روحي تعشقك 172
رحلةٌ محفوفةٌ بالمخاطرِ وشكوكٌ متزايدة
بقلم ليلى الأحمد
بعدَ لقاءِ نورٍ بابنِ النديم، قررتْ الفتاتانِ أنْ تتحركا بسرعة. لم يكنْ لديهما وقتٌ كثيرٌ قبلَ موعدِ زواجِ سعاد، وكانَ عليهما إثباتُ قيمتِهما لعائلتِها بأسرعِ وقتٍ ممكن. قررتْ نورٌ أنْ تبيعَ بعضَ مجوهراتِ والدتِها القديمةِ التي لا تستخدمُها، بينما جمعتْ سعادُ ما ادخرتْهُ من مبلغٍ بسيطٍ كانتْ تتلقاهُ من والدِها.
"لا تقلقي يا نور، سأحاولُ بيعَ بعضَ صُنوفِ العطورِ والبخورِ التي أتقنُ تحضيرَها. ربما أجدُ مشترينَ بينَ طالباتِ بيتِ الحكمةِ أو بعضِ سيداتِ المجتمعِ الراقيات." قالتْ سعادُ متفائلةً، وإنْ كانتْ آثارُ القلقِ لم تفارقْ وجهَها.
"هذا رائعٌ يا سعاد. سأحاولُ كذلكَ أنْ أتحدثَ معَ السيدةِ عائشة. قدْ تكونُ لديها بعضُ الأفكارِ حولَ كيفيةِ جمعِ المال، أو ربما تعرفُ شخصًا يمكنُ أنْ يدعمَ دراستَنا."
كانتْ خطةَ بيعِ المجوهراتِ أصعبَ مما توقعتْ نور. والدتُها، السيدةُ زينب، كانتْ مترددةً في البداية، ولكنَّ إلحاحَ نورٍ وشرحَها الطويلَ لضرورةِ الأمرِ، أقنعاها أخيرًا. "يا ابنتي، هذهِ المجوهراتُ تحملُ ذكرياتٍ عزيزة. ولكنَّني أرى شغفَكِ وحبَّكِ للعلم. سأوافقُ، ولكنْ بشرطٍ واحد. أنْ تكوني حذرةً جدًا، وأنْ لا تنفقي المالَ إلا على ما هوَ ضروريٌ للعلم."
"شكرًا لكِ يا أمي. لنْ أخيبَ ظنَّكِ." وعدتْ نورٌ والدتَها بحرارة.
بعدَ أيامٍ قليلة، اجتمعتْ الفتاتانِ معَ ابنِ النديمِ مرةً أخرى، وقدْ جمعتا مبلغًا لا بأسَ به. كانَ ابنُ النديمِ ينتظرُهما بابتسامةٍ هادئة. "هل أنتُنَّ مستعدات؟ لديَّ ترتيباتٌ معَ بعضِ البدوِ الخبراءِ بالصحراء. سيقومونَ بالرحلةِ لجلبِ عيناتٍ من نباتِ البنفسجِ الذهبي."
"ولكنَّ الرحلةَ خطيرة. أليستْ كذلك؟" سألتْ سعادُ بخوف.
"الصحراءُ تحملُ دائمًا مخاطرَها، ولكنَّ هؤلاءِ الرجالَ يعرفونَ دروبَها جيدًا. المهمُ هوَ إعطاؤهمْ التعليماتِ الواضحة. هل لديكنَّ وصفٌ دقيقٌ للمكانِ الذي تنمو فيهِ هذهِ الأعشاب؟"
"نعم، لقدْ بحثنا في العديدِ من الكتبِ، وأضفنا المعلوماتِ التي قدمتها لنا. لدينا وصفٌ تقريبيٌ للمنطقةِ الصحراويةِ التي تقعُ غربَ المدينةِ بمسافةِ يومينِ سيرًا على الأقدام." قالتْ نورٌ وهيَ تقدمُ لابنِ النديمِ ورقةً مكتوبةً بخطِ يدِها.
تفحصَ ابنُ النديمِ الورقةَ بعناية. "جيدٌ جدًا. سأعطي هذهِ التعليماتِ للرجال. وسأطلبُ منهمْ أنْ يحضروا العيناتِ بحذرٍ شديد. وأنْ يتجنبوا التعرضَ للشمسِ في أشدِ أوقاتِ الحرارة."
"ولكمْ من الوقتِ نحتاجُ لانتظارِهم؟" سألتْ سعاد.
"يومينِ للذهاب، ويومينِ للعودة، بالإضافةِ إلى وقتِ البحثِ وجمعِ العينات. تقريبًا أسبوعٌ كامل. خلالَ هذا الأسبوع، أقترحُ عليكنَّ البدءَ في تحضيرِ المكانِ المناسبِ لدراسةِ العيناتِ عندَ وصولِها. ربما في إحدى الغرفِ المهجورةِ في بيتِ الحكمة، لضمانِ السرية."
"فكرةٌ رائعة. سأتحدثُ معَ السيدةِ عائشة. قدْ تسمحُ لنا باستخدامِ إحدى غرفِها القديمة." قالتْ نورٌ.
في هذهِ الأثناء، كانتْ الأمورُ تسيرُ في اتجاهٍ مختلفٍ تمامًا. كانَ الوليدُ يراقبُ سعادَ من بعيد، ويلاحظُ قلقَها المتزايدَ وترددَها. شعرَ بأنَّ هناكَ شيئًا ما يخفى عليها، وأنَّها ليستْ مقتنعةً تمامًا بفكرةِ الزواج.
"لماذا لا تزالينَ حزينةً يا سعاد؟" سألَها الوليدُ ذاتَ مساءٍ وهيَ تمرُّ بجانبِهِ في ساحةِ بيتِ الحكمة.
"لا شيءَ يا وليد. أنا فقط... متعبةٌ قليلاً." أجابتْ ببرود.
"متعبةٌ؟ أمْ أنَّ هناكَ شيئًا آخر؟ هل ما زلتِ تفكرينَ في تلكَ الكتبِ الفارغة؟" قالَ بلهجةٍ تحملُ استخفافًا.
"إنها ليستْ كتبًا فارغة، يا وليد. إنها كتبُ علمٍ ومعرفة." ردتْ سعادُ بشيءٍ من الغضب.
"علمٌ ومعرفةٌ لا تنفعُكِ في بيتكِ. دورُ المرأةِ هوَ أنْ تكونَ زوجةً صالحة، وأمًا مربية. وليسَ أنْ تتظاهرَ بأنها طبيبةٌ أو عالمة. هذا ما يعتقدهُ والدي، وهذا ما أؤمنُ بهِ أنا أيضًا. وإذا لمْ تفهمي ذلكَ، فسوفَ أضطرُ إلى فرضِ رأيي عليكِ."
ارتعشَ جسدُ سعادٍ من كلماته. كانتْ تدركُ أنَّ الوليدَ رجلٌ قاسٍ، وأنَّهُ لا يتقبلُ الرفض. ازدادتْ شكوكُها حولَ قدرتها على التغلبِ على هذا الزواج.
في مكانٍ آخر، كانَ والدُ سعادٍ يتحدثُ معَ ابنِ عمِ الوليد، السيدِ عمر. "السيدُ عمر، هل أنتَ متأكدٌ أنَّ ابنَ أخيكَ الوليدَ شخصٌ مناسبٌ لسعاد؟ سمعتُ أنهُ لا يقدرُ العلمَ، وأخشى أنْ يعاملَها بقسوةٍ إذا لمْ تخضعْ لرغباتِهِ."
"لا تقلقْ يا صديقي. الوليدُ شابٌ طموح، ولكنهُ يتعلمُ بسرعة. ربما سعادُ يمكنُ أنْ تكونَ لهُ نِعمَ الزوجةِ والمرأةِ التي توجهُهُ نحو الأفضل. أليسَ لديهِما نفسُ الاهتماماتِ تقريبًا؟" قالَ السيدُ عمر، محاولاً طمأنةَ والدِ سعاد.
"اهتماماتُهما مختلفةٌ تمامًا. هوَ مهتمٌ بالدنيا ومناصبِها، وهيَ مهتمةٌ بالعلمِ والطب. أخشى أنْ يكونَ هذا الزواجُ سببَ شقائِها."
"الوقتُ سيُثبتُ ذلك. ولكنَّ سمعةَ العائلتينِ مهمةٌ جدًا. ولا ننسى أنَّ زواجَكما سيقوي الروابطَ بينَنا."
كانتْ هذهِ المحادثاتُ تعكسُ صراعًا خفيًا بينَ التقاليدِ وبينَ شغفِ نورٍ وسعاد. رحلةُ جمعِ العيناتِ كانتْ محفوفةً بالمخاطر، والشكوكُ كانتْ تتزايدُ في قلبِ سعاد. هل سينجحنَ في تحقيقِ خطتهنَّ؟ أمْ أنَّ ماضيهنَّ ومستقبلَ عائلاتِهنَّ سيقيدانِ حركتَهنَّ؟