روحي تعشقك 171
مواجهة الظلال
بقلم ليلى الأحمد
كانت الشكوك تتبدد، ولكن محلها كان يحل يقينٌ أشد وطأة. لم يعد الأمر مجرد خلافٍ عائلي، أو نزاعٍ على أرضٍ، بل بات صراعاً ذا أبعادٍ أعمق، صراعاً على إرثٍ قديم، وعلى قوةٍ لا يدركون مداها. اجتمع أحمد وسلّمى مع الشيخ عبد الرحمن في مسجدٍ هادئ، حيث نسيمٌ عليلٌ يبعث على السكينة.
"يا شيخنا الفاضل، جئناك اليوم طالبين لعونك. لقد اكتشفنا أمراً غريباً، متعلقاً بتاريخ عائلتنا، وبشيءٍ نخشى أن يكون ذا خطرٍ علينا." بدأ أحمد، وبدت عليه علامات القلق.
عرض أحمد على الشيخ عبد الرحمن القلادة والمخطوطة. تفحص الشيخ الأشياء بعناية، وأطال النظر إلى الرموز والحروف القديمة.
"سبحان الله!" قال الشيخ أخيراً، وهو يرفع رأسه. "هذه المخطوطة ليست عادية. إنها تتحدث عن 'درع السماء'، وعن 'نجمة الصباح'. هذه مصطلحاتٌ قديمة، مرتبطةٌ بعلومٍ وفلكٍ نادر. وهذه القلادة، إن لم تخني ذاكرتي، فهي تحمل حجر 'الروحانيات' الذي كان يعتقد أنه يربط صاحبه بالطاقات الكونية."
"الطاقات الكونية؟ هل تقصد السحر؟" سألت سلّمى بخوف.
"لا، يا ابنتي. ليس بالضرورة سحراً بالمعنى الشائع. هذه العلوم كانت تستند إلى فهمٍ عميقٍ لطبيعة الخلق، وللطاقات التي تحكم الكون. كان القدماء يؤمنون بأن هناك ترابطاً بين الإنسان، وبين السماء، والأرض. وهذا الحجر، وهذه المخطوطة، قد تكون مفتاحاً لفهم هذا الترابط، أو لاستخدامه." أجاب الشيخ.
"ولكن، ما هو 'الضلال' الذي حذروا منه؟ وما هو 'الحامي الصادق'؟" سأل أحمد.
"الحامي الصادق، هو من يحمل الأمانة بقلبٍ نقي، وبنيةٍ صافية، ابتغاء مرضاة الله وحفظ الحق. أما الضلال، فهو الانحراف عن هذا الطريق، استخدام هذه القوة في الشر، أو في تحقيق مكاسبٍ دنيويةٍ باطلة." فسّر الشيخ. "يبدو أن هذه الأمانة، وهذه القوة، قد تكون ذا خطرٍ عظيمٍ لمن لا يملك النية الحسنة. ولهذا، تم إخفاؤها."
"ومن هو الذي يسعى وراءها؟" سأل أحمد.
"من يسعى وراء مثل هذه الأشياء، لا تكون نيته صافية. من يطمع في القوة، فإنه غالباً ما يكون منحرفاً عن طريق الحق. ربما هو شخصٌ ذو طموحٍ كبير، يسعى لامتلاك هذه القوة لتحقيق أهدافه الدنيوية." قال الشيخ.
"لقد ذكر أبو راشد اسماً، اسمه السيد هاشم." قال أحمد.
"السيد هاشم؟ لم أسمع به من قبل. ولكن، مهما كان اسمه، فمن يسعى وراء مثل هذه الأمانات، فهو غالباً ما يكون بعيداً عن الله." أجاب الشيخ. "عليكم أن تكونوا حذرين. وأن تتصرفوا بما يرضي الله. فالله هو خير الحافظين."
بعد اللقاء بالشيخ عبد الرحمن، شعر أحمد وسلّمى بشيءٍ من الوضوح، ولكن الخطر كان لا يزال يلفهما. عادوا إلى المنزل، ورووا لوالديهم ما سمعوه.
"إذاً، نحن نحمل أمانةً عظيمة، ويجب أن نحميها." قال السيد سالم.
"ولكن كيف نحميها من شخصٍ مثل السيد هاشم؟" سألت فاطمة.
"علينا أن نتبع إرشادات الشيخ. وأن نتحرك بحذرٍ شديد. وأن نثق بأن الله معنا." أجاب أحمد.
في تلك الأثناء، كان أبو راشد يشعر بالذعر. لقد أبلغ السيد هاشم بفشل محاولة إخفاء الصندوق، وبأن العائلة بدأت في فهم ما فيه.
"أنت فاشلٌ يا أبو راشد!" صاح السيد هاشم عبر الهاتف. "لقد أعطيتك فرصةً، وقد أهدرتها. الآن، يجب أن أتدخل بنفسي. لا أريد أي تأخير. سأقوم بزيارتك اليوم. كن مستعداً."
شعر أبو راشد بالبرد يتسرب إلى عروقه. كان يعلم أن مواجهة السيد هاشم مباشرةً ستكون خطيرةً جداً.
في مساء ذلك اليوم، وبينما كانت السماء تتلون بألوان الغروب، لاحظت سلّمى سيارةً سوداء، فاخرة، تقف بالقرب من منزلهم. لم تكن سيارةً مألوفة. ثم رأيت أبو راشد يخرج من باب منزله، ويتجه نحو تلك السيارة.
"أمي، أبي! هناك سيارةٌ غريبة واقفةٌ بالقرب من منزل أبي راشد، وهو يقابل شخصاً فيها." نادت سلّمى.
هرع أحمد إلى النافذة، ونظر. رأى أبو راشد وهو يتحدث إلى شخصٍ في السيارة. ثم رأى يد السيد هاشم تلقي بظرفٍ لأبي راشد.
"يبدو أن أبو راشد يتقاضى أجره." قال أحمد بمرارة. "وهو يعمل الآن لصالح السيد هاشم مباشرةً."
"هذا يعني أن الخطر قد أصبح قريباً جداً." قالت فاطمة.
في تلك اللحظة، سمعوا صوتاً قوياً قادماً من جهة الشارع. صوتٌ كأنه صرخةٌ مكتومة، ثم صوت ارتطام.
هرع أحمد وسلّمى للخارج، ورأوا منظراً مفزعاً. سيارةٌ سوداء، كانت واقفةً بالقرب من منزلهم، قد انقلبت على جانبها، وأبو راشد ملقىٌ بجانبها، مصاباً.
"أبي راشد!" صاح أحمد، وركض نحوه.
اقترب أحمد بحذر. كان أبو راشد ينزف، ولكنه كان واعياً.
"ماذا حدث؟" سأل أحمد.
"لقد... لقد تعرضنا لهجوم." قال أبو راشد بصعوبة. "شخصٌ... شخصٌ حاول سرقة... سرقة الظرف. لقد قاومته، فضربني."
"من هو هذا الشخص؟" سأل أحمد.
"لا أعرف. ولكنه كان قوياً. ورجل السيد هاشم." قال أبو راشد، وهو يتألم.
"السيد هاشم؟" قال أحمد، وقد فهم. "إذاً، هو من أرسل هذا الرجل. يريد أن يتأكد أن الظرف قد وصل."
"نعم. الظرف... الظرف فيه... معلوماتٌ عن مكان الأمانة." قال أبو راشد، وهو يئن. "لقد... لقد أخفيتُ الأمانة... في مكانٍ آمن. ولن يستطيعوا العثور عليها."
"أين؟" سأل أحمد.
"لا أستطيع... لا أستطيع أن أقول... الآن." قال أبو راشد، وهو يفقد وعيه.
هرع أحمد وسلّمى لطلب المساعدة. وصل رجال الإسعاف، وبدأوا في علاج أبي راشد. بينما كانوا يفعلون ذلك، استطاع أحمد أن يلتقط الظرف الذي كان قريبًا من أبو راشد.
فتحه أحمد بسرعة. كانت بداخله خريطةٌ قديمة، مرسومةٌ بعناية، وعليها علاماتٌ غريبة. كانت تشير إلى مكانٍ ما في منطقةٍ بعيدة، في الصحراء.
"هذه هي الخريطة." قال أحمد، وهو ينظر إلى الخريطة. "هذا هو المكان الذي يبحث عنه السيد هاشم."
"هل هو مكان الأمانة؟" سألت سلّمى.
"ربما. أو ربما هو مكانٌ آخر، مرتبطٌ بها." أجاب أحمد.
شعر أحمد بمسؤوليةٍ هائلة. لقد رأوا ما فعله السيد هاشم بأبو راشد، الذي كان مجرد أداة. إذا كان هذا الرجل مستعداً لفعل ذلك، فماذا سيفعل بهم؟
"علينا أن نتحرك بسرعة." قال أحمد. "علينا أن نصل إلى هذا المكان قبل السيد هاشم. وعلينا أن نحمي الأمانة."
كانت المواجهة قد بدأت. لم يعد الأمر مجرد شكوكٍ أو تهديدات. بل أصبح صراعاً حقيقياً، صراعاً على إرثٍ قديم، وعلى قوةٍ قد تغير مجرى التاريخ.