الفصل 20 / 25

روحي تعشقك 171

وشاح الحقيقة الشفافة

بقلم ليلى الأحمد

كان الهواء ثقيلاً، مشبعاً بنذر عاصفة لم تكن السماء وحدها شاهدة عليها، بل القلوب أيضاً. جلست ليلى في جناحها، تستند إلى النافذة التي تطل على بستان الياسمين الذي لطالما كان ملاذها. لكن هذه الليلة، كانت رائحته العطرة تثير فيها قلقاً غريباً، كأنها تحمل همسات تحذير. يدها ترتعش وهي تلمس حافة وشاحها الحريري، الذي أهدته إياها والدتها قبل سنوات، وشاحٌ نسجت خيوطه من أمانٍ وحب، باتت الآن تشعر أنه يخفي أسراراً أثقل من زخارفه.

دخلت والدتها، السيدة أمينة، بهدوء، وفي عينيها حكمة السنين وقلق الأمومة. جلست بجانبها، ووضعت يدها الحانية على ظهر ابنتها. "ليلى يا ابنتي، ما بالك؟ يبدو قلبك مضطرباً."

تنهدت ليلى، وأدارت وجهها عن النافذة لتواجه أمها. "أمي، لقد زرت اليوم عمي الشيخ سالم، وسألته عن أمرٍ يقلقني كثيراً."

رفعت السيدة أمينة حاجبيها بانتباه. "وما هو هذا الأمر؟"

"عندما كنت أتصفح بعض أوراق والدي القديمة، وجدت رسالة بخط يده، موجهة إلى شخص يدعى 'سلطان'. لم أسمع بهذا الاسم من قبل، ولم أعرف من يكون. لكن طريقة الكتابة، والعبارات التي وردت فيها، جعلتني أشعر أن هناك شيئاً عظيماً، وشيئاً قد يكون خفياً، يتعلق بوالدي."

نظرت السيدة أمينة إلى ابنتها ملياً، ثم قالت بصوت واهن: "عمك الشيخ سالم رجلٌ حكيم، وله بصيرة نافذة. ما قاله لك؟"

"قال لي يا أمي، إن الرسالة تتعلق بماضٍ بعيد، ماضٍ لم يكن والدي فيه وحده، بل كان له شريك في أمرٍ جلل. شريكٌ اسمه 'سلطان'." انحبست الكلمة في حلق ليلى، وشعرت وكأنها تلقي حجراً في مياه راكدة.

"وهل عرفتِ من هو هذا السلطان؟" سألت السيدة أمينة، وصوتها يحمل نبرة لم تعهدها ليلى من قبل.

"قال لي عمي إن هذا السلطان هو والد خالد."

تسمرت السيدة أمينة في مكانها، وكأن صدمة الخبر قد جمدت دمها. اتسعت عيناها، وشحب وجهها. "والد خالد؟ سلطان؟ لا يمكن... كيف؟"

"نعم يا أمي. يبدو أن والدي وخالد كانا يحملان سراً أعمق مما كنا نتخيل. عمي قال لي إن هناك تحالفاً قديماً، وعملاً مشتركاً بين والدي وسلطان، شيءٌ كان لابد له أن يُحفظ من الأعين، وربما من الزمن نفسه."

"هذا جنون! كيف لم نعرف بهذا من قبل؟ والد خالد؟ لم يذكر والدي قط أي شيء عن صلة قريبة تجمعنا بعائلة خالد." كانت السيدة أمينة تتحدث بصوتٍ مختلط بين الدهشة والارتباك.

"الرسالة كانت تحمل كلماتٍ عن 'أمانة'، وعن 'عهدٍ لا يُكسر'. وعن 'حماية كيانٍ غالٍ'." قالت ليلى، وهي تشعر بأن خيوط الماضي بدأت تتكشف أمامها، ولكن بطريقة تزيد من حيرتها. "سألته إن كان هناك أي شيء آخر، ولكنه اكتفى بالقول إن الماضي يحمل في طياته دروساً، وأن بعض الأسرار بقيت مدفونة لخيرٍ ما."

"خير؟ أي خيرٍ هذا الذي يدفن الحقائق؟" تمتمت السيدة أمينة، وهي تضع يدها على صدرها. "والد خالد... كان رجلاً ذكياً، ولكن لم نكن نعرف شيئاً عن هذه العلاقة."

"والأكثر غرابة يا أمي، أن الرسالة ذكرت شيئاً عن 'نجمةٍ تضيء الطريق'. لم أفهم المعنى. ولكن عمي قال لي إنه رمزٌ قديم، وأن من يفهم معناه، يفهم الكثير."

"نجمة تضيء الطريق..." رددت السيدة أمينة الكلمات، وكأنها تبحث في ذاكرتها عن ذكرى غائبة. "والدي كان يحب اقتناء الكتب القديمة. ربما كان هناك شيءٌ في مكتبته... لم أتذكر ذلك من قبل."

"والدي لم يكن ليخفي عنا شيئاً مهماً كهذا." قالت ليلى، وهي تشعر ببعض اليقين يغلب على خوفها. "يجب أن أبحث عن المزيد. يجب أن أفهم ما الذي كان يجمع بين والدي وسلطان."

"ولماذا الآن؟ لماذا ظهر هذا الأمر فجأة؟" سألت السيدة أمينة، وبدت عيناها تبحثان عن إجابة في الفراغ. "هل هناك علاقة بهذا الزواج المقترح؟"

تسمرت ليلى. سؤال أمها كان سهمًا اخترق صمتها. "لا أعرف يا أمي. ولكن... ربما. ربما يكون هناك شيءٌ ما."

"ماذا تقصدين؟"

"خالد... لم يتحدث أبداً عن والده. وعندما سألته عن عائلته، كان دائماً يتهرب. كأن هناك جداراً سميكاً يبنيه حول ماضيه."

"وهذا يثير الشك أكثر." قالت السيدة أمينة. "إذا كان هناك سرٌ مشترك بين الوالدين، فقد ينتقل هذا السر إلى الأبناء. وقد يكون لهذا السر أبعادٌ لا نتوقعها."

"لكن لماذا لم يخبرنا والدي؟ لماذا هذه السرية؟"

"ربما كانت الحماية يا ابنتي. ربما كان يحمي عائلته، أو يحمي هذا 'الكيان الغالي' الذي تحدثت عنه الرسالة."

"ولكن الآن، لم يعد الأمر مجرد ماضٍ. أصبح يتعلق بالحاضر. يتعلق بخالد." شعرت ليلى بأن شيئاً عظيماً، وربما خطيراً، قد بدأ يتكشف. "إذا كان خالد يحمل جزءاً من هذا السر، وإذا كان هذا السر يتعلق بشيءٍ حساس، فربما يكون زواجنا... ليس مجرد زواج."

"لا تقولي هذا يا ليلى! يجب أن نفكر بعقلانية. عمك سالم لم يقل شيئاً يثير القلق المباشر. قال إنها أسرارٌ دفنت لخيرٍ ما."

"لكن يا أمي، ماذا لو كان 'الخير' الذي نتحدث عنه، يتطلب منا معرفة الحقيقة كاملة؟ ماذا لو كان هناك تداعياتٌ قد تصيبنا، إذا لم نفهم هذه الحقيقة؟"

"ماذا تقصدين بالتداعيات؟"

"لا أعرف. ولكن عندما يذكر والدي في رسالةٍ قديمة، في سياقٍ سري، شيئاً عن 'أمانة' وشيء عن 'حماية كيان غالٍ'، وعندما نكتشف أن هذا الكيان الغالي يتعلق بعائلة خالد، وأن خالد نفسه لديه جدارٌ يبنيه حول ماضيه، فمن الطبيعي أن أشعر بالقلق."

"لقد تحدثت مع خالد عن الأمر؟"

"لا. لم أستطع. كيف أواجهه بسؤالٍ كهذا؟ لم أفهم الرسالة بالكامل. ولم أفهم ما يعنيه عمي برمز 'النجمة'."

"وهل سألتِ عمك عن معنى هذه النجمة؟"

"قال إنها رمزٌ يتوارثه البعض، وإنه لا يمكن شرحه بالكلمات بسهولة. يجب أن يُرى، وأن يُشعر به."

"هذا يغذي الشك أكثر. يبدو أن هناك لعبةً كبيرة، وأننا على وشك أن ندخلها دون أن نعرف قواعدها." قامت السيدة أمينة، واقتربت من ليلى، وأمسكت بيديها. "يا ابنتي، مهما كان هذا السر، فليكن هدفنا هو الحقيقة. الحقيقة التي لا تبني على الظلم، ولا تغذي العداوة. إذا كان هناك شيءٌ يخص والدينا، فيجب أن نفهمه. ولكن بحذر. وبحكمة."

"ولكن يا أمي، إذا كان والد خالد، سلطان، هو شريك والدي، فهل هذا يعني أن خالد لديه حقٌ في شيءٍ ما؟ حقٌ ربما لم يكن والدي يتوقعه؟"

"هذا افتراضٌ بعيد يا ليلى."

"ولكنه افتراضٌ وارد. خاصة وأن عمي لم يرفض فكرة أن يكون هناك ارتباطٌ بين هذا الأمر وبين الزواج."

"ماذا قال لكِ بالضبط؟"

"قال إن القدر له يدٌ تلعب بنا، وأن بعض الأسرار لا تظهر إلا عندما تكون الظروف مواتية. قال إن علينا أن نستعد لكل الاحتمالات."

"استعداد؟ بأي شكل؟"

"قال إنه سيساعدني في البحث. وأنه لديه بعض الخيوط التي قد تربط بين هذه الرموز وبين تاريخ عائلتنا، وتاريخ عائلة خالد."

"هذا مطمئن، ولكن ما الذي يجعله مطمئناً؟"

"الطمأنينة تأتي من أننا لسنا وحدنا في البحث. ولكن القلق يأتي من أننا قد نكتشف شيئاً لا نريد أن نكتشفه."

نظرت ليلى إلى وشاحها، ومررت أصابعها على حوافه. "هذا الوشاح... أهدتني إياه أمي يوم زواجها. وقالت إن كل خيط فيه يمثل دعاءً، ودعاءً بحمايةٍ ورزقٍ طيب. هل يمكن أن يكون هذا الوشاح يحمل سراً أيضاً؟"

"كل ما يخص أمك وأبيك يحمل معاني خاصة يا ابنتي. ولكن هذا لا يعني أنه يحمل أسراراً سيئة."

"ولكن هل والدي وخالد كانا يحملان نفس الأمانة؟ وهل خالد يدرك طبيعة هذه الأمانة؟"

"أسئلة كثيرة تجول في خاطرك، وليلى. وسأساعدك في البحث عن إجاباتها. ولكن تذكري، نحن مسلمون، وعلى يقين بأن الله مدبر الأمور. مهما كان السر، فلن يتجاوز ما كتبه لنا."

"ولكن يا أمي، عندما يتعلق الأمر بماضي والدي، وعلاقاته الخفية، وخالد الذي يبدو أنه يحمل جزءاً من هذا اللغز، فإن الخوف يتسلل إلى قلبي. هل يمكن أن يكون ما يبدو رومانسياً الآن، مجرد ستارٍ يخفي وراءه حقائق قد تغير كل شيء؟"

"سنكتشف يا ابنتي. بالصبر، وبالدعاء، وبالبحث عن الحقيقة. لا تقلقي. سنواجه كل شيء معاً."

لكن ليلى لم تستطع أن تخفف من وطأة القلق الذي استقر في صدرها. شعرت بأنها تقف على حافة جرف، وأن الريح تحمل إليها همساتٍ من الماضي، تتنبأ بعاصفةٍ قادمة. الوشاح الذي لطالما كان رمزاً للأمان، أصبح الآن يذكرها بأن الحقيقة قد تكون شفافة، ولكنها قد تخفي في طياتها ما لا يمكن رؤيته بالعين المجردة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%