روحي تعشقك 172
شرخ في الصرح المنيع
بقلم ليلى الأحمد
تزايدت التوترات بين نور وأحمد بشكل ملحوظ في الأيام التالية. كل محاولة منها لمناقشة الأمر بهدوء كانت تقابل بتجنب من جانبه أو تذكير سريع بخلفيات عائلته السيئة. كان أحمد، الذي كان يوماً مثالاً للهدوء والرقي، يبدو الآن مشتتاً وقلقاً. كانت نور تشعر بالحزن والألم، فهي لم تتوقع أن يكون هذا الخلاف سبباً في ظهور هذا الشرخ في علاقتهما، خاصة وأنها لم تكن تتجسس أو تتدخل في شؤون والدها، بل كانت تحاول فقط فهم ما يدور حولها.
في أحد أيام الأسبوع، وبينما كانت نور في مكتب والدها، سمعت صوتاً قوياً يأتي من غرفة الاجتماعات. كان والدها يتحدث بصوت مرتفع، وبدا غاضباً. عادة ما يكون الحاج عبد الرحمن هادئاً ووقوراً، مما جعل هذه النوبة من الغضب أمراً غير مألوف. دفعتها الفضول والقلق إلى الاقتراب من الباب، وفتحتها قليلاً لتسمع.
كان الحاج عبد الرحمن جالساً خلف مكتبه، وكان أمامه رجل نحيل، يرتدي ملابس رسمية، ويبدو عليه القلق.
"يا سيدي، أنا أتفهم غضبك، ولكننا في وضع صعب. المعلومات التي لدينا تشير إلى أن الشيخ خالد قد يكون على علم بالوضع في بلدنا، وربما يستخدم هذه الصفقة للتستر على عمليات مشبوهة." قال الرجل بصوت متوتر.
تجمدت نور في مكانها. عمليات مشبوهة؟ هل يتعلق الأمر بما تخشى عائلة أحمد؟
"عمليات مشبوهة؟ هل لديك دليل؟" سأل الحاج عبد الرحمن بصوت عالٍ. "لقد كنت أتعامل مع الشيخ خالد في جوانب تجارية فقط. لم يخطر ببالي أبداً أن أربطه بأي شيء من هذا القبيل."
"يا سيدي، المعلومات تأتي من مصادر موثوقة. هناك تقارير عن نقل أموال غير شرعية عبر واجهة بعض الشركات الكبرى في الخليج، والشيخ خالد، رغم واجهته النظيفة، قد يكون متورطاً في هذه الأمور." قال الرجل، وبدا عليه الإصرار.
"هذا أمر خطير جداً!" قال الحاج عبد الرحمن، وبدا عليه الذهول. "إذا كان هذا صحيحاً، فإن سمعة عائلتي قد تتضرر بشدة. لم أكن لأقبل بهذا الأمر أبداً."
"لهذا السبب جئنا إليك يا سيدي. نريد أن نتأكد من سلامة صفقاتك. وقد رأينا أن أسهل طريقة لمعرفة الحقيقة هي التحدث معك مباشرة." قال الرجل.
"وماذا تريدون مني؟" سأل الحاج عبد الرحمن، وبدا عليه الحيرة.
"نريد منك أن تمنحنا بعض الوقت. أن توقف المفاوضات مؤقتاً، ونحن سنقوم بتحرياتنا. إذا تأكدنا من تورطه، سنخبرك. وإذا لم نجد شيئاً، يمكنك المضي قدماً في الصفقة." قال الرجل.
"ولكن الشيخ خالد رجل صبور. ولا أعتقد أنه سيقبل هذا التأخير المفاجئ. لقد بنينا جسراً من الثقة." قال الحاج عبد الرحمن، وبدا وكأنه يدافع عن سمعة الشيخ.
"يا سيدي، الثقة في عالم المال قد تكون سيفاً ذو حدين. خاصة عندما تتعلق الأمر بالمال المشبوه." قال الرجل.
شعرت نور بأنها أمام انكشاف كبير. لم يكن الأمر يتعلق فقط بخلاف عائلي قديم، بل كان هناك ما هو أخطر بكثير. هل كانت سمعة الشيخ خالد النظيفة مجرد واجهة؟ وهل كان والدها على وشك الوقوع في فخ كبير؟
بعد أن غادر الرجل، بقيت نور في مكانها، غير قادرة على الحركة. كانت الأفكار تتصارع في رأسها. هل يجب أن تخبر والدها بكل ما سمعته؟ هل يجب أن تثق في كلام أحمد وتحذيراته؟
بعد فترة، خرج الحاج عبد الرحمن من غرفة الاجتماعات، وبدا عليه الإرهاق. رأى نور واقفة عند الباب، فسألها: "نور؟ ما الذي تفعلينه هنا؟"
لم تستطع نور أن تخفي القلق في عينيها. "أبي، كنت أسمع... كنت أسمع عن العمليات المشبوهة."
تجمد الحاج عبد الرحمن للحظة، ثم حاول أن يتصرف بهدوء. "لا تقلقي يا حبيبتي. إنها مجرد شائعات. بعض المنافسين يريدون إثارة المشاكل."
"ولكن أبي، الرجل قال إن لديهم مصادر موثوقة. هل أنت متأكد أن الشيخ خالد بريء؟" سألت نور، وهي تشعر بضرورة إقناعه.
"نور، أنا رجل أعمال خبرتي طويلة. أعرف كيف أتعامل مع الناس. والشيخ خالد لم يظهر لي أي علامة تدل على أي شيء من هذا القبيل." قال الحاج عبد الرحمن، وبدا وكأنه يطمئن نفسه قبل أن يطمئنها.
"ولكن يا أبي، أحمد، خطيبي، قال إن سمعة عائلة الهاشمي ليست جيدة. وإن كانت هناك خلافات قديمة بينك وبين والده." قالت نور، وشعرت بأنها يجب أن تكشف كل شيء.
شحب وجه الحاج عبد الرحمن قليلاً. "أحمد؟ هل تحدث معك عن هذا؟"
"نعم يا أبي. لقد أخبرني بكل شيء. وعن الخوف الذي يكنه لعائلتنا. وعن سمعة عائلته." قالت نور، وهي تشعر بأنها تخون الثقة، ولكنها تفعل ذلك من أجل الصالح العام.
"إذاً، هكذا الأمر. أحمد لديه مخاوفه." قال الحاج عبد الرحمن، وتنهد بعمق. "لم أكن أريد أن تعرفي هذه التفاصيل المعقدة. هذه أمور تخص الرجال."
"ولكنها تخصنا جميعاً يا أبي. وخاصة إذا كانت تتعلق بسمعتنا أو بأمننا." قالت نور، وبدأت تشعر بالقوة. "هل أنت مستعد للمخاطرة بكل شيء؟"
نظر الحاج عبد الرحمن إلى ابنته، ورأى فيها إصراراً وشجاعة لم يعتد عليهما. شعر بأن الأمور قد تطورت أكثر مما توقع. لقد كان يعتقد أن هذه مجرد صفقة تجارية، لكن يبدو أن هناك خيوطاً متشابكة من الماضي والحاضر، قد تهدد صرحهم المنيع.
"حسناً يا نور. بما أنكِ تعلمين بهذا الأمر، سأخبركِ. نعم، كانت هناك خلافات قوية بيني وبين وليد الهاشمي. لقد خانني. لكنني لم أتصور أبداً أن ابنه سيكون على نفس الدرب." قال الحاج عبد الرحمن، وبدا وكأنه يخوض حرباً داخلية. "سأفعل ما يجب فعله. سأحاول الحصول على مزيد من المعلومات، ولن أتسرع في أي قرار."
شعرت نور ببعض الارتياح، لكنها كانت تعلم أن المعركة لم تنته بعد. لقد انفتح باب الشك على مصراعيه، وأصبح من المستحيل إغلاقه.