الفصل 1 / 25

روحي تعشقك 172

صدى الروح في صحراء الوجد

بقلم ليلى الأحمد

كانت الشمس قد ألقت بآخر خيوطها الذهبية على كثبان الرمال المتلألئة، وقد انعكس وهجها على وجه "ليلى"، وقد صبغت حمرة الشمس جبينها المتألق. كانت تقف شامخة كواحة نادرة وسط صحراء شاسعة، لا يكسر صمت المكان سوى حفيف الرياح وهي تداعب خصلات شعرها الداكنة التي أفلتت من حجابها. كانت عينان واسعتان، بلون العسل الصافي، تشعان بذكاء وفطنة، لكنهما الآن تغمران ببحر من الأسى والحيرة. في يدها اليمنى، كانت تعتصر رسالة بالية، حروفها تكاد تتلاشى بفعل الزمن، لكن وقعها في قلبها كان لا يزال كصوت جلجل يدوي في فؤاد متيم.

"لم أعد أحتمل هذا البعد يا ليلى..."

كانت الكلمات تتراقص أمام عينيها، حروف سوداء على ورقة صفراء، تحمل بين طياتها اعترافاً مؤلماً. كان هو، "عمر"، الرجل الذي وهبت له روحها قبل أن تهبه قلباً. كان ذلك قبل سنوات، قبل أن تفرق الأقدار بينهما، قبل أن يبتلعه غبار السفر وعزلة الغربة. كانت تعتقد أن الحب، ذاك الحب النقي الذي نشأ في أحضان الأهل، وترعرع على القيم والمبادئ، قادر على اجتياز أعتى العقبات. لكن الأيام أثبتت لها أن المسافات قد تكون أشد قسوة من أي سيف.

تنهدت تنهيدة عميقة، كأنها تفرغ رئتيها من كل ما علق بها من أحزان. نظرت إلى السماء، وقد بدأت النجوم تتلألأ كدموع فضية انهمرت على عباءة الليل المخملية. تذكرت لقاءاتهما الأولى، تلك النظرات البريئة التي تبادلاها في ساحة المسجد الكبير، حين كانت رائحة البخور تفوح في الأجواء، وصوت الأذان يعلو بالخشوع. كانت أياماً سكن فيها الهدوء روحهما، وامتلأت قلوبهما بالحب الصادق، الحب الذي يبنيه الاحترام والتقدير، الحب الذي ينمو في ظل الدين والحياء.

قال لها مرة، وعيناه تلمعان بريقاً صادقاً: "ليلى، أنتِ الحلم الذي كنت أبحث عنه دائماً. أنتِ النور الذي سيضيء دربي. أعدكِ، أن أجعل حياتكِ جنة ما دامت روحي في جسدي."

كانت كلماته بلسمًا لروحها، وعقدًا من الياسمين تعلقت به. وعدها بالزواج، بالارتباط الشرعي الذي يرضي الله ورسوله. كانت تخطط لمستقبلهما، تتخيل عش الزوجية الذي سيبنيانه معًا، مليئًا بالتقوى والمودة. لكن الحياة، تلك اللعبة الماكرة، ألقت بظلالها على أحلامهما. اضطر عمر للسفر، ليبحث عن رزق يكفل لهما حياة كريمة، ولإتمام دراساته العليا. كانت وعدته بالصبر، ووعدها بالعودة.

مرت الشهور، ثم السنوات. كانت الرسائل تصلهما، ورسائله كانت بمثابة أكسجين تتنفسه روحها. يصف فيها غربته، وشوقه، وحبه الذي لا يتغير. كانت تقرأ كلماته، وترى فيها صورة عمر الشاب، ذلك الشاب الوسيم، ذو القلب الطيب، الذي كان يرافقها في أحلامها. لكن الرسائل أصبحت متباعدة، ثم انقطعت. صمتٌ ثقيلٌ غلف علاقتهما، صمتٌ زرع بذور الشك والقلق في قلبها.

اليوم، وصلت هذه الرسالة. ليست من عمر، بل من صديق مشترك، يحمل خبرًا صاعقًا. خبرٌ كصفعة على وجه يقظ. عمر... تزوج. تزوج من أخرى، في بلاد الغربة.

شعرت ليلى ببرودة تسري في عروقها، كأن صقيع الشتاء قد تسلل إلى روحها. كأن كل ما بنته من أحلام تبخر في لحظة. لم تكن تتوقع هذا أبدًا. لم تكن تتخيل أن الرجل الذي طالما رسمته في مخيلتها كرمز للوفاء، يمكن أن يخونها بهذه الطريقة.

"لماذا يا عمر؟" تساءلت بصوت مبحوح، والدموع بدأت تنساب على خديها كالخرز المتناثر. "لماذا لم تقل لي؟ لماذا تركتني أغرق في وهم حبك؟"

لم تكن تعرف ماذا تفعل. كانت تشعر بالضياع، كمن يجد نفسه في صحراء لا نهاية لها، ولا يدري أي طريق يسلك. والدها، "الشيخ أحمد"، الرجل الصالح، كان دائمًا يشدد على أهمية الصبر، وعلى أن الله مع الصابرين. لكن كيف تصبر على خيانة أعمق جرح يمكن أن يطعن به قلب إنسان؟

رفعت يدها المرتعشة نحو السماء، وعينان مبللتان بالدموع. "يا رب، أنت تعلم صدق نيتي، وتعلم مقدار حبي. أنت تعلم كيف مزقت روحي هذه الخيانة. فدُلني على الطريق."

في تلك اللحظة، سمعت صوت خطوات تقترب. التفتت بسرعة، فإذا بـ "مريم"، صديقتها المقربة، وابنة عمها، تقف خلفها، وقد ارتسم على وجهها القلق.

"ليلى! ما بكِ؟" سألت مريم، وقد رأت الدموع تنهمر من عينيها. "ماذا حدث؟"

لم تستطع ليلى أن تتكلم. سلمتها الرسالة، وارتعشت يدها وهي تسلمها. قرأت مريم الكلمات، واتسعت عيناها بصدمة. وضعت يدها على فمها، وكأنها تكتم صرخة.

"لا... لا يمكن أن يكون هذا صحيحًا!" تمتمت مريم. "عمر؟ خيانة؟ هذا مستحيل!"

احتضنت ليلى بقوة. "اصبري يا ليلى، اصبري. الله سيفتح لكِ بابًا."

لكن ليلى كانت تشعر أن أبواب كل شيء قد أُغلقت في وجهها. نظرت إلى الصحراء الممتدة أمامها، تشعر أنها جزء منها، صحراء قاحلة، لا حياة فيها، سوى صدى روح مكسورة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%