الفصل 2 / 25

روحي تعشقك 171

ضوءٌ في عتمةِ الشك

بقلم ليلى الأحمد

كانَ الليلُ قدْ ألقى بعباءتِهِ الحريريةِ المخمليةِ على مدينةِ "قصرِ الشوق"، ونثرَ عليها ملايينَ النجومِ كحباتِ ماسٍ متلألئة. عادتْ "ليلى" إلى غرفتها، قلبُها ما زالَ يصدحُ بنبضاتٍ سريعةٍ، ووجهُ "أحمد" لمْ يفارقْ خيالَها. جلستْ بجانبِ نافذتها، مفتوحةً على مصراعيها، لتسمحَ لدخولِ نسماتِ الهواءِ العليلِ محمّلةٍ برائحةِ الليلِ المنعشة، ممزوجةٍ بعبقِ زهرِ الليمونِ الذي ينمو في حديقةِ منزلِهم.

لمْ تكنْ تعلمُ كيفَ تصفُ مشاعرَها. لقدْ كانتْ تلكَ الليلةَ فاصلةً، نقطةَ تحولٍ في حياتِها. لقاءُ "أحمد" لمْ يكنْ مجردَ لقاءٍ عابرٍ، بلْ كانَ كاشفاً لأسرارٍ دفينةٍ في أعماقِها، ومثيراً لأسئلةٍ لمْ تكنْ تجرؤُ على طرحِها على نفسِها.

كانتْ تذكرُ جيداً تلكَ اللحظاتِ الأولى في القاعة، عندما رأتْ "أحمد" واقفاً. لمْ يكنْ لديهِ ذلكَ التأثيرُ الأولُ الذي يصفهُ الأدباءُ في قصصِ الحبِّ الخيالية. لمْ تشعرْ بأنَّها وقعتْ في الحبِّ منْ أولِ نظرة. بلْ كانَ شعورُها مزيجاً منَ الاحترامِ والانبهارِ الهادئ. لكنَّ الحوارَ بينهما، ذلكَ الحوارُ الذي بدأَ بسطحيةٍ وتعمّقَ ليلامسَ أعمقَ أركانِ الروح، هوَ ما سحرَها حقاً.

كلماته عنْ الأدبِ، شغفُهُ بالشعرِ، اعترافُهُ بكتابتِهِ لبعضِ الخواطر، كلُّ هذا جعلَ منها ترى فيهِ رجلاً مختلفاً، رجلاً لا يكتفي بالظاهر، بلْ يبحثُ عنِ الجوهر. لقدْ شعرتْ بوجودِ تيارٍ خفيٍ يربطُ بينهما، تيارٌ منَ التفاهمِ والرغبةِ في اكتشافِ الآخر.

تذكرتْ حينَ سألَها عنْ كتابِها المفضل، وكيفَ استجابتْ دونَ تفكيرٍ، وكيفَ وجدتْ في عينيْهِ بريقَ الإعجابِ والدهشةِ حينَ ذكرتْ اسمَ "محمود درويش". كانَ ذلكَ الشعورُ بالانتماءِ المشتركِ، بتلكَ اللغةِ الأدبيةِ التي تفهمانِها، شيئاً فريداً.

"هلْ يمكنُ أنْ أسمعَ شيئاً منهُ يوماً ما؟" سألتْ وهيَ تحاولُ أنْ تبدوَ طبيعيةً، بينما قلبُها كانَ يخبرها بأنَّ هذا السؤالَ يحملُ في طياتِهِ الكثيرَ منَ الأملِ والشوق.

ابتسامةُ "أحمد" التي ردَّ بها، كانتْ وعداً، كانتْ دعوةً لمواصلةِ هذا الحوارِ الثري. "بالتأكيد. إذا أذنَ اللهُ لنا باللقاءاتِ المستقبلية، ربما أشاركُكِ ببعضِ خاطراتي."

"إذا أذنَ اللهُ لنا باللقاءاتِ المستقبلية..." تكررتْ هذهِ الكلماتُ في ذهنِ "ليلى" كترنيمةٍ سحرية. أدركتْ أنَّ هذا الزواجَ، الذي بدا في البدايةِ كواجبٍ اجتماعيٍ تقليدي، قدْ تحوّلَ في عينيها إلى فرصةٍ لا تُقدَّرُ بثمن. فرصةٌ للقاءِ روحٍ تشبهُ روحَها، روحٍ تقدّرُ الجمالَ، وتحلمُ بالبناءِ، وتبحثُ عنِ السموِّ في إطارِ الحلال.

لكنَّ هذا الأملَ لمْ يخلُ منْ بعضِ الشكوكِ التي بدأتْ تتسللُ إلى قلبِها. فـ"أحمد" كانَ غريباً عنها. لمْ تعرفْ عنهُ سوى ما سمعتْهُ منْ والدتِها، وما رأتهُ في نظراتِهِ وكلماتِهِ. هلْ سيستمرُّ هذا الانجذابُ الأدبيُّ والشعوريُّ؟ هلْ سيكونُ زوجاً صالحاً، شريكاً في الحياةِ، قائداً لها نحو الخير؟

كانتْ والدتُها، الحاجةُ "فاطمة"، تراقبُها بعينِ الأمِّ الواعية. رأتْ البهجةَ في عينيْ ابنتِها، ورأتْ أيضاً ذلكَ الحذرَ الطبيعيَّ الذي يلازمُ كلَّ خطوةٍ في طريقِ بناءِ أسرة.

"ماذا يقولُ قلبُكِ يا "ليلى"؟" سألتْ والدتُها ذاتَ صباحٍ، وهيَ ترى ابنتَها تتأملُ خيوطَ الشمسِ المتسللةِ عبرَ النافذة.

تنهدتْ "ليلى". "لا أدري يا أمي. أشعرُ بتقديرٍ كبيرٍ تجاهَ "أحمد". وأعتقدُ أنَّ بيننا تفاهمٌ جيدٌ. لكنَّني... أخافُ."

"الخوفُ طبيعيٌ يا ابنتي. إنَّهُ دليلٌ على وعيِكِ بأهميةِ هذهِ الخطوة. لكنْ لا تدعي الخوفَ يسيطرُ عليكِ. ثقي باللهِ، وثقي بحكمتِنا. لقدْ اخترنا لكِ رجلاً يحملُ الدينَ في قلبِهِ، والعلمَ في عقلِهِ، والأخلاقَ في تعاملاتِهِ. "أحمد" ليسَ مجردَ شابٍ مثقف، بلْ هوَ رجلٌ يتحملُ المسؤولية."

"لكنّي لمْ أعرفْهُ عن قربٍ كافٍ." قالتْ "ليلى" بحذر. "ماذا لوْ اكتشفنا بعدَ الزواجِ أنَّنا لسنا متوافقين؟"

"التوافقُ يُبنى ويُصنع، يا ابنتي. ليسَ مجردَ شيءٍ يُوجدُ أو لا يُوجد. الحبُّ الذي ترينهِ الآنَ، هوَ البداية. الزواجُ هوَ الورشةُ التي نصنعُ فيها هذا الحبَّ، ونُنمّيهِ، ونجعلهُ قوياً ومتيناً. وسيكونُ لديكِ الوقتُ الكافي لتعرفي "أحمد" عن قرب. ستعيشانِ معاً، ستتشاركانِ الأفراحَ والأحزان. وسيكشفُ لكِ الزمانُ عنْ معدنِهِ الأصيل."

كانتْ كلماتُ والدتِها مطمئنةً، لكنَّها لمْ تُطفئْ شعلةَ القلقِ التي اشتعلتْ في قلبِها. كانتْ "ليلى" فتاةً دقيقةً في مشاعرِها، حساسةً لأبعدِ الحدود. وكانتْ تتمنى أنْ يكونَ هذا الزواجُ ليسَ فقطْ زواجاً تقليدياً، بلْ شراكةً حقيقيةً، علاقةً تنمو فيها الأرواحُ معاً، وتتعانقُ القلوبُ على طريقِ مرضاةِ الله.

بعدَ أيامٍ قليلة، جاءَ "أحمد" مرةً أخرى، هذهِ المرةَ بصحبةِ والدِهِ، لزيارةِ بيتِ "ليلى" رسمياً. كانَ اللقاءُ أقلَّ رسميةً منَ المرةِ الأولى، وأكثرَ دفئاً. دارَ الحديثُ بينَ العائلتينِ حولَ تفاصيلِ الزواج، المهر، والتجهيزات.

خلالَ هذهِ الزيارة، سنحتْ لـ"ليلى" و"أحمد" فرصةٌ أكبرُ للحديثِ المباشر. كانَ "أحمد" يبدو واثقاً منْ نفسِهِ، لكنَّهُ لمْ يكنْ متغطرسًا. كانَ يستمعُ جيداً لما تقولُ "ليلى"، ويُبدي اهتماماً صادقاً بآرائِها.

"لقدْ أخبرتني والدتي أنَّكِ شغوفةٌ جداً بجمعِ الكتبِ القديمة،" قالَ "أحمد" بابتسامةٍ وهوَ يشربُ كوبَ الشاي. "ولديَّ في مكتبتي مجموعةٌ منَ المخطوطاتِ النادرة، ربما تودينَ الاطلاعَ عليها يوماً ما."

لمعتْ عينا "ليلى" فرحاً. "حقاً؟ هذا ما أتمناهُ حقاً. أجدُ في الكتبِ القديمةِ تاريخاً وحكمةً لا تُقدَّرُ بثمن."

"وأنا أرى فيكِ روحَ المؤرخِ والباحثِ الأصيل." قالَ "أحمد" بثقة. "أعتقدُ أنَّنا سنتفقُ في الكثيرِ منَ الأمور."

استمرَّ الحديثُ بينهما، كأنَّهُما يعرفانِ بعضهما منذُ زمنٍ طويل. تحدثا عنْ أحلامِهما المستقبلية، عنْ رغبتِهما في بناءِ بيتٍ هادئٍ، مستقر، يكونُ ملجأً لأفرادِ أسرتِهما. تحدثا عنْ أهميةِ العلمِ، وعنْ مسؤوليتِهما تجاهَ المجتمع.

كانَ "أحمد" يتحدثُ عنْ طموحاتِهِ في مجالِ عملِهِ، وكيفَ يسعى جاهداً ليكونَ سبباً في تحسينِ حياةِ الآخرين. "أؤمنُ بأنَّ النجاحَ الحقيقيَّ ليسَ في جمعِ المال، بلْ في تركِ بصمةٍ إيجابيةٍ في حياةِ الآخرين." قالَ، وكلماتُهُ كانتْ نابعةً منْ قلبٍ نقي.

"وهذا ما يجعلُني أرى فيكَ رجلاً نبيلاً." ردتْ "ليلى" بصدق، تشعرُ بأنَّ الانطباعَ الأولَ الذي تركَ فيها "أحمد" كانَ أعمقَ وأصدقَ مما تصور.

"وليسَ أنا فقطْ منْ يرى ذلكَ فيكِ، بلْ كلُّ منْ يعرفُكِ." قالَ "أحمد" بنظرةٍ تحملُ معانٍ كثيرة. "لقدْ سمعتُ عنْ أخلاقِكِ وعنْ علمِكِ وعنْ تفانيِكِ في خدمةِ الآخرين. هذهِ الصفاتُ نادرةٌ، ويجبُ أنْ تُصانَ."

شعرتْ "ليلى" ببريقٍ خفيٍ في عينيْ "أحمد" حينَ تحدثَ عنها بهذهِ الطريقة. بريقٌ يجمعُ بينَ الإعجابِ والتقديرِ، وربما... شيءٌ منَ الحبِّ الوليد.

كانتْ تلكَ الزيارةُ بمثابةِ ضوءٍ ساطعٍ في عتمةِ شكوكِها. لقدْ رأى "أحمد" فيها أكثرَ مما ظنتْ، وقدْ أظهرَ لها جانباً منْ شخصيتِهِ لمْ تكنْ تتوقعْهُ. وبينما كانتْ تستعدُّ للنومِ في تلكَ الليلة، شعرتْ بأنَّها على وشكِ بدايةِ رحلةٍ جميلة، رحلةٍ ستُبنى فيها حياةٌ كاملةٌ على أساسٍ منَ الودِّ والاحترامِ، وعلى أملٍ كبيرٍ بلقاءِ روحٍ تُعشقُها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%