حياته. كانت تعرف أن هذا قد يكون خطوة جريئة، لكنها كانت مصممة على معرفة الحقيقة.

"لن أسمح لأحد أن يخدعني مرة أخرى،" قالت لنفسها بقوة. "حياتي ملكي، ومستقبلي بيدي. ولن أسمح لأحد أن يسرقه مني."

انتهت الفصل الخامس والسادس، ولكن رحلة ريما نحو الحقيقة، ورحلة عمر نحو الخلاص، كانت قد بدأت للتو. كانت الشاشات تخفي أسرارًا، والقلوب تخفي آلامًا، والروح تبحث عن ضوء في عتمة الظروف.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%