الفصل 7 / 25

روحي تعشقك 171

أسْرُ الهوى وفتنةُ النفس

بقلم ليلى الأحمد

جلست "نور" على أريكتها الوثيرة، ودموع حارة تتساقط على خديها كحبات المطر على أرض عطشى. كانت صورة "فارس" وهي تقلبها بين يديها، ابتسامته الصادقة، ونظرته التي كانت تذيب جليد وحدتها. قبل أيام قليلة، كانت حياتها تسير في خط مستقيم، خالية من المفاجآت، مؤطرة بمسؤولياتها تجاه أسرتها وعملها. لكن دخول "فارس" إلى عالمها قلب كل شيء رأسًا على عقب. لم يكن مجرد لقاء عابر، بل كان زلزالًا هز أركان روحها، أيقظ فيها مشاعر كانت كامنة، وخلط أوراق حياتها بشكل لم تتوقعه.

كانت تعرف أن هذا الشوق الجارف الذي يمتلكها ليس من شيم الفتاة المسلمة العفيفة. كانت تعلم أن قلبها قد تخطى الحدود، وأن هذا الإعجاب تحول إلى تعلق، ثم إلى ما هو أعمق، شيء يشبه الإدمان. إدمان على طيفه، على صوته، على أفكاره التي كانت تلامس أعماق روحها. كلما حاولت أن تمنع نفسها من التفكير فيه، كلما وجدته يسيطر على تفكيرها، ينسج خيوطه حول أحلامها ويترك بصماته على كل لحظة من لحظات يومها.

تذكرت حديثها الأخير مع والدتها، السيدة "فاطمة"، التي لاحظت عليها تغيرًا في سلوكها، شحوبًا في وجهها، وشرودًا دائمًا. "يا ابنتي، أرى في عينيكِ شيئًا غريبًا. هل هناك ما يزعجك؟" كانت قد أجابت بابتسامة زائفة: "لا يا أمي، كل شيء على ما يرام. ربما قلة نوم فقط." لكنها كانت تعلم أن الكذب على أمها كان أشد وقعًا عليها من أي ألم آخر. كانت تؤمن بقيمة الصدق والشفافية في العلاقات الأسرية، ولكن هذه المرة، كانت تخشى أن يبوح قلبها بما يخفيه، وأن تتفاجأ والدتها بهذا الانجراف العاطفي الذي لم تستطع هي نفسها السيطرة عليه.

في ذلك المساء، تلقت رسالة من "فارس". كانت مجرد رسالة عادية، يسأل فيها عن حالها، ويبدي اهتمامه بسماع أخبارها. لكن بالنسبة لـ"نور"، كانت هذه الرسالة بمثابة جرعة من الأكسجين لشخص يكاد يختنق. شعرت بقلبها يخفق بسرعة، وبريق أمل يضيء سماء يأسها. ردت عليه بسرعة، وكلماتها تنساب دون تفكير، وكأنها تستعيد لغة كانت قد نسيتها. تحدثا طويلاً، ثم فجأة، شعرت "نور" بشيء من الخجل يتملكها. توقفت عن الرد، مترددة.

"فارس،" همست لنفسها، "لماذا أتعلق بك هكذا؟ أنت رجل طيب، ونقي، وأخشى أن أجلب لكِ المشاكل. أخشى أن أكون عبئًا عليك." كانت ترى في "فارس" نموذجًا للشاب المسلم الذي تتمناه كل فتاة، ملتزم، خلوق، وعطوف. لكنها كانت تحمل سرًا، سرًا ثقيلاً أثقل كاهلها وجعلها تشعر بعدم الاستحقاق. كان هذا السر يتعلق بماضيها، بماضي لم تكن تود تذكره، ولكنه كان يطل عليها في أحلامها كشبح يطاردها.

تذكرت كيف تعرفت على "فارس" في دار الأيتام، حيث كانت تعمل متطوعة. كان يزور الدار بانتظام، يحمل معه الهدايا، ويقضي وقتًا مع الأطفال، يقرأ لهم القصص، ويلعب معهم. كانت تلاحظ عليه لطفه، صبره، وحبه لهذه الفئة الغالية من المجتمع. لكن في أحد الأيام، عندما كان يتحدث معها عن أحلامه في تأسيس مشروع يخدم الأيتام، انتابها خوف شديد. خوف من أن يعرف حقيقتها، وأن يكتشف كم هي بعيدة عن صورة الفتاة المثالية التي ربما يتخيلها.

كانت "نور" قد مرت بتجربة قاسية في شبابها، تجربة علمتها معنى الندم، وجعلتها تخاف من الانجراف وراء عواطفها. كانت تلك الأيام قد ولت، ولكن آثارها ظلت محفورة في روحها. لقد تابت إلى الله، وعاهدت نفسها أن تعيش حياتها في رضاه، وأن تسعى دائمًا لمرضاته. ولكن لقاء "فارس" أشعل فيها رغبة لم تكن تتوقعها، رغبة في أن تكون محبوبة، مرغوبة، وأن تعيش قصة حب تليق بالقيم التي تؤمن بها.

في تلك اللحظة، شعرت "نور" أنها تقف على مفترق طرق. أمامها طريقان: طريق العقل والمنطق، الذي يحثها على الابتعاد عن "فارس" خوفًا من تعقيد الأمور، والحفاظ على نقاء علاقتها به. وطريق القلب، الذي يدفعها للانجراف وراء هذا الشعور الجارف، متمنية أن يتقبلها "فارس" على ما هي عليه، بكل ماضيها وحاضرها.

أغمضت عينيها، وحاولت أن تستجمع قواها. تذكرت الآية الكريمة: "وللآخرة خير لك من الأولى". كانت هذه الآية ملاذها في أوقات الشدة، تذكرها بأن الحياة الدنيا مجرد اختبار، وأن ما عند الله خير وأبقى. ولكن كيف يمكنها أن تبتعد عن "فارس" وهو يمثل لها كل ما تتمناه في هذه الدنيا؟ كيف يمكنها أن تكبت شوق قلبها الذي يناديه؟

لقد أصبحت أسيرة لهذا الهوى، وجعلها هذا الانجراف العاطفي تائهة في دروب مشاعرها. كانت تعلم أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر. كان عليها أن تتخذ قرارًا، قرارًا قد يغير مجرى حياتها، قرارًا سيكون له تبعات وخيمة، سواء اختارت الطريق الذي يريده قلبها، أو الطريق الذي يريده عقلها.

في زاوية الغرفة، كانت صورة "فارس" المطبوعة على غلاف هاتفها تبتسم لها. ابتسامة كانت تارة تبعث فيها الأمل، وتارة أخرى تزيدها حيرة. كان ذلك اليوم قد شهد صراعًا داخليًا عنيفًا، صراعًا بين الشوق العذري والندم القديم، بين رغبة القلب وقسوة العقل. كانت "نور" تدرك أنها تقف على حافة الهاوية، وأن الخطأ في خطوة واحدة قد ينهي كل شيء.

ماذا ستختار "نور"؟ هل ستستسلم لشوقها الجارف، أم ستقاوم فتنة النفس التي تغلغلت فيها؟ هل ستغامر بكل شيء من أجل حب قد يكون مجرد وهم؟ أم ستفضل العيش في أمان، ولكن مع قلب مثقل بالأسى؟ الإجابة لم تكن واضحة، وكانت الضبابية تلف مستقبلها، وتتركها في حالة من الترقب المؤلم.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%