الفصل 5 / 25

روحي تعشقك 172

سِراجُ الأملِ في غياهبِ اليأس

بقلم ليلى الأحمد

كانت الشمسُ ترسلُ أشعتها الذهبيةَ عبرَ نوافذَ قصرِ العائلةِ المهيب، ترسمُ بقعاً من النورِ على الأثاثِ العتيقِ الذي شهدَ أجيالاً من القصصِ والحكايات. لكنَّ في غرفةِ "سارة"، لم يكنْ للنورِ طريقٌ. كانتْ الغرفةُ مسرحاً لمعركةٍ صامتةٍ، صراعٍ داخليٍّ أعنفَ من أيِّ عاصفةٍ. كانتْ "سارة" تجلسُ على حافةِ سريرها، وعيناها غائرتانِ، تعكسانِ فراغاً لا تملؤه إلا دموعٌ صامتةٌ. أمامها، على الطاولةِ الصغيرةِ، كومةٌ من الأوراقِ المتناثرةِ، سطورٌ مكتوبةٌ بخطٍّ مرتجفٍ، تعبيرٌ عن خواطرٍ أصبحتْ أقربَ إلى وسواسٍ منه إلى تفكير.

"كيفَ لي أنْ أتحملَ هذا؟" همستْ بصوتٍ مخنوقٍ، وكأنها تخاطبُ شبحاً. "كيفَ لي أنْ أنظرَ في عينيَّ وأنا أعلمُ ما تفعلهُ يداي؟"

لقدْ كانَ حبُّها لـ "مالك" ينمو ويتجذرُ في قلبها كالنبتةِ التي لا تجدُ في تربتها إلا الماءَ المالحَ. في البدايةِ، كانَ مجردَ إعجابٍ خفيٍّ، لمحةٌ خاطفةٌ في لقاءاتٍ عائليةٍ، ابتسامةٌ عابرةٌ. ثمَّ تطورتْ لتصبحَ أمانيَ صامتةً، أحلاماً تسرقُها في لياليها الهادئة. ولكنَّ الواقعَ كانَ أقسى من كلِّ خيال.

"مالك" ابنُ عمها، رجلٌ يتمتعُ بصفاتٍ نبيلةٍ، خُلُقٌ قويمٌ، وجمالٌ يأسرُ الألباب. لقدْ زُفَّ إليهِ كأنهُ قَدَرٌ لا مفرَّ منهُ. ولكنْ، في خضمِّ التوقعاتِ العاليةِ لحياةٍ مثاليةٍ، بدأتْ "سارة" تشعرُ بثقلِ المسؤوليةِ، وبأنَّ هذهِ العاطفةَ التي تكنُّها، رغمَ كونها بريئةً في جوهرها، بدأتْ تتحولُ إلى عبءٍ، إلى إدمانٍ يلتهمُ روحها.

لمْ تكنْ "سارة" فتاةً طائشةً، بلْ كانتْ من عائلةٍ مرموقةٍ، تربتْ على القيمِ والأخلاقِ الإسلاميةِ الرفيعة. كانتْ واعيةً بحدودِ الشرعِ وما يرضي اللهَ. ولكنَّ قلبها، الذي كانَ ينبضُ بحبٍّ "مالك" قبلَ أنْ يتمَّ أيُّ ارتباطٍ رسميٍّ، أصبحَ الآنَ في صراعٍ مريرٍ. كانتْ تخشى أنْ يتحولَ هذا الحبُّ إلى شيءٍ ممنوعٍ، إلى تعلقٍ قلبيٍّ يخرجُ عن السيطرةِ.

"إنهُ لَيسَ لي بعد،" كانتْ ترددُ لنفسها، "وإنْ كانَ لي، فإنَّ حدودَ اللهِ أسمى من كلِّ رغباتِ النفسِ."

كانتْ "أمينة"، والدةُ "سارة"، تراقبُ ابنتها من بعيدٍ بقلقٍ متزايدٍ. لاحظتْ الشحوبَ الذي استقرَّ على وجهها، والارتباكَ الذي يلوحُ في نظراتها. كانتْ "أمينة" امرأةً حكيمةً، خبرتْ الحياةَ وتقلباتها، وكانتْ تدركُ أنَّ وراءَ هذا الصمتِ المطبقِ أسراراً تثقلُ كاهلَ ابنتها.

"ما بكِ يا ابنتي؟" سألتْها ذاتَ مساءٍ، وهي تجلسُ بجانبها على الأريكةِ الفخمةِ في الصالةِ. "أرى الحزنَ يكسو وجهكِ، والهمَّ يلوحُ في عينيكِ. هلْ هناكَ ما يزعجكِ؟"

ترددتْ "سارة" قليلاً، تتخبطُ بينَ الاعترافِ والكتمان. كانتْ تخشى أنْ تُلقي بظلالٍ من الشكِّ على مستقبلها، وأنْ تُشعرَ والدتها بقلقٍ لا داعي لهُ. لكنَّ نظرةَ والدتها الحانيةَ، تلكَ النظرةُ التي تفيضُ بالحبِّ والدعمِ، جعلتها تشعرُ بالراحةِ لتفضفضَ.

"يا أمي،" قالتْ بصوتٍ واهٍ، "إنَّ أمورَ قلبي أصبحتْ معقدةً. أحاولُ أنْ أجدَ الطريقَ الصحيحَ، ولكنَّ الظلامَ يحيطُ بي."

لمْ تفهمْ "أمينة" في الحالِ ما تقصدُه ابنتها بالضبط. كانتْ تعرفُ أنَّ الارتباطَ بـ "مالك" مسألةٌ محسومةٌ، وأنَّ العائلتينِ تتطلعانِ إلى هذهِ الخطوةِ بفرحٍ. فلماذا هذا الحزنُ؟

"هلْ يتعلقُ الأمرُ بـ "مالك"؟" سألتْ "أمينة" بلطفٍ. "هلْ هناكَ ما يريبكِ فيهِ؟"

نفتْ "سارة" بسرعةٍ. "لا، يا أمي، "مالك" نعمُ اللهِ عليَّ. لكنَّ المشكلةَ فيَّ، في نفسي. أشعرُ بأنَّني مدمنةٌ عليهِ، مدمنةٌ على مجردِ فكرةِ وجودهِ في حياتي، قبلَ حتى أنْ يبدأَ هذا الارتباطُ فعلياً. أشعرُ بأنَّ هذا التعلقَ يسيطرُ عليَّ، ويجعلني أخشى أنْ أقعَ في ما لا يرضي اللهَ."

أدركتْ "أمينة" حينها عمقَ ما تشعرُ بهِ ابنتها. لمْ يكنْ الأمرُ مجردَ حبٍّ بريءٍ، بلْ كانَ صراعاً بينَ رغبةٍ قويةٍ ومسؤوليةٍ دينيةٍ وأخلاقيةٍ. كانَ إدماناً عاطفياً، يهددُ بقاءَ روحها نقيةً.

"يا ابنتي،" قالتْ "أمينة" وهي تضمُّها إلى صدرها، "هذا دليلٌ على قلبكِ النقيِّ ورغبتكِ في البقاءِ على الطريقِ المستقيمِ. أنْ تشعري بهذا القلقِ هوَ خوفٌ من اللهِ، وهذا شيءٌ محمودٌ. ولكنْ، يجبُ أنْ نفصلَ بينَ المشاعرِ الإنسانيةِ الطيبةِ وبينَ التعلقِ المذمومِ. حبُّ "مالك" في حدِّ ذاتهِ ليسَ خطأً، بلْ هوَ طبيعيٌّ، خاصةً وأنَّه سيصبحُ زوجكِ قريباً. ولكنْ، إذا تحوَّلَ هذا الحبُّ إلى تعلقٍ ينسيكِ حدودَ اللهِ، أو يجعلكِ تتجاوزينَ ما هوَ مسموحٌ بهِ، فهنا تكمنُ المشكلةُ."

"لكنَّني أخافُ، يا أمي. أخافُ أنْ أكونَ في خلوةٍ معه، وأنْ يتسللَ الشيطانُ إلينا. أخافُ أنْ أتعلقَ بهِ أكثرَ من اللازمِ، وأنْ أبدأَ في التفكيرِ بما يتجاوزُ ما هوَ شرعيٌّ. أشعرُ بأنَّني في حالةِ ضعفٍ، وأنَّ هذهِ المشاعرَ قدْ تقودني إلى طريقٍ لا أحمدُ عقباهُ."

وضعتْ "أمينة" يدها على خدِّ ابنتها، وعيناها تلمعانِ بحنانٍ. "يا حبيبتي، "مالك" رجلٌ صالحٌ، وأنتِ فتاةٌ عاقلةٌ. العبرةُ ليستْ في طبيعةِ المشاعرِ، بلْ في كيفيةِ إدارتها. أنتِ لستِ مدمنةً، بلْ أنتِ حريصةٌ. وهذا يدلُّ على نضجكِ. لا تسمحي للشيطانِ بأنْ يوسوسَ لكِ. تذكري دائماً أنَّ الحبَّ الحلالَ هوَ أقوى أنواعِ الحبِّ. عندما يصبحُ "مالك" زوجكِ، سيكونُ كلُّ شيءٍ مباحٌ ومشروعٌ، وسيكونُ هذا الحبُّ الذي تشعرينَ بهِ زينةً لحياتكما."

"ولكنَّني الآنَ..."

"الآنَ، يا ابنتي، أنتِ في مرحلةِ الخطوبةِ. هناكَ حدودٌ يجبُ احترامها. حافظي على مسافةٍ معقولةٍ، لا تخلو بنفسكِ معه، وتحدثي معه في حدودِ الضرورةِ، وفي حضورِ محرمٍ إنْ أمكن. إذا كنتِ تشعرينَ بأنَّكِ تفقدينَ السيطرةَ، فاذكري اللهَ كثيراً، واستعيذي بهِ من الشيطانِ الرجيمِ. اجعلي صلاتكِ وقربكِ من اللهِ درعكِ وسلاحكِ."

لمْ تختفِ المخاوفُ تماماً من قلبِ "سارة"، لكنَّ حديثَ والدتها أضاءَ لها بعضَ الطريقِ. أدركتْ أنَّ ما تشعرُ بهِ ليسَ ذنباً بحدِّ ذاتهِ، بلْ هوَ تحدٍّ يجبُ أنْ تتجاوزه.

وفي تلكَ الليلةِ، وبينما كانتْ "سارة" تستعدُّ للنومِ، نظرتْ إلى صورةٍ صغيرةٍ لـ "مالك" كانتْ تحتفظُ بها سراً في صندوقِ مجوهراتها. كانتْ ابتسامتهُ تملأُ الصورةَ، وعيناهُ تعكسانِ نقاءً وصفاءً. ابتسمتْ "سارة" ابتسامةً خفيفةً، ثمَّ أغلقتْ الصندوقَ.

"يا ربِّ،" همستْ، "اهدني إلى الطريقِ الذي يرضيكَ، وقوِّني على البقاءِ في حدودِ شرعكَ."

كانتْ تلكَ ليلةً فاصلةً في حياةِ "سارة". لقدْ أدركتْ أنَّ العلاقةَ بـ "مالك" ليستْ مجردَ حلمٍ ورديٍّ، بلْ هيَ رحلةٌ تتطلبُ صبراً، وعفةً، وثقةً باللهِ. إنَّ إدمانَ الروحِ ليسَ مرضاً لا شفاءَ منهُ، بلْ هوَ فرصةٌ للنموِّ والارتقاءِ، وفرصةٌ لإثباتِ أنَّ الحبَّ الحلالَ، عندما يُدارُ بحكمةٍ وتقوى، يصبحُ سراجاً يضيءُ دروبَ الحياةِ، ويهدي إلى مرضاةِ اللهِ.

ولكنَّ التحدياتِ لمْ تنتهِ بعد. كانتْ هناكَ أمورٌ أخرى، همومٌ تنتظرُ، وشخصياتٌ أخرى في القصرِ، تتأرجحُ بينَ الخيرِ والشرِّ، بينَ الحبِّ والحقدِ، وعلى وشكِ أنْ تلقي بظلالها على مستقبلِ "سارة" و"مالك".

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%