الفصل 1 / 25

روحي تعشقك 171

همس الياسمين على جناح الشوق

بقلم ليلى الأحمد

وقفَتْ "ليلى" على شرفة منزلها المطل على بساتين الزيتون الممتدة حتى الأفق، يداعبُ نسيمُ العصر الناعم خصلات شعرها التي أفلتتْ من حجابها البسيط، تحملُ عبقَ الياسمين المنبعث من حديقتها الغنّاء. كانتْ عيناها، بلونِ الزمردِ الغامض، تتأملانِ الغروبَ الشفّاف، وقدْ خَطَّ بألوانهِ الساحرةِ على قماشِ السماءِ لوحةً تتجددُ كلَّ مساء، لكنَّ قلبَها كانَ مشغولاً بنسجِ ألفِ قصةٍ وقصةٍ، كلها تدورُ حولَ ذلكَ اللقاءِ المرتقب.

اليومَ هوَ اليوم. اليومَ سيأتي "أحمد" ليطلبَ يدَها رسمياً، بعدَ أسابيعَ منَ الودِ الهادئ، والكلماتِ المتبادلةِ عبرَ والدهِ الكريم، الذي لمْ يبخلْ بتقديمِ التهاني والوعودِ بكلِّ خير. شعورٌ غريبٌ بالترقبِ المخلوطِ بالرهبةِ انتابَها. هيَ، "ليلى"، الفتاةُ الهادئةُ التي لمْ تعرفْ سوى دفءَ العائلةِ وقيمةَ العلمِ، كيفَ ستجدُ نفسَها في عالمِ الزوجيةِ، عالمٍ مليءٍ بالمسؤولياتِ والتحديات؟

لكنَّ "أحمد"... آهٍ من "أحمد". لمْ تراهُ سوى مرتينِ في حياتها. الأولى حينَ زارَ والداها لتقديمِ واجبِ العزاءِ في جدها. كانَ وقتها طالباً متفوقاً في الجامعة، شاباً وقوراً، يتمتّعُ بابتسامةٍ حانيةٍ وملامحَ تدلُّ على جَدٍّ واجتهاد. الثانيةُ كانتْ قبلَ شهرٍ تقريباً، حينَ أرسلتْ عائلتهُ رسمياً لخطبتها. في تلكَ المرة، لمْ تتمكّنْ منْ رؤيتِهِ بوضوحٍ، كانَ واقفاً بعيداً، تتلمحُ صورتَهُ منْ خلفَ ستارِ النساء، لكنَّ صوتهُ، الذي سمعتْهُ للحظاتٍ منْ حديثٍ عابرٍ معَ والدها، كانَ عميقاً وهادئاً، كأنهُ صوتُ نهرٍ يجري بينَ الصخور.

كانتْ والدتُها، الحاجةُ "فاطمة"، تخطو بخطواتٍ مسرعةٍ في أرجاءِ المنزل، تشرفُ على تجهيزِ الضيافةِ، وتُلقي الأوامرَ بتلكَ النبرةِ المحببةِ التي تجمعُ بينَ الحزمِ والرأفة. "ليلى، يا ابنتي، هلْ انتهيتِ منْ تصفيفِ شعرك؟ الضيوفُ قادمونَ قريباً! أحمدُ رجلٌ رفيعُ الشأن، يجبُ أنْ نُبهرهمْ بحسنِ الضيافةِ ورُقيِّ الروح."

ابتسمتْ "ليلى" ابتسامةً باهتةً، واستدارتْ نحو والدتِها. "كلُّ شيءٍ على ما يرام يا أمي. فقطْ أردتُ أنْ أتأملَ الغروبَ للحظة."

اقتربتْ منها الحاجةُ "فاطمة"، ووضعتْ يدها الحنونةَ على كتفِ ابنتها. "أعلمُ أنَّ قلبَكِ مثقلٌ بالتوترِ يا حبيبتي، لكنْ ثقي باللهِ وبنا. أنتِ ابنتي البارةُ، وقلبُكِ الأبيضُ سيجدُ طريقهُ إلى قلوبِهم. "أحمد" شابٌ طيبٌ، سمعتُ عنهُ كلَّ خير. والدهُ رجلٌ فاضلٌ، وعائلتُهمْ عائلةٌ أصيلةٌ."

"لكنّي لمْ أتحدثْ معه إلا قليلاً جداً، يا أمي." قالتْ "ليلى" بصوتٍ شبهَ هامس، وهيَ تشدُّ على طرفِ حجابها.

"الحبُّ ليسَ مجردَ الكلماتِ السريعةِ أوِ النظراتِ الخاطفة، يا ابنتي. الحبُّ ينمو في الودِ والاحترامِ، في التفاهمِ المبنيِّ على أُسسٍ متينةٍ منَ الدينِ والأخلاق. "أحمد" يراكي فتاةً عفيفةً، متعلمةً، ذاتَ دينٍ وخلق. وهذهِ صفاتٌ لا تُقدَّرُ بثمن."

تنهدتْ "ليلى" بعمق. كانتْ كلامُ والدتِها صحيحاً. هيَ لمْ تقابلْ "أحمد" إلا مراتٍ معدودة، لكنَّ ما سمعتْهُ عنه، وما رأتهُ في عيني والدِهِ المتلألئتينِ بالفخرِ حينَ يتحدثُ عنْ ابنه، كلُّ هذا كانَ كافياً ليزرعَ بذورَ الثقةِ في قلبِها.

مرَّ الوقتُ سراعاً. حينَ سمعتْ صوتَ قرعِ البابِ، تجمّدَتْ في مكانِها للحظة. شعرتْ بدموعٍ تتجمعُ في عينيها، ليسَ خوفاً، بلْ مزيجٌ منَ السعادةِ والرهبةِ والشوقِ لما سيأتي. دخلتْ والدتُها، ومسحتْ دموعَها بلطف. "هيا يا حبيبتي، نحنُ بانتظارِكِ. ادخلي، وألقي السلامَ على ضيوفِنا الكرام."

تقدمتْ "ليلى" بخطواتٍ وئيدةٍ، قلبُها يدقُّ بعنفٍ كأنَّهُ طبولُ حربٍ، وعقلُها يحاولُ استعادةَ تلكَ الأحاديثَ القليلةَ التي دارتْ بينها وبينَ "أحمد" في مناسباتٍ نادرة، حينَ كانَ يتحدثُ عنْ شغفِهِ بالقراءة، أو عنْ أحلامِهِ بمساعدةِ الفقراء.

عندما دخلتْ القاعةَ المجهزةَ لاستقبالِ الضيوف، شعرتْ بأنَّ الأنفاسَ قدْ حبستْ. كانتْ هناكَ عائلةُ "أحمد" بأكملها. رأتهُ واقفاً بجانبِ والدهِ، رجلٍ مهيبِ الطلعةِ، ذي شاربٍ كثيفٍ وابتسامةٍ دافئة. وعندما استدارَ "أحمد" نحوها، شعرتْ الأرضُ تميدُ بها.

كانَ أجملَ مما تخيلتْ. ليسَ بالجمالِ الصارخِ الذي يُبهرُ بالعيونِ فقط، بلْ بذلكَ الجمالِ الهادئِ العميقِ الذي يلامسُ الروح. كانَ شاباً في أواخرِ العشرينيات، طويلَ القامةِ، نحيلَ البنيةِ، ترتسمُ على وجههِ سماتُ الرجولةِ والوقار. عيناهُ، بلونِ العسلِ الدافئ، نظرتْ إليها في تلكَ اللحظةِ بجديةٍ واحترام، وربما... بشيءٍ آخرَ أعمقَ، شيءٍ لمْ تستطعْ فهمَهُ بعد.

ابتسمَ لها ابتسامةً خفيفةً، اتسعتْ معها تلكَ العيناهُ اللامعتان. شعرتْ "ليلى" بأنَّ حرارةً لطيفةً سرتْ في أوردتها، وأنَّ خديها اكتسبا لونَ الوردِ المحمَّر. تذكرتْ قولَ والدتِها: "قلبُكِ الأبيضُ سيجدُ طريقهُ إلى قلوبِهم."

ألقى والدُ "أحمد"، السيدُ "سعيد"، كلمةً طيبةً، عبّرَ فيها عنْ سعادتِهِ الغامرةِ بقدومِهِ إلى هذا البيتِ الكريم، وعنْ تقديرِهِ للعائلةِ الطيبةِ التي تربّتْ فيها "ليلى". ثمَّ التفتَ إلى ابنهِ، وابتسمَ لهُ بحنان. "أحمد، يا بني، هيَ فرصتُك. تفضلْ بالحديثِ معَ ابنتِنا، وتقديمِ ما لديكَ منْ أفكارٍ ورغبات."

نهضَ "أحمد" ببطءٍ، واتجهَ نحو "ليلى". اقتربَ منها، وتوقفَ على مسافةٍ تحترمُ خصوصياتِها، لكنَّها كانتْ كافيةً ليشعرَ قلبُها بدقاتٍ متسارعةٍ جديدة. "مساءُ الخيرِ يا أستاذةَ ليلى." قالَ بصوتِهِ الرخيمِ الذي حملَ نغماتٍ لمْ تسمعْها منْ قبل. "يشرفني جداً وجودي هنا اليوم، وأتمنى أنْ أكونَ عندَ حسنِ ظنكم."

"مساءُ النورِ أستاذُ أحمد." أجابتْ "ليلى" بصوتٍ ثابتٍ، حاولتْ جاهدةً أنْ تُخفيَ اهتزازَهُ الخفيف. "نحنُ السعداءُ بلقائكم."

بدأَ الحديثُ بينهما، كانَ في البدايةِ رسمياً، يتناولُ الأمورَ العامةَ، أخبارَ المدينةِ، نشاطاتِ العائلة. لكنَّ "أحمد" كانَ لديهِ أسلوبٌ في الكلامِ يجعلكِ تشعرينَ بأنَّ كلَّ كلمةٍ لها وزنٌ ومعنى. لمْ يكنْ متكلفاً، بلْ كانَ صادقاً في كلِّ ما يقول.

"لقدْ كنتُ أتابعُ أخبارَكِ في الجامعةِ، يا أستاذةَ ليلى." قالَ "أحمد" بابتسامةٍ ودودة. "أرى أنَّكِ كنتِ منَ المتفوقاتِ في قسمِ اللغةِ العربية. هذا يُسعدني حقاً."

احمرَّ وجهُ "ليلى" قليلاً. "شكراً لكَ. لقدْ كانَ اهتمامي دائماً منصباً على الأدبِ والشعر."

"وهلْ لديكِ كتابٌ مفضلٌ؟" سألَ "أحمد"، وبدأتْ عيناهُ تلمعانِ بشغفٍ جديد.

"الكثيرُ منهم." أجابتْ "ليلى" وهيَ تشعرُ بأنَّ الحواجزَ بدأتْ تنهارُ بينهما. "لكنَّني أجدُ في أشعارِ "محمود درويش" عمقاً وصدقاً نادراً."

"درويش!" تعجبَ "أحمد" بصوتٍ مفعمٍ بالحياة. "يا لهُ منْ شاعر! لقدْ قرأتُ لهُ ديوانَ "لماذا تركتَ الحصانَ وحيداً؟" مراراً وتكراراً. كلماته تحملُ وزناً ثقيلاً، وقدرةً على وصفِ ما في النفسِ بطريقةٍ عجيبة."

"نعم، بالضبط." وافقتْ "ليلى" بحماس، وشعرتْ لأولِ مرةٍ بأنَّ هناكَ أرضيةً مشتركةً واسعةً بينهما، ليستْ مجردَ قشرةٍ خارجية. "أحبُّ كيفَ ينسجُ منَ الكلماتِ عالماً يشعرُ بهِ القارئُ كأنَّهُ يعيشُ فيه."

"وأنا أيضاً." قالَ "أحمد"، ثمَّ استدركَ شيئاً. "في الحقيقة، أنا أكتبُ بعضَ الشعرِ أحياناً، وإنْ كانَ على استحياء. لا أجرؤُ على مقارنتِهِ بما كتبهُ العمالقةُ أمثالُ درويش، لكنَّهُ يعبرُ عنْ بعضِ ما يجولُ في خاطري."

فوجئتْ "ليلى" بهذا الاعتراف. لمْ تتوقعْ أبداً أنَّ "أحمد" يمتلكُ موهبةً أدبيةً. "حقاً؟ هذا رائعٌ جداً. هلْ يمكنُ أنْ أسمعَ شيئاً منهُ يوماً ما؟"

ابتسمَ "أحمد" ابتسامةً أعمقَ هذهِ المرة، ابتسامةً تحملُ وعداً. "بالتأكيد. إذا أذنَ اللهُ لنا باللقاءاتِ المستقبلية، ربما أشاركُكِ ببعضِ خاطراتي."

وفي تلكَ اللحظة، وبينما كانتْ الشمسُ قدْ ألقتْ بآخرِ خيوطِ ضوئِها الذهبيِّ على الأفق، شعرتْ "ليلى" بأنَّ قلباً جديداً قدْ بدأَ ينبضُ بداخلِها. لمْ يكنْ ذلكَ مجردَ لقاءٍ تقليديٍ لطلبِ يد، بلْ كانَ بدايةَ حكايةٍ، حكايةٍ نسجتْ خيوطَها الأولى بكلماتِ الحبِ، وبالشوقِ، وبوعدٍ يلوحُ في الأفق.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%