الفصل 17 / 25

روحي تعشقك 171

المواجهة والإنذار

بقلم ليلى الأحمد

تغلغل القلق في أعماق منزل السيد سالم. لم يعد الأمر مجرد شكوكٍ عابرة، بل تحول إلى يقينٍ ملموس. أبو راشد، الرجل الذي طالما احترموه، بات الآن شبحاً يلقي بظلاله على حياتهم. قرر أحمد، بعد استشارةٍ سريعة مع والده، أن يأخذ زمام المبادرة. لم يعد من المجدي الانتظار وجمع الأدلة بصمت. فالحياة أثمن من أن تُعرّض للخطر بسبب ترددٍ.

"يا والدي، لا يمكننا الاستمرار هكذا. إن وجود أبو راشد بهذه الطريقة، والشكوك التي تحوم حوله، يهدد أمننا وسلامتنا. يجب أن نواجهه." قال أحمد بحزمٍ، وهو ينظر إلى والده الذي كان جالساً على كرسيه المعتاد، يرتشف قهوته الصباحية.

نظر السيد سالم إلى ابنه بعينين تحملان مزيجاً من الحكمة والقلق. "أتفهم يا بني. ولكن كيف سنواجهه؟ هل لدينا ما يديننا؟"

"لا، ليس لدينا دليلٌ ماديٌّ دامغ. ولكننا نملك ثقتنا في حكمنا، وفي ما لمسناه من تغيرٍ في سلوكه. سنتحدث إليه كأننا نتحقق من أمرٍ ما، وسنرى رد فعله." أجاب أحمد.

"وهذا قد يكون خطيراً. أبو راشد رجلٌ لا يستهان به. قد يرى في مواجهتنا تحدياً." قال السيد سالم.

"أنا مستعدٌ للمواجهة يا والدي. وسلمى وأمي أيضاً. لقد اتخذنا قرارنا." أكد أحمد.

في عصر ذلك اليوم، وبينما كانت الشمس تلقي بآخر خيوطها الذهبية على أسطح المنازل، توجه أحمد وسالم إلى منزل أبي راشد. كانت الأجواء غريبة. لم يسبق لهما أن دخلا منزل أبي راشد بهذه النية. استقبلهما أبو راشد بابتسامةٍ ودودة، كعادته.

"أهلاً وسهلاً بالجارين العزيزين. تفضلا بالجلوس. هل هناك ما يسعدني خدمتكم به؟" قال أبو راشد، وهو يشير إلى مقعدين مريحين.

جلس أحمد وسالم، وشعر أحمد بثقلٍ لا يوصف. حاول أن يبدأ الحديث بلطف. "أبا راشد، جئناك اليوم لنتحدث في أمرٍ يقلقنا. لاحظنا في الآونة الأخيرة بعض الأمور التي تجعلنا نفكر. هل هناك أي خلافٍ بيننا؟"

ارتسمت على وجه أبي راشد علامات الدهشة المصطنعة. "خلاف؟ لا يا أحمد، لا أفهم. علاقتنا طيبةٌ جداً، وأنا أحترمكم جميعاً. ما الذي تفكر فيه؟"

"لقد لاحظنا بعض التحركات التي نراها غريبة. نظراتٌ متكررة، وحضورٌ في أماكن لا ينبغي لك أن تكون فيها. هذا ما جعلنا نشعر بالقلق." قال السيد سالم، بلهجةٍ هادئة لكنها تحمل شيئاً من القوة.

بدأت ابتسامة أبي راشد تتلاشى ببطء. "قد تكون مجرد مصادفات يا سيدي. الحياة مليئةٌ بالمصادفات."

"ولكن المصادفات تتكرر حينما تكون هناك نوايا. هل أنت مهتمٌ بقطعة الأرض القديمة التي ورثتها عائلتنا؟" سأل أحمد مباشرةً، وقد قرر أن يصارحه.

تغيرت ملامح أبي راشد بشكلٍ مفاجئ. اختفت الابتسامة، وحل محلها صرامةٌ قاتمة. "قطعة الأرض؟ وما شأنكم أنتم بها؟" سأل بنبرةٍ تحمل تحدياً.

"إنها لنا، ونحن لسنا مستعدين للتنازل عنها أبداً." قال السيد سالم بثبات.

"ولكنها قد تكون ذات قيمةٍ أكبر مما تدركون." قال أبو راشد، بنبرةٍ خبيثة. "قيمةٌ قد تجعلكم تفكرون ألف مرة قبل رفض أي عرض."

"لا يوجد عرضٌ يمكن أن يجعلنا نتخلى عن حقنا." رد أحمد، وقد زاد غضبه.

"حسناً. إذا كنتم بهذه الصلابة، فاسمعوا مني. هذه الأرض تحمل سراً، سراً قديماً. ومن يملكها، يملك قوةً لا تعرفون حجمها. وأنا، وأنا وحدي، أستطيع حمايتكم من الأخطار التي قد تنجم عن امتلاككم لهذه الأرض." قال أبو راشد، وبدت عيناه تلمعان بنوعٍ من الغرور.

"حماية؟ نحن لا نحتاج إلى حمايتك. نحن بحاجةٍ إلى أمانٍ من أفعالك أنت!" صاح أحمد.

"هذه نصيحةٌ أخيرة. فكروا جيداً. فإن لم تتنازلوا طواعيةً، قد تضطرون للتنازل كرهاً." قال أبو راشد، بتهديدٍ واضح. "والآن، تفضلا بالانصراف. لقد استنفدتم وقتي."

خرج أحمد وسالم من منزل أبي راشد، وقلوبهم تثقلها المشاعر. لقد تأكدوا بأنفسهم. أبو راشد ليس مجرد جارٍ، بل هو جزءٌ من شبكةٍ أكبر، شبكةٍ تسعى وراء الممتلكات القديمة، شبكةٍ تهدد بالشر.

"لقد تجاوز الأمر حدود الجيرة يا والدي. إنه تهديدٌ صريح." قال أحمد، وشعوره بالمسؤولية تجاه عائلته يزداد.

"أعلم يا بني. لقد رأيتُ في عينيه ما لم أكن أرغب برؤيته. هناك قوىً لا نعرفها، تعمل في الخفاء." رد السيد سالم، وبدا عليه الحزن.

عندما عادوا إلى المنزل، رووا لـ سلمى وفاطمة ما حدث. تعالت أصوات القلق.

"ماذا سنفعل الآن؟" سألت فاطمة، ويدها على فمها.

"علينا أن نزيد من حذرنا. وأن نبلغ السلطات فوراً. ولكن، قبل ذلك، يجب أن نحاول اكتشاف المزيد عن هذا السر القديم الذي يتحدث عنه أبو راشد. قد يكون هذا السر هو مفتاح كل شيء." قال أحمد.

"ولكن كيف؟" سألت سلمى.

"سأقوم ببحثٍ معمق في سجلات العائلة، وفي الوثائق القديمة. لابد أن يكون هناك شيءٌ مدفونٌ في الماضي." أجاب أحمد.

في تلك الليلة، لم يكن للنوم سبيل. كانت سلمى تفكر في كلمات أبي راشد. "قوةٌ لا تعرفون حجمها." ما هو هذا السر؟ هل هو كنزٌ دفين؟ أم قوةٌ أخرى؟ تذكرت حينما كانت صغيرةً، وكيف كانت جدتها تحدثها عن أساطير قديمة، عن كنوزٍ مدفونةٍ في الأرض. هل كانت هذه الأساطير حقيقية؟

بينما كانت تفكر، سمعت صوتاً خافتاً يأتي من حديقة المنزل. نظرت من النافذة، ورأت ظلاً يتحرك بالقرب من السياج. قلقت، ونادت والدتها.

"أمي، هناك شخصٌ في الحديقة!"

هرعت فاطمة، ونظرت مع ابنتها. بدا الظل وكأنه يضع شيئاً ما بالقرب من السياج، ثم اختفى بسرعة.

"يا إلهي! هل هو أبو راشد؟" قالت فاطمة بخوف.

"لا أعرف. لكنه ليس شخصاً طبيعياً." ردت سلمى.

في الصباح، عندما خرج أحمد، وجد شيئاً غريباً مدفوناً بالقرب من السياج. كان صندوقاً صغيراً، محكم الإغلاق. وبجانبه ورقةٌ صغيرةٌ مطوية.

فتح أحمد الورقة، وقرأ ما عليها. كانت مكتوبةً بخطٍ قديم، وبحبرٍ باهت. "للحامي الصادق، أمانةٌ ستبقى. إياكم والضلال."

شعر أحمد ببردٍ يتسلل إلى عظامه. "أمانةٌ ستبقى؟" تساءل. "ما هي هذه الأمانة؟"

فتح الصندوق. بداخله، وجد قلادةً قديمة، مزينةً بحجرٍ أخضر غريب، وبجانبها مخطوطةٌ أخرى، تبدو أكثر تعقيداً.

"يا إلهي! هذا ليس مجرد صندوق." قال أحمد، وعيناه تتسع دهشةً. "هذا شيءٌ أثمن من المال. هذا ربما هو السر الذي يتحدث عنه أبو راشد."

كانت المعركة قد اشتدت. لقد أدركوا أن الخطر ليس مجرد تهديدٍ لجيرانهم، بل هو صراعٌ على إرثٍ قديم، صراعٌ قد يفتح أبواباً لأحداثٍ لم تكن في الحسبان.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%