روحي تعشقك 171
وهمُ الكمالِ وسقوطُ القناع
بقلم ليلى الأحمد
كانَ يومًا مُثقلًا بالترقبِ والانتظار. تعيشُ "ليلى" في حالةٍ منَ الشللِ العاطفي، تنتظرُ كلمةَ الفصلِ منْ والدها. كلُّ محاولةٍ للتواصلِ معَ "أحمد" كانتْ تُقابلُ ببرودٍ غامض، وبرسائلَ مختصرةٍ تُزيدُ منْ قلقها. كانَ أحمدُ بدورهِ يُعاني، فوالدهُ "الحاج عبد الرحمن" قدْ بدأَ يُبدي علاماتِ الاستياءِ الشديدِ منْ فكرةِ ارتباطِ ابنهِ بـ "ليلى".
"يا أحمد، هلْ أنتَ متأكدٌ منْ هذا القرار؟" سألَ الحاج عبد الرحمن، وهوَ يُشعلُ سيجارةً، مُدخّنًا يتصاعدُ في هواءِ المكتبِ الفاخر. "فتاةٌ منْ بيتٍ مرموقٍ، منْ طبقةٍ تختلفُ تمامًا عنْ طبقتنا. نحنُ قدْ بنينا سمعتنا بأيدينا، ولمْ نرثْ شيئًا. كيفَ سنُقابلُ الناسَ إنْ تزوجتَ منْ فتاةٍ لا تُناسبنا؟"
كانَ الحاج عبد الرحمن رجلًا يرى الحياةَ بمنظارٍ ماديٍّ بحت. كانَ يُؤمنُ بأنَّ النجاحَ يُقاسُ بالمالِ والمكانةِ الاجتماعية، وأنَّ الحبَّ مجردَ رفاهيةٍ لا تُناسبُ رجلًا طموحًا مثله. كانَ يُحبُّ ابنهُ، لكنهُ كانَ يرى فيهِ امتدادًا لمشروعهِ في الحياة، ولا يُريدُ أنْ يُعكّرَ صفوَ هذا الامتدادِ أيُّ عاملٍ خارجي.
"يا أبي، ليلى ليستْ مجردَ فتاةٍ منْ بيتٍ مرموق، بلْ هيَ روحٌ طيبةٌ، وقلبٌ نقيٌّ. أنا أحببتها، وأرى فيها شريكةَ حياتي. هلْ يُمكنُ أنْ تُعطيني فرصةً لأُقنعكَ؟" قالَ أحمدُ، مُحاولًا أنْ يُحافظَ على هدوئه.
"فرصة؟ ما هيَ الفرصةُ التي تتحدثُ عنها؟ هلْ ستُقنعني بأنَّ المالَ لا يُهم؟ هلْ ستُقنعني بأنَّ نظراتِ الناسِ لا تُؤثر؟ لقدْ عشتُ حياةً طويلةً يا أحمد، وأعرفُ كيفَ تسيرُ الأمورُ في هذا المجتمع."
كانَ الحاج عبد الرحمن يُدركُ تمامًا قيمةَ ما يمتلكهُ. كانَ يرى أنَّ عائلةَ ليلى، "الحاج إبراهيم"، تمتلكُ نفوذًا واسعًا، وثروةً طائلة. كانَ يُريدُ أنْ يستغلَّ هذهِ العلاقةَ لمصلحةِ عملهِ، لكنهُ لمْ يكنْ يُريدُ أنْ يمنحَ ابنهُ فرصةً للارتباطِ الفعلي. كانَ يُريدُ أنْ يُبقيَ الأمورَ في إطارِ "الاحترامِ الظاهري".
في هذهِ الأثناء، كانتْ "أمينة"، والدةُ ليلى، تُحاولُ جاهدةً أنْ تُحدثَ زوجها. لكنَّ الحاج إبراهيم كانَ مُصرًا على موقفه.
"يا إبراهيم، أنا أرى في أحمدَ شابًا صالحًا. لمْ أسمعْ عنه سوءًا. ليلى تُحبهُ، وأنا أرى السعادةَ في عينيها عندما تتحدثُ عنه." قالتْ أمينةُ.
"أمنية، أنتِ دائمًا ما تُفكرينَ بالعواطف. هلْ نسيتِ ما قلتهُ لكِ منْ قبل؟ نحنُ لسنا منْ نفسِ المستوى. هذهِ الفتاةُ ستُفسدُ سمعةَ عائلتنا. ولنْ تستطيعَ زوجةُ أحمدَ أنْ تتأقلمَ معَ حياتنا." قالَ الحاج إبراهيم، مُتحدثًا بنبرةٍ فيها شيءٌ منْ الاستعلاء.
كانَ الحاج إبراهيم يُؤمنُ بوهمِ الكمال. كانَ يرى أنَّ عائلتهُ هيَ القمة، وأنَّ أيَّ ارتباطٍ خارجَ دائرتهم سيُلوثُ هذا الكمال. لمْ يكنْ يُدركُ أنَّ الكمالَ الحقيقيَّ يكمنُ في تقبلِ الآخر، وفي البحثِ عنِ السعادةِ الحقيقيةِ بعيدًا عنْ مظاهرِ الدنيا.
في هذهِ الظروف، بدأتْ "ليلى" تشعرُ بأنَّ الأمورَ تزدادُ سوءًا. كانتْ تتلقى رسائلَ متفرقةً منْ أحمد، لكنها لمْ تعدْ تحملُ نفسَ الشغفِ والصدق. كانتْ تشعرُ بأنَّ هناكَ شيئًا ما يُخفيهِ أحمد، شيئًا يمنعهُ منْ أنْ يكونَ صريحًا معها.
"أحمد، هلْ أنتَ بخير؟ لماذا أصبحتْ رسائلكَ باردةً هكذا؟" سألتْ ليلى في إحدى رسائلها.
جاءَ الردُّ بعدَ وقتٍ طويل: "أنا بخير يا ليلى. الظروفُ صعبةٌ بعضُ الشيء. سأتحدثُ معكِ قريبًا."
كانتْ هذهِ الإجابةُ تزيدُ منْ قلقها. شعرتْ بأنَّ هناكَ جدارًا قدْ بدأَ يُبنى بينهما، جدارٌ منْ الصمتِ والشك.
في هذهِ الأثناء، كانَ الحاج عبد الرحمن يُرتبُ لقاءً معَ الحاج إبراهيم. لمْ يكنْ الهدفُ منْ هذا اللقاءِ هوَ تسهيلُ ارتباطِ أحمدَ بليلى، بلْ كانَ الهدفُ هوَ إحكامُ السيطرةِ على الوضعِ، والتأكدُ منْ أنَّ عائلةَ الحاج إبراهيم لنْ تُشكلَ خطرًا على مصالحِ عائلته.
"سيدي الحاج إبراهيم، أنا أُقدرُ كثيرًا مكانتكم العالية، واحترامكم للتقاليد." قالَ الحاج عبد الرحمن، وهوَ يُصافحُ الحاج إبراهيم. "لدينا قصةٌ مشتركةٌ، قصةُ شبابٍ يُحبُّون بعضهم البعض. لكنْ، هلْ يُمكنُ أنْ نُقدمَ لهمْ بعضَ النصائحِ الهامة؟"
كانَ الحاج إبراهيم يُدركُ أنَّ هذهِ "النصائح" لنْ تكونَ سوى محاولةٍ لفرضِ رأيهم. لكنهُ كانَ مُضطرًا للمشاركةِ في هذا اللقاء، خوفًا منْ أنْ يُقالَ إنهُ لمْ يُبذلْ أيُّ جهد.
"نحنُ نُحبُّ ابنتنا كثيرًا، ونُريدُ لها السعادة." قالَ الحاج إبراهيم. "لكننا أيضًا نُدركُ أنَّ الزواجَ هوَ بناءُ أسرةٍ، وأنَّ اختيارَ الشريكِ يجبُ أنْ يكونَ بعنايةٍ فائقة."
"بالتأكيد. وأنا بدوري أُحبُّ ابني أحمدَ، وأُريدُ لهُ مستقبلًا مُشرقًا. ولذلك، أعتقدُ أنَّه يجبُ أنْ نتفقَ على بعضِ الأمورِ التي تُحافظُ على كرامةِ عائلتكم، وكرامةِ عائلتنا." قالَ الحاج عبد الرحمن، مُركزًا على كلمةِ "كرامة".
كانَ يقصدُ بـ "الكرامة" هوَ أنْ لا يُنظرَ إلى عائلتهِ على أنها أقلُّ شأنًا منْ عائلةِ الحاج إبراهيم. وأنْ يظلَّ الوضعُ على ما هوَ عليهِ، دونَ أيِّ تغييرٍ جذري.
في هذهِ الأثناء، كانتْ "ليلى" قدْ تلقتْ مكالمةً منْ "سارة"، صديقتها المقربة. كانتْ سارةُ تبدو قلقةً جدًا.
"ليلى، سمعتُ شيئًا يُقلقني. أظنُّ أنَّ أحمدَ يتعرضُ لضغطٍ كبيرٍ منْ والده. سمعتُ أنَّ والدهُ لا يُريدُ هذهِ العلاقةَ أبدًا، وأنهُ يُحاولُ أنْ يُقنعَ أحمدَ بالابتعادِ عنكِ."
كانتْ هذهِ الكلماتُ بمثابةِ ضربةٍ قاضيةٍ لليلى. شعرتْ بأنَّ كلَّ ما كانتْ تحلمُ بهِ ينهارُ أمامَ عينيه.
"لا يا سارة، هذا غيرُ مُمكن. أحمدُ يُحبني، ولا يُمكنُ أنْ يتخلى عني." قالتْ ليلى، صوتها يرتعشُ منَ البكاء.
"أعلمُ أنَّ الأمرَ صعبٌ، لكنْ هذا ما سمعتُهُ. يجبُ أنْ تكوني مستعدةً لكلِّ الاحتمالات. يجبُ أنْ تتحدثي معَ أحمدِ بشكلٍ مباشرٍ وتُعرفي الحقيقة." نصحتْ سارةُ.
انتهتْ المكالمة، وتركتْ ليلى في حالةٍ منَ اليأسِ العميق. شعرتْ بأنَّها قدْ وقعتْ ضحيةً لوهمِ الكمالِ الذي يعيشهُ الآخرون. شعرتْ بأنَّ حبها، الذي كانَ نقياً وصادقًا، قدْ باتَ مُهددًا بـ "عاصفةِ الشك" التي أثارها والدا أحمد.
أخذتْ ليلى تُفكرُ في أحمد. هلْ حقًا بدأَ يتغير؟ هلْ بدأَ يتأثرُ بضغوطِ والده؟ شعرتْ بأنَّ قلبها ينقبضُ خوفًا. لمْ تكنْ تُدركُ أنَّ هذهِ اللحظاتُ الصعبةُ ستكونُ بدايةَ انكشافِ حقيقةٍ مُرّة، وأنَّ سقوطَ الأقنعةِ قدْ بدأَ بالفعل.