روحي تعشقك 172
ظلال الماضي في أزقة الحاضر
بقلم ليلى الأحمد
في تلك الليلة، لم تنم ليلى. كانت تستلقي على فراشها، وعيناها شاخصتان إلى السقف، وقلبها يعتصر ألمًا. كل ذرة فيها كانت تصرخ باسم عمر، تصرخ باسم حب كان يبدو لها كأنه سيظل خالدًا. الرسالة البالية، التي ما زالت في يدها، أصبحت رمزًا لحقيقة مرة. لقد انكسرت الوعود، وتناثرت الأحلام كرمال تذرّوها الرياح.
كانت تتذكر وجه عمر عندما كان يودعها عند بوابة منزلهم. كان يتكئ على عكاز، فقد تعرض لإصابة في حادث سير قبل أيام قليلة من سفره، لكنه أصر على رؤيتها. كانت عيناه مليئتين بالحب والأسى، وعانقها بقوة، وهمس في أذنها: "اعذريني يا ليلى، على هذا الفراق. لكن قلبي سيظل معكِ، يتبعكِ أينما ذهبتِ. وسأعود إليكِ، أقوى وأكثر رجولة، لأبني معكِ مستقبلنا."
كانت تلك الكلمات، التي سمعتها مرات عديدة، بمثابة زاد لروحها في غيابه. كانت تشعر بأنه يشاركها تفاصيل حياته، يصف لها صعوبات الغربة، وألم الوحدة، ورغبته العارمة في العودة. كانت تشاركه هي أيضًا، تفاصيل حياتها البسيطة، أخبار العائلة، وصفات أمها، وأحلامها الصغيرة. كانت مراسلاتهما أشبه بجسر يربط بين قلبين، جسر قوي متين، لا تهزه العواصف.
لكن هذا الجسر، قد انهار.
كان والدها، الشيخ أحمد، قد حاول أن يواسيها في صباح اليوم التالي. كان رجلًا وقورًا، تتجلى الحكمة في عينيه، والصبر في حديثه. دخل غرفتها، وقد لمحت عيناه الاحمرار حول عينيها.
"ما خطبك يا ابنتي؟" سألها بلطف، وجلس بجانبها. "أرى الحزن قد غطى وجهكِ."
حاولت ليلى أن تتماسك، لكن كلماتها تعثرت. "يا أبي... الخبر... الخبر الذي وصلني بالأمس..."
تنهد الشيخ أحمد. "علمت. لقد أخبرتني مريم. أمرٌ مؤلم، ولكنه قضاء الله وقدره. عليكِ أن تصبري."
"الصبر؟" رددت ليلى، وقد غلبها البكاء. "كيف أصبر على هذه الخيانة، يا أبي؟ كيف أصبر على رجل يطعن قلبي بهذه القسوة؟"
"يا ابنتي، الحياة ليست دائمًا كما نتمنى. قد تأتينا اختبارات، تمحيص. عمر، لم يكن ذاك الشاب الذي عرفناه. قد يكون تغير، قد يكون اضطر لشيء ما."
"لكن لماذا لم يخبرني؟ لماذا تركني أعيش في وهم؟"
"قد تكون له أسبابه. لا نستطيع الحكم على نوايا الناس. لكن ما علينا فعله الآن هو أن نتوكل على الله، وأن نستعين به. لا تدعي هذا الحزن يدمركِ."
استمعت ليلى لكلام والدها، لكن قلبها كان لا يزال مشتعلًا. كانت تعلم أن والدها يحاول مواساتها، لكن الأمل الذي استوطن قلبها لسنوات قد تبدد.
في عصر ذلك اليوم، قررت ليلى أن تذهب إلى بيت جدتها، "أم محمود". كانت جدتها امرأة حكيمة، ورغم تقدمها في السن، إلا أن عقلها كان لا يزال يقظًا. كانت جدتها دائمًا مصدر قوتها، وملجأها في أوقات الشدة.
كان بيت جدتها أشبه بقلعة قديمة، تحكي جدرانها قصص الأجداد. كانت تفوح منه رائحة البخور والياسمين، ورائحة خبز أم محمود الطازج. استقبلتها جدتها بابتسامة دافئة، لكنها سرعان ما لاحظت أثر الحزن على وجه ليلى.
"ماذا بكِ يا حبيبتي؟" سألت جدتها، وقد وضعت يدها على جبين ليلى. "هل أنتِ مريضة؟"
رويت ليلى لجدتها كل شيء، وكل كلمة كانت كطعنة جديدة في قلبها. استمعت جدتها بصبر، ولم تقاطعها. عندما انتهت ليلى، احتضنتها جدتها بحنان.
"يا ليلى، يا ابنتي، القلب قد يخذلنا أحيانًا. لكن الروح أبقى. عمر، إن كان قد خان الأمانة، فهو قد خان نفسه أولاً. لكن هذا لا يعني أن تنتهي الدنيا."
"لكن يا جدتي، كيف؟ كيف أبدأ من جديد؟ لقد وهبته كل شيء."
"وهبتيه الحب، وهذا شيء عظيم. لكن الحب ليس نهاية المطاف. الحب الحقيقي، هو أن تعرفي قيمة نفسكِ. عمر، لم يعرف كيف يحافظ على كنزه. لكن هناك رجال كثيرون في هذه الدنيا، رجال يقدرون المرأة، ويحترمونها، ويصونونها."
"هل تعتقدين يا جدتي...؟"
"أنا أرى فيكِ نورًا لا ينطفئ، يا ليلى. أرى فيكِ قوة كامنة. عمر، كان مجرد مرحلة، مرحلة مؤلمة، نعم، ولكنها ستمر. والحياة ستمنحكِ فرصة أخرى."
تحدثت جدتها عن قصص قديمة، عن نساء تعرضن لخيانة، ولكنهن استطعن النهوض من جديد، بل كن أقوى مما كن عليه. كانت كلماتها كبلسم شافٍ لروح جرحاها.
في طريق عودتها إلى منزلها، بدأت ليلى ترى الأشياء بمنظور مختلف. لم تعد الصحراء قاحلة، بل أصبحت رمزًا للبقاء والصمود. لم تعد النجوم مجرد دموع، بل أصبحت دليلًا في الظلام.
لكن، هل كان عمر حقًا قد خانها؟ أم أن هناك قصة أخرى خلف هذه الحقيقة؟ ظل هذا السؤال يراودها، يزرع بذور الشك في قلبها، ويجعلها تتساءل عن الحقيقة الكاملة.