الفصل 16 / 25

روحي تعشقك 171

سرٌّ عميقٌ يلوح في الأفق

بقلم ليلى الأحمد

تجمد الدم في عروق سلمى. كانت كلمات والدتها، السيدة فاطمة، كالصواعق تنزل عليها بلا رحمة. "أبو راشد، لم يعد مجرد جارٍ صالحٍ يا ابنتي. لقد تجاوز الأمر حدود الجيرة الطيبة. إنه يراقبنا، يتتبع خطواتنا، ويبدو أنه يخبئ أمراً جللاً." عجزت سلمى عن استيعاب ما تسمع. أبو راشد، الرجل الوقور، ذو اللحية البيضاء المهيبة، الذي طالما احترمته واعتبرته مثالاً للأخلاق والكرم؟ كيف يمكن أن يكون مصدر قلق؟

"لكن يا أمي، كيف؟ ومتى؟" سألت بصوتٍ مرتعش، وقلبها يدق بعنفٍ في صدرها.

ابتسمت السيدة فاطمة ابتسامةً يغشاها الحزن، وهي تضع يدها الحانية على كتف ابنتها. "منذ مدةٍ يا ابنتي. بدأ الأمر بنظراتٍ غريبة، ثم محاولاتٍ للاقتراب، وأخيراً، بدأنا نلمح تحركاته المشبوهة. لقد سمعتُ منه ما جعلني أقطع بأن وراء هذا السترِ نوايا لا ترضي الله."

لم يكن لدى سلمى وقتٌ لتفكر ملياً في العواقب. قلقها الأكبر كان على أخيها أحمد. أحمد، الذي يثق بأبي راشد ثقةً عمياء، والذي كان يعتبره مرشده في هذه الحياة. هل يدرك أحمد الخطر الذي يحيط بهم؟ هل يستطيعون حماية أنفسهم من هذا الرجل الذي بدا فجأةً وكأنه قناعٌ يخفي وجهاً آخر؟

"أمي، علينا أن نخبر أحمد فوراً. يجب أن نعرف ما الذي يدور في رأسه." قالت سلمى بحزمٍ، وقد استجمعت قواها.

"وهذا ما سنفعله يا ابنتي. لكن علينا أن نكون حذرين. لا نعرف مدى خطورة ما يبيت لنا." ردت السيدة فاطمة، وعيناها تفحصان زاوية الغرفة كأنها تبحث عن شبح.

كان أحمد في مكتبه، منهمكاً في قراءة الكتب القانونية، حين دخلت عليه والدته وشقيقته. لاحظ فوراً تعابير القلق التي تعلو وجهيهما. "ما الأمر؟ هل حدث شيء؟" سأل وهو يغلق الكتاب.

جلست والدته بجانبه، وبدأت السيدة فاطمة في سرد ما سمعته وشاهدته. كل كلمة كانت تزيد من دهشة أحمد وغضبه. أبو راشد؟ هذا لا يمكن أن يكون حقيقياً. لقد قضى سنواتٍ طويلةً يتعامل مع أبي راشد، يرى فيه العم والصديق، بل والمرشد. كيف يمكن أن يكون هذا الرجل قد غدر بهم بهذه الطريقة؟

"لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً يا أمي. لابد أن هناك سوء فهم." قال أحمد، وعينيه لا تزالان تبحثان عن أي تفسيرٍ منطقي.

"يا بني، ليست لدي أوهام. لقد رأيتُ ولمستُ. ما فعلته السيدة فاطمة هو محض حذرٍ من مكرٍ قد يلحق بنا." أكدت سلمى، وهي تنظر إلى أحمد بعمق. "نحن لا نملك رفاهية الشك الآن."

تنهد أحمد بعمق، وهو يفرك جبهته. "حسناً. إذا كان الأمر كذلك، فعلينا أن نتصرف بحكمة. لا يمكننا مواجهة أبي راشد مباشرةً دون دليلٍ قاطع. قد يقلب الطاولة علينا."

"وماذا نقترح؟" سألت والدته.

"علينا أن نجمع الأدلة. وأن نستعد لأي مواجهة. سأحاول ترتيب لقاءٍ سري مع بعض أصدقائي الموثوقين، ممن لديهم خبرة في مثل هذه الأمور." قال أحمد، وعيناه تلمعان بتصميم.

في تلك الليلة، لم ينم لأحدٍ منهم قرار. كانت الشكوك تحوم حولهم كأنها غيمةٌ سوداء. كيف لرجلٍ كانوا يضعون ثقتهم فيه أن يتحول إلى تهديدٍ محتمل؟ وما هو هدفه الحقيقي؟ هل هو المال؟ أم شيءٌ أعمق وأكثر خفاءً؟

في صباح اليوم التالي، وبينما كانت سلمى تستعد للخروج إلى عملها، لاحظت سيارةً فضيةً تقف في نهاية الشارع، وتحديداً قبالة منزلهم. لم تكن السيارة مألوفة. وبدا أنها تراقب المنزل. قلقت سلمى، لكنها حاولت ألا تظهر شيئاً. "ربما مجرد زائرٍ لأحد الجيران." قالت لنفسها، لكن قلباً خافقاً بالشك كان يخبرُها بشيءٍ آخر.

لمحت أبو راشد يخرج من منزله، ويتحدث ببعض الود مع رجلٍ يرتدي ملابس رسمية. لم يكن ذلك الرجل من سكان الحي. وعندما لمحت سلمى وجه أبي راشد عن قرب، رأت فيه ابتسامةً باردة، لم تكن تحمل أي أثرٍ للود الذي اعتادت عليه. كانت ابتسامةٌ تحمل معنىً آخر، معنىً غامضاً ومقلقاً.

حين عادت إلى المنزل، أخبرت والدتها بما رأته. "تلك السيارة، ومن كان يتحدث معه أبي راشد... كل شيءٌ يثير القلق."

"لا تقلقي يا ابنتي. أحمد سيجد حلاً. نحن معاً، ولن يكسرنا أي شيء." قالت السيدة فاطمة، محاولةً بث الطمأنينة في قلب ابنتها، لكن قلقها الخاص كان يزداد.

كانت الأجواء في المنزل متوترة. كل صوتٍ كان يثير الانتباه، وكل حركةٍ كانت تُراقَب. كانت سلمى تشعر بثقلٍ يزداد كل ساعة، وكأن الأيام القادمة ستحمل معها عواصف لم تكن مستعدةً لها. ما الذي تخفيه الأيام؟ وما هو المصير الذي ينتظرهم؟ كان المستقبل مجهولاً، والشكوك تضاعفت، والأسئلة تتكاثر بلا إجابات.

في المساء، تلقى أحمد اتصالاً هاتفياً. كان المتصل صديقاً له، يدعى فهد. "أحمد، لدي معلومةٌ قد تفيدك. سمعتُ همساتٍ عن تحركاتٍ غير اعتيادية تخص شخصاً في محيطكم، شخصٌ ذو نفوذٍ ومال، ويرتبط بأعمالٍ مشبوهة. يبدو أن لديه اهتماماً خاصاً بممتلكاتٍ معينة في منطقتكم."

"ممتلكاتٍ معينة؟ أي نوعٍ من الممتلكات؟" سأل أحمد، وشعوره بالخطر يزداد.

"يقال إنها تخص قطعة أرضٍ قديمة، ورثتها عائلاتٌ معينة. قد تكون هذه الأرض تحمل سراً قديماً، أو قيمةً ماديةً لا تقدر بثمن." أجاب فهد.

شعر أحمد بقشعريرةٍ تسري في جسده. قطعة الأرض القديمة... تلك التي ورثتها عائلته عن جدته، والتي لم يولها اهتماماً كبيراً. هل هذا هو كل ما في الأمر؟ هل هذه الممتلكات هي السبب الحقيقي وراء تصرفات أبي راشد؟

"شكراً لك يا فهد. سأتولى الأمر." قال أحمد، وهو يشعر بثقل المسؤولية يزداد.

عندما أغلق الهاتف، التفت إلى والدته وسلّمى. "لقد حصلتُ على معلومةٍ مهمة. يبدو أن ما يحدث له علاقةٌ بقطعة الأرض القديمة التي ورثناها. هناك من يطمع فيها، ويبدو أن أبي راشد هو مجرد أداةٍ في يد شخصٍ آخر."

"من هو هذا الشخص؟" سألت سلمى بقلق.

"لا أعرف بعد. لكنني سأكتشف. يجب أن نتحرك بسرعة." قال أحمد، وعيناه تضيئان بعزيمةٍ لا تلين.

في تلك اللحظة، أدركوا جميعاً أن الأمور قد خرجت عن السيطرة. لم يعد الأمر مجرد خلافٍ بسيطٍ بين الجيران. بل أصبح صراعاً على شيءٍ ذي قيمة، صراعاً قد يكشف أسراراً قديمة، ويهدد مستقبلهم. كانت المعركة قد بدأت، ولم يكونوا متأكدين من قدراتهم على مواجهة هذا الخطر الجديد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%