الفصل 17 / 25

روحي تعشقك 172

همسات القدر وخيوط الشك

بقلم ليلى الأحمد

في ذلك المساء، حيث تراقصت الظلال على جدران قصرهم العتيق، امتلأت الصالة برائحة الهيل والياسمين، لكنها لم تكن كافية لتبديد الثقل الذي اعتلى صدر نور. جلست قرب النافذة المطلة على حديقة تغمرها أنوار القمر، تداعب يداها رقعة قماش تطرزها بمهارة، لكن عينيها لم تكن تركز على الغرز الدقيقة، بل كانت سارحة في متاهة الأفكار. كان حديث والدها، الحاج عبد الرحمن، عن صفقة تجارية ضخمة مع أحد رجال الأعمال في الخليج، يتردد في أذنها كصدى مبهم. لم يكن الأمر يتعلق بالصفقة بحد ذاتها، بل بالاسم الذي ذُكر على لسان والدها: "الشيخ خالد بن وليد".

هذا الاسم، الذي حمل معه بريقاً من الغموض والثراء، كان قد لامس روحها قبل أسابيع قليلة، في لقاء عابر لم تتوقع أن يترك مثل هذا الأثر. كانت تلك الساعات التي قضتها في زيارة لدار الأيتام، حيث تبرعت عائلتها ببناء جناح جديد. هناك، وبين الأطفال المبتسمين، التقته. كان متطوعاً أيضاً، يوزع الألعاب والحلويات، وكلماته كانت تحمل دفئاً غير متوقع. لم يتعرفا على بعضهما البعض في ذلك اليوم، فكل منهما كان غارقاً في عالمه. لكن صورته، وملامحه الهادئة، وصوته الرخيم، نقشوا في ذاكرتها نقشاً عميقاً.

الآن، يظهر هذا الاسم في سياق عملي، في حديث والدها عن مستقبل الشركة. هل هو نفس الشخص؟ هل يمكن أن تكون الأقدار تتشابك بهذه الطريقة؟ شعور بالدهشة والترقب تسلل إلى قلبها. كانت قد بنت في خيالها صورة لرجل نبيل، صاحب أيادٍ بيضاء. هل تتطابق هذه الصورة مع رجل الأعمال الذي يصفه والدها بأنه "ذكي، ولكنه حذر جداً، ويملك عيناً ثاقبة تعرف كيف ترى ما وراء الظاهر"؟

في تلك الأثناء، كان أحمد، خطيبها، يدخل الغرفة بخطوات خفيفة، يبدو عليه الارتياح بعد يوم عمل شاق. ابتسم عندما رآها، وأراد أن يكسر صمتها. "نور حبيبتي، ما بكِ؟ تبدين شاردة الذهن."

أدارت نور وجهها إليه، محاولةً رسم ابتسامة طفيفة. "لا شيء يا أحمد، مجرد أفكار متناثرة."

جلس بقربها، وأمسك بيدها التي كانت متوقفة عن التطريز. "دائماً ما تبدين مستغرقة في تفكيرك. هل هناك ما يزعجك؟"

ترددت نور قليلاً. كانت تريد أن تشاركه كل شيء، لكن هذا الأمر كان لا يزال في طور التكهنات، ولم تكن تريد أن تمنحه سبباً للقلق، خاصة مع اقتراب موعد زواجهما. "والدي كان يتحدث عن صفقة جديدة مع رجل أعمال خليجي. لم أكن مهتمة بالتفاصيل، لكن اسمه كان غريباً."

"ومن هو هذا الرجل؟" سأل أحمد باهتمام، متوقعاً أنها تشعر بالملل من أحاديث والدها التجارية.

"اسمه الشيخ خالد بن وليد." قالت نور، تراقب ردة فعله.

برقت في عين أحمد لحظة من الدهشة، سرعان ما حاول إخفاءها. "الشيخ خالد بن وليد؟ أعرفه بالاسم. رجل أعمال كبير، له سمعته في السوق. والدك محظوظ إن كانت الصفقة ستتم معه."

شعر نور ببرودة تسري في عروقها. كانت هناك نبرة مختلفة في صوته. لم يكن مجرد معرفة عابرة. "هل تعرفه شخصياً؟" سألت بحذر.

"بشكل غير مباشر. سمعت عنه الكثير. يقال إنه يعيش حياة خاصة جداً، لا يظهر كثيراً في المناسبات الاجتماعية." قال أحمد، وعيناه تتجولان في الغرفة.

شعرت نور بأن شيئاً ما ليس على ما يرام. كانت كلمات أحمد تحمل غموضاً لم تعتده منه. هل كان يتهرب من ذكر شيء؟ "لكنك قلت 'أعرفه بالاسم'، وهذا يوحي بشيء أكثر من مجرد السماع."

تنهد أحمد، وبدا عليه بعض الضيق. "نور، لماذا هذا الاستجواب؟ الأمر يتعلق بصفقة تجارية. دعنا نركز على أمورنا."

"ولكن يا أحمد، هذا الرجل يثير فضولي. خاصة أنني قد قابلته بالصدفة قبل فترة، ولم أكن أعرف هويته الحقيقية." قالت نور، وشعرت بضرورة كشف هذه المعلومة، حتى لو كانت غير كاملة.

احتدّت نظرة أحمد قليلاً. "قابلتِه؟ أين؟"

"في دار الأيتام، عندما كنا نتبرع. كان هناك متطوعاً. بدا رجلاً طيباً." قالت نور، وقلبها يدق بعنف.

صمت أحمد لبرهة، بدا فيها وكأنه يستجمع كلماته. "دار الأيتام؟ هذا غريب. سمعته تقول إنه نادراً ما يزور أماكن كهذه. ربما كنتِ مخطئة."

"كيف أكون مخطئة؟ رأيته بعيني." قالت نور، وقد بدأت تشعر بالإحباط. لماذا يتصرف أحمد بهذه الطريقة؟ وكأنما يريد إقناعها بأنها لم تقابل الشيخ خالد.

"حسناً، لعل الظروف كانت مختلفة في ذلك اليوم. الأهم الآن هو أن والدك يتعامل مع صفقة مهمة. لا تدعي هذه التفاصيل الصغيرة تشغلك." قال أحمد، محاولاً إنهاء الحديث.

شعرت نور أن الأمر ليس بسيطاً. كلمات أحمد، ونبرة صوته، وتجنبه لبعض التفاصيل، كل ذلك أشعل فتيل شك عميق في قلبها. هل كان أحمد يعرف الشيخ خالد أكثر مما يقول؟ وهل كان هناك سبب لخوفه أو تحفظه؟

في تلك الليلة، لم تنم نور كثيراً. كانت صورة الشيخ خالد، وملامح أحمد المتغيرة، تدوران في رأسها. شعرت بأنها تقف على حافة اكتشاف أمر كبير، أمر قد يغير مسار حياتها، ويكشف عن حقائق كانت مدفونة تحت طبقات من السنين. كانت هذه مجرد البداية. كانت تلك الليلة، حين بدأت خيوط الشك تنسج شبكتها المعقدة حول روحها، وتهمسات القدر تنذر بما هو قادم.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%