الفصل 3 / 25

روحي تعشقك 171

خيطُ الندى على خدِّ الأمل

بقلم ليلى الأحمد

تتالتْ الأيامُ بعدَ خطبةِ "أحمد" و"ليلى"، حاملةً معها هدوءاً ظاهرياً، لكنَّها كانتْ تخفي في طياتِها عواصفَ مشاعرَ متلاطمة. كانتْ "ليلى" تعيشُ في دوامةٍ منَ الأحلامِ والتساؤلات. كلُّ لقاءٍ خاطفٍ معَ "أحمد" كانَ يُشعلُ في قلبِها شمعةَ أملٍ جديدة، لكنَّ كلَّ خوفٍ قديمٍ كانَ يُحاولُ إطفاءَها.

كانتْ العائلتانِ في سباقٍ محمومٍ معَ الزمنِ لتجهيزِ مراسمِ الزواج. كانتْ الحاجةُ "فاطمة" تتنقلُ بينَ محلاتِ الأقمشةِ، وبينَ صانعيِ الحلوياتِ، وبينَ منظميِ حفلاتِ الزفاف، بكلِّ نشاطٍ وحيوية. أما والدُ "ليلى"، السيدُ "حسين"، فكانَ يلتقي بوالدِ "أحمد" لمناقشةِ الأمورِ الماليةِ والتفاصيلِ القانونية.

لكنَّ "ليلى" نفسها، كانتْ تبحثُ عنْ وقتٍ أطولَ معَ "أحمد"، عنْ فرصةٍ أكبرَ للتعرفِ عليهِ عنْ قرب. كانتْ تلكَ اللقاءاتُ الرسميةُ، رغمَ جمالِها، لا تكفي لتُطفئَ ظمأَ روحِها المتعطشةِ للمعرفةِ والاتصالِ الحقيقي.

في أحدِ الأيام، أرسلَ "أحمد" إليها رسالةً عبرَ والدتِها، دعوةً لتناولِ الشايِ في حديقةِ بيتِ والدهِ، بعيداً عنْ ضوضاءِ التحضيرات. شعرتْ "ليلى" بخفقةٍ في قلبِها. هذهِ الدعوةُ بدتْ مختلفةً، أكثرَ خصوصية.

وصلتْ "ليلى" إلى بيتِ "أحمد"، وكانَ الاستقبالُ حاراً ولطيفاً. استقبلتْها والدةُ "أحمد"، السيدةُ "أمينة"، بابتسامةٍ واسعة. "أهلاً بكِ يا ابنتي، تفضلي. "أحمد" ينتظرُكِ في الحديقة."

كانتْ الحديقةُ لوحةً فنيةً طبيعية. مزروعةٌ بالأشجارِ العاليةِ، وبعضُ الورودِ المتفتحةِ التي تمنحُ المكانَ عبقاً ساحراً. كانَ "أحمد" واقفاً بجانبِ طاولةٍ صغيرةٍ وُضعتْ عليها صينيةُ الشايِ وكوبان. كانَ يرتدي ملابسَ بسيطةً، لكنَّها بدتْ أنيقةً عليه.

"أهلاً بكِ يا "ليلى"." قالَ "أحمد" وهوَ يتجهُ نحوها، ابتسامتُهُ المعهودةُ تزينُ وجهَهُ. "سعيدةٌ بقدومِكِ."

"وأنا أسعدُ بوجودي هنا." أجابتْ "ليلى"، وهيَ تشعرُ بأنَّ الهواءَ حولَها يمتلئُ بشيءٍ منَ السحر.

جلسا يتناولانِ الشاي، وبدأَ الحوارُ بينهما. هذهِ المرة، لمْ يكنْ هناكَ أيُّ حواجزَ، لا رسميةٍ ولا اجتماعية. كانَ كلُّ شيءٍ طبيعياً، عفوياً.

"أردتُ أنْ نلتقي هنا، في مكانٍ هادئ، بعيداً عنْ كلِّ هذهِ الضغوطات." قالَ "أحمد"، وهوَ يُراقبُ حركةَ الطيورِ في الأشجار. "أردتُ أنْ أتحدثَ معَكِ بصدقٍ، وأسمعَ منكِ بصراحة."

"وهذا ما أتمنّاهُ أيضاً." قالتْ "ليلى"، وهيَ تشعرُ بأنَّ قلبَها يطمئنُّ أكثرَ وأكثر. "أشعرُ أنَّ هذهِ الخطبةَ جادةٌ، وأنَّنا على وشكِ بناءِ شيءٍ مهم. وأريدُ أنْ أكونَ مستعدةً تماماً."

"وأنا كذلك." أكدَ "أحمد". "لكنَّني أرى فيكِ بعضَ القلق. أرى أنَّكِ تخشينَ منَ المجهول. وهذا حقُكِ. الزواجُ قرارٌ كبير، وتغييرٌ جذريٌ في الحياة."

"نعم. ربما لأنّي لمْ أختبرْ هذهِ التجربةَ منْ قبل. ولأنَّني أرى في "أحمد" ما يستحقُّ كلَّ هذا الاستعدادِ والاهتمام."

ابتسمَ "أحمد" بخفة، وارتسمَ على وجهِهِ شيءٌ منَ الخجلِ الجميل. "كلماتُكِ تُشرّفني يا "ليلى". لكنْ يجبُ أنْ تعرفي أنَّني لستُ كاملاً. لديَّ أخطائي، ولديَّ نقاطُ ضعف. ولا أريدُ أنْ أُوهِمَكِ بأنَّ حياتَنا ستكونُ ورديةً دائماً."

"وأنا لا أتوقعُ ذلك." قالتْ "ليلى" بجدية. "الحياةُ فيها صعوباتُها، وفيها تحدياتُها. لكنَّني أؤمنُ بأنَّنا معاً، ومعَ توفيقِ الله، نستطيعُ أنْ نتجاوزَ أيَّ صعوبة."

"وهذا هوَ الإيمانُ الذي نحتاجُه." قالَ "أحمد"، ثمَّ صمتَ للحظةٍ، وكأنَّهُ يبحثُ عنْ الكلماتِ المناسبة. "هلْ لديكِ أحلامٌ معينةٌ تودينَ تحقيقَها بعدَ الزواج؟"

فكرتْ "ليلى" قليلاً. "نعم. أحلمُ بأنْ أُكملَ دراساتي العليا في الأدبِ المقارن. وأنْ أُدرّسَ في الجامعة. وأريدُ أنْ أُساهمَ في نشرِ الثقافةِ والقيمِ الحسنةِ في مجتمعِنا. وأريدُ بيتاً يكونُ ملاذاً آمناً لزوجي، ومليئاً بالدفءِ والمحبة. هلْ هذهِ الأحلامُ كبيرةٌ جداً؟"

نظرَ إليها "أحمد" بعينينِ مليئتينِ بالتقدير. "ليستْ كبيرةً أبداً، بلْ هيَ أحلامٌ نبيلةٌ جداً. وأنا أرى أنَّكِ قادرةٌ على تحقيقِ كلِّ ذلكَ وأكثر. وبالنسبةِ لي، أحلمُ بأنْ أكونَ سبباً في سعادتِكِ. وأنْ نبنيَ أسرةً صالحةً، تُنشئُ جيلاً يعتزُّ بدينِهِ وتاريخِهِ. وأنْ نُساهمَ في بناءِ مجتمعٍ أفضل. وأنْ نبدأَ بتأسيسِ مكتبةٍ كبيرةٍ تضمُّ أحدثَ الكتبِ وأندرَ المخطوطات، لتكونَ مركزاً للمعرفةِ والثقافة."

ابتسمتْ "ليلى" ابتسامةً صافية. "هذا حلمٌ رائعٌ، "أحمد". يبدو أنَّ أحلامَنا متقاربةٌ جداً."

"إنَّها متقاربةٌ لأنَّنا متقاربانِ في الأهدافِ والقيم." قالَ "أحمد"، وهوَ يمدُّ يدَهُ ليمسكَ بيدِها فوقَ الطاولة. لمْ يكنْ في هذا اللمسِ أيُّ تجاوزٍ، بلْ كانَ مجردَ تواصلٍ بينَ خطيبينِ يُعبّرانِ عنْ مشاعرِهما بصدق. شعرتْ "ليلى" بدفءٍ لطيفٍ ينتقلُ عبرَ يدِهِ، دفءٍ لمْ تشعرْ بهِ منْ قبل.

"أعلمُ أنَّ المسافةَ بينَنا قدْ تكونُ عائقاً في البداية،" تابعَ "أحمد"، مشيراً إلى موقعِ بيتِ "ليلى" البعيدِ نسبياً عنْ بيتِهِ. "لكنَّني على استعدادٍ للسفرِ كثيراً لزيارتِكِ، وللتحدثِ معَكِ. والهدفُ هوَ التقريبُ بينَ عائلتينا."

"وهذا ما أسعى إليهِ أيضاً." قالتْ "ليلى"، وهيَ تشعرُ بأنَّها بدأتْ تفهمُ "أحمد" بعمقٍ أكبر. لمْ يكنْ مجردَ شابٍ مثقفٍ، بلْ كانَ رجلاً يحملُ رؤيةً واضحةً للحياة، ورغبةً صادقةً في بناءِ مستقبلٍ مشرقٍ معَ منْ اختارَها.

"وهلْ لديكِ أيُّ مخاوفَ أخرى؟" سألَ "أحمد" بجدية. "أيُّ أسئلةٍ تدورُ في ذهنِكِ؟"

ترددتْ "ليلى" قليلاً. كانتْ هناكَ أسئلةٌ لمْ تكنْ تجرؤُ على طرحِها. أسئلةٌ تتعلقُ بعلاقتِهِ معَ نساءِ أخرياتٍ قبلَها. أو عنْ أسلوبِ حياتِهِ في العملِ. لكنَّها تذكرتْ قولَ والدتِها: "الزواجُ هوَ الورشةُ التي نصنعُ فيها هذا الحبَّ." وكانَ عليها أنْ تبدأَ بصنعِ هذا الحبِّ بالصدقِ والوضوح.

"أعلمُ أنَّكِ ترددتِ." قالَ "أحمد"، وكأنَّهُ يقرأُ أفكارَها. "لا تخجلي أبداً يا "ليلى". كلُّ الأسئلةِ مشروعةٌ بينَ الخطيبين. ما هيَ الأشياءُ التي تشغلُ بالَكِ؟"

"فقطْ... هلْ هناكَ أيُّ شيءٍ لا أُخبرُكِ بهِ؟ هلْ هناكَ جوانبُ منْ حياتِكِ لمْ تُشاركْها معي بعد؟" سألتْ "ليلى" بصوتٍ هادئ.

ابتسمَ "أحمد" بتفهم. "هذا سؤالٌ جيدٌ جداً. وأنا أحترمُ سؤالَكِ هذا. بصراحة، لمْ أكنْ في علاقاتٍ جديةٍ معَ أيِّ فتاةٍ قبلَكِ. رأيتُ أنَّ الارتباطَ الجادَّ يحتاجُ إلى نضجٍ واستقرار، ولمْ أشعرْ بالاستعدادِ لذلكَ إلا مؤخراً. تركيزي كانَ دائماً على دراستي وعملي. وما رأيتهُ فيكِ، "ليلى"، جعلني أشعرُ بأنَّكِ الشخصُ المناسبُ لبناءِ حياةٍ معها. لمْ أشعرْ بهذا منْ قبل."

ارتسمتْ ابتسامةٌ واسعةٌ على وجهِ "ليلى". لقدْ وجدتْ في كلامِ "أحمد" صدقاً وعمقاً. كانتْ هذهِ الحقيقةُ أفضَلَ بكثيرٍ منْ أيِّ قصصٍ خياليةٍ قدْ تسمعُها عنْ علاقاتٍ سابقة.

"وشيءٌ آخر." قالتْ "ليلى" بحذر. "أتمنى

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%