قلبي في يديك 170
همساتٌ في جنح الليل
بقلم مريم الحسن
استيقظت ليلى على قرع خفيف لباب غرفتها، شعرت بتسلل خيوط الفجر الأولى عبر ستائر غرفتها المزركشة. تنهدت براحة، فليل الأمس كان طويلاً وثقيلاً، مفعماً بأفكارٍ متضاربة كغبارٍ عنيدٍ يعلق بالروح. نهضت من فراشها الوثير، وانحنت لتلثم جبين والدتها النائمة على الأريكة، فلقد قضت الليل بجانبها، تقلب لها كماداتٍ وتطمئن عليها، ولم تغمض لها عين. بدت السيدة فاطمة أكثر هدوءاً الآن، وقد خفتت الحمى التي عاودتها فجأة.
ارتدت ليلى حجابها بخفة، وتسللت إلى المطبخ. رائحة القهوة العربية الأصيلة بدأت تفوح، فكانت والدتها قد طلبت منها إعدادها قبل أن تغفو. أخرجت حبات الهيل الطازجة وطحنتها برفق، ثم أضافتها إلى الماء المغلي في دلةٍ نحاسيةٍ عتيقة، تركها لها جدها. كانت تلك الدلة تحمل ذكرياتٍ لا تحصى، لقاءاتٍ عائلية، وحكاياتٍ ترويها الأمهات في ليالي الشتاء الباردة.
بينما كانت تنتظر غليان القهوة، تسللت الأفكار إلى ذهنها مجدداً. صورة أحمد، ابتسامته الهادئة، وكلماته الرقيقة التي طمأنتها حين كانت في أمس الحاجة إليها. لم تكن تتوقع أن يظهر هذا الشاب الغريب في حياتها بهذه الطريقة، قادماً من عالمٍ مختلف، لكنه استطاع أن يخترق جدار العزلة الذي بنته حول قلبها. كان يمثل لها فسحة أملٍ في وقتٍ كانت فيه الأبواب توصد بوجهها.
تذكرت كلام جدتها حين سمعت عن تقدم أحمد: "الرجل الصالح يأتيكِ في الوقت الذي تظنين فيه أن كل الأبواب قد أُغلقت." هل كان أحمد هو الرجل الصالح الذي تحدثت عنه جدتها؟ هل كان قدرها أن تجد السكينة في شخصٍ لم تكن تتوقع لقاءه؟
صوت والدتها الهامس كسر صمت أفكارها: "صباح الخير يا حبيبتي."
التفتت ليلى بسرعة، ابتسمت لوالدتها وقالت: "صباح النور يا أمي. كيف حالكِ؟"
اقتربت السيدة فاطمة، وضعت يدها على جبين ليلى، وقالت بصوتٍ فيه بحة: "الحمد لله. خفت الحمى كثيراً. أنتِ من سهر الليالي يا ابنتي، جزاكِ الله خيراً."
"هذا واجبي يا أمي. لا تقولي هذا." ردت ليلى بحنان، وسكبت لها القهوة في فنجانٍ صغير.
تناولت السيدة فاطمة الفنجان، وبدأت ترتشفه ببطء، عيناها تجولان في أرجاء المطبخ الهادئ. "هل تحدثتِ مع أحمد؟" سألت فجأة.
احمر وجه ليلى قليلاً. "لا يا أمي، لم أتحدث معه بعد. كنتُ مشغولةً بكِ."
"لا بأس. لكنه يبدو شاباً طيباً. لقد رأيته وهو يتحدث مع والدكِ في الحديقة بالأمس، كان يتسم بالاحترام والوقار."
"نعم، هو كذلك." همست ليلى، تتذكر حديث أحمد مع والدها. كان والدها، رغم مرضه، قد طلب رؤيته، وأمضى معه وقتاً طويلاً يتحدثان. كان يبدو مطمئناً بعد لقائه، وهذا وحده كان يبعث في قلب ليلى شعوراً بالأمان.
"والدكِ معجبٌ به. وهذا أمرٌ مهم. أنتِ تعرفين رأيه في الزواج التقليدي، لكنه رأى في أحمد شيئاً مختلفاً." قالت السيدة فاطمة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة. "الحياة ليست دائماً كما نرسمها في مخيلتنا. أحياناً تأتينا السعادة من حيث لا نحتسب."
"لكن يا أمي، ما زلتُ أشعر بالحيرة. حياتي تغيرت كثيراً في الآونة الأخيرة. فكرة الزواج تبدو بعيدةً جداً، خاصةً مع وضع والدي الصحي."
"يا ابنتي، الزواج لا يعني التخلي عن مسؤولياتك. بالعكس، هو شراكةٌ ودعم. أحمد بدا لي رجلاً يعي قيمة الأسرة. ربما يكون هذا الارتباط سبباً في سعادتكم جميعاً."
"أتمنى ذلك يا أمي." قالت ليلى، لكن في داخلها كان هناك صوتٌ آخر يتحدث. صوت الشك، والخوف من المستقبل المجهول. هل هي مستعدة حقاً؟ هل يمكن لقلبٍ كان يئن تحت وطأة الألم أن يفتح أبوابه للحب من جديد؟
بعد أن ارتدت والدتها ثوب العافية تقريباً، قررت ليلى أن تتصل بأحمد. أمسكت بهاتفها، قلبت في قائمة الأسماء، وتوقفت عند اسمه. ترددت قليلاً، ثم ضغطت زر الاتصال.
صوته الهادئ جاء عبر السماعة: "ليلى؟ صباح الخير."
"صباح النور يا أحمد. كيف حالك؟"
"بخير، الحمد لله. أردتُ الاطمئنان على والدتكِ. هل تحسنت؟"
"نعم، بدأت تتحسن. أشكرك على اهتمامك."
"هذا أقل ما يمكن فعله. إن احتجتِ لأي شيء، فلا تترددي في الاتصال بي."
"هل أنت مشغولٌ الآن؟" سألت ليلى، متفاجئةً بنفسها.
"لا، بل أنا أستمع لكِ. هل هناك أمرٌ ما؟"
"في الحقيقة، أردتُ أن أسألك عن... عن اقتراحك. ما زلتُ مترددةً قليلاً."
صمت قصير، ثم قال أحمد بصوتٍ فيه نبرةٌ تحمل دفئاً غير متوقع: "أتفهم ترددكِ يا ليلى. أعرف أن وضعكم ليس سهلاً، وأنكِ تتحملين الكثير. لكنني لم أطرح عليكِ هذا الأمر إلا لأني رأيتُ فيكِ ما يستحق. رأيتُ فيكِ الصبر، والقوة، والطيبة. وأرى أننا قد نكون سبباً لسعادة بعضنا البعض. لا أريد أن أضغط عليكِ. خذي وقتكِ في التفكير. والقرار يعود لكِ وحدكِ."
كلماته تلك، الصادقة والبسيطة، تركت أثراً عميقاً في قلب ليلى. شعرت بأنها أمام شخصٍ لا يسعى لفرض رأيه، بل يقدم مساحةً للحوار والتفاهم. "شكراً لك يا أحمد. كلماتك مطمئنة."
"على الرحب والسعة. متى شعرتِ بأنكِ مستعدةٌ للتحدث، أنا موجود."
أنهت ليلى المكالمة، وشعرت براحةٍ غريبة. رغم كل شيء، كانت هناك بارقة أملٍ تتسلل إلى قلبها. كانت تعلم أن الطريق لا يزال طويلاً، وأن هناك العديد من العقبات التي يجب تجاوزها، لكن وجود شخصٍ مثل أحمد، شخصٍ يفهم ويحترم، كان كافياً ليجعلها ترى النور في نهاية النفق.
في مساء ذلك اليوم، وبينما كانت تجلس مع والدتها، تتحدثان عن أمور البيت، دخل والدها غرفة المعيشة، متكئاً على عكازيه. بدت علامات الإرهاق باديةً عليه، لكن عينيه كانتا تلمعان بنوعٍ من الأمل.
"كيف حالكم يا فتياتي؟" سأل بصوتٍ خفيض.
"بخير يا أبي. الحمد لله." أجابت ليلى، وانتقلت لتجلس بجانبه.
"سمعتُ أن أحمد قد اتصل بكِ اليوم." قال وهو ينظر إلى ليلى.
"نعم يا أبي. تحدثنا قليلاً."
"وهل قررتِ شيئاً؟"
نظرت ليلى إلى والدتها، ثم عادت لتنظر إلى أبيها. "أبي، ما زلتُ أفكر. الأمر ليس بالسهل."
"أعلم أن الأمر ليس سهلاً يا ابنتي. لكن أحياناً، يجب أن نسمح للقدر بأن يختار لنا. وأنا أرى في هذا الشاب خيراً لكِ. لقد تحدثتُ معه بما يكفي لأرى معدنه الأصيل. وإذا كان الأمر يتعلق بوالدتكِ، فنحن عائلةٌ واحدة، وسنتجاوز هذا معاً. الزواج لن يغير شيئاً من حبنا لكِ، بل قد يضيف إلينا."
كلمات والدها، فيها مزيجٌ من الحكمة والتسامح، أذابت جليد التردد في قلبها. لقد كانت هي نفسها تخشى أن يعتبر والدها هذا الاقتراح هروباً من المسؤولية، لكنه بدلاً من ذلك، فتح لها الباب، ووفر لها الدعم.
"إذاً... إذا أردتِ، يمكننا ترتيب لقاءٍ آخر معه. ربما لتتحدثوا جميعاً. لنتناقش في كل شيء." قال والدها، وهو يشجعها بنظراته.
نظرت ليلى إلى والدتها، التي ابتسمت لها ابتسامةً مشجعة. "ربما يا أبي. ربما."
شعر والدها بالرضا، ولو كان رضاً خفيفاً. "الخير قادمٌ بإذن الله."
عندما خلد والداها للنوم، عادت ليلى إلى غرفتها. جلست أمام نافذتها، تتأمل النجوم المتلألئة في سماء الليل. كان الليل غريباً، مليئاً بالهمسات، والخوف، والأمل. همساتٌ من الماضي، وخوفٌ من المستقبل، وأملٌ في قلبٍ بدأ يتفتح. أغمضت عينيها، وبدأت ترسم معالم طريقٍ جديد، طريقٌ قد يكون وعراً، لكنه ربما يؤدي إلى سعادةٍ لم تعرفها من قبل. كانت تعلم أن قرارها سيؤثر على حياة الكثيرين، لكنها شعرت بأنها قادرةٌ على مواجهة التحدي.