روحي تعشقك 172
ظلالٌ تتراقصُ على جدرانِ الماضي
بقلم ليلى الأحمد
داخلَ أروقةِ القصرِ العريقِ، حيثُ تتجاورُ فخامةُ الماضي معَ همساتِ الحاضرِ، كانتْ "سارة" تحاولُ جاهدةً أنْ تستعيدَ توازنها. كانتْ كلماتُ والدتها "أمينة" كبلسمٍ شافٍ، لكنَّ جذورَ قلقها كانتْ عميقةً، متأثرةً بتجربةٍ شخصيةٍ جعلتها تخشى الانجرافَ خلفَ المشاعرِ.
في أحدِ الأيامِ، وبينما كانتْ "سارة" في مكتبةِ القصرِ، تتصفحُ بعضَ الكتبِ القديمةِ، دخلتْ عليها "ليلى"، زوجةُ عمها "أحمد"، وهيَ تتمتعُ بحضورٍ لافتٍ، وابتسامةٍ تبدو صادقةً، ولكنَّ خلفَ هذهِ الابتسامةِ كانتْ تختبئُ حكاياتٌ أخرى.
"مرحباً يا سارة،" قالتْ "ليلى" بصوتٍ فيهِ رنينٌ خافتٌ، "ماذا تفعلينَ هنا في هذا الجوِّ المليءِ بالغبارِ؟ ألا تشعرينَ بالمللِ؟"
ابتسمتْ "سارة" ابتسامةً باهتةً، وقالتْ: "أحاولُ أنْ أستفيدَ من وقتي، يا خالتي."
"أستفيدَ؟" ضحكتْ "ليلى" ضحكةً خافتةً، "في الكتبِ القديمةِ؟ يا عزيزتي، الحياةُ في الخارجِ أجملُ بكثيرٍ. العالمُ واسعٌ، وهناك الكثيرُ من المتعِ التي تنتظركِ."
نظرتْ "سارة" إلى "ليلى" بتعجبٍ. لمْ تعتدْ على هذهِ الطريقةِ في الحديثِ. "ولكنَّ هذهِ الكتبَ تحملُ من الحكمةِ ما قدْ لا تجدينهُ في أيِّ مكانٍ آخرَ."
"الحكمةُ؟" تنهدتْ "ليلى" وقربتْ مقعداً من "سارة"، "الحكمةُ يا سارةُ هيَ أنْ تعيشي حياتكِ بكلِّ ما فيها. أنْ تستمتعي بلذاتها، وأنْ لا تتركي القيودَ تحدُّ من حريتكِ."
بدأتْ "سارة" تشعرُ بعدمِ ارتياحٍ. كانتْ كلماتُ "ليلى" تحملُ في طياتها معانيَ مبطنةً، كأنها تحاولُ أنْ تشجعها على التخلي عن مبادئها.
"ربما لكلِّ شخصٍ مفهومٌ مختلفٌ للحياةِ، يا خالتي." أجابتْ "سارة" بحذرٍ.
"مفهومٌ مختلفٌ؟" كررتْ "ليلى" بابتسامةٍ ماكرةٍ، "لا يا حبيبتي، المفهومُ واحدٌ. ولكنَّ الناسَ يختارونَ إمَّا أنْ يعيشوا حياتهم كما يريدونَ، أو أنْ يدعوا الآخرينَ يملونَ عليهم ما يجبُ أنْ يفعلوا. وأنتِ، يا سارةُ، لديكِ فرصةٌ رائعةٌ أمامكِ. "مالك" رجلٌ رائعٌ، ومن حقكِ أنْ تستمتعي بكلِّ لحظةٍ معه. لا تجعلي أيَّ شيءٍ يقفُ بينكِ وبينَ سعادتكِ."
كانتْ "ليلى" تحاولُ أنْ تستدرجَ "سارة" نحو حديثٍ أعمقَ، حديثٍ قدْ يكشفُ عن مخاوفِ "سارة" ورغباتها. كانتْ "ليلى" نفسها قدْ عاشتْ تجربةً مريرةً في شبابها، حبّاً ممنوعاً انتهى بانفصالٍ مؤلمٍ. كانتْ ترى في "سارة" فرصةً للانتقامِ من هذا العالمِ الذي حرمها من سعادتها، أو ربما فرصةً لتعويضِ ما فاتها من خلالِ توجيهِ "سارة" نحو طريقٍ قدْ تعتقدُ أنهُ سيجلبُ لها السعادةَ، حتى لو كانَ ذلكَ على حسابِ مبادئها.
"ولكنَّني يا خالتي..." بدأتْ "سارة" تشعرُ بالخطرِ يتسللُ إلى حديثهما، "أنا أؤمنُ بأنَّ السعادةَ الحقيقيةَ تأتي من خلالِ رضا اللهِ، ومن خلالِ الالتزامِ بالقيمِ التي تربينا عليها."
"القيمُ؟" ضحكتْ "ليلى" بمرارةٍ، "القيمُ يا سارةُ هيَ قيودٌ يضعها الضعفاءُ على أنفسهم. أقوياءُ العالمِ لا يعرفونَ هذهِ القيودَ. والرجالُ، خاصةً الأغنياءُ والأقوياءُ مثل "مالك"، لا يحبونَ النساءَ اللواتي يظهرنَ بالتقوى والورعِ المبالغِ فيهِ. إنهم يحبونَ المرأةَ المرحةَ، الجريئةَ، التي تعرفُ كيفَ تسعدهم."
تجمَّدَ الدمُ في عروقِ "سارة". لمْ تستطعْ أنْ تصدقَ ما تسمعُ. هلْ هذا ما تعتقدهُ "ليلى" حقاً؟ هلْ كانتْ تعتقدُ أنَّ "مالك" يبحثُ عن هذا النوعِ من النساء؟
"أعتقدُ أنَّ "مالك" رجلٌ يعلمُ قيمةَ المرأةِ الطيبةِ والصالحةِ، يا خالتي." قالتْ "سارة" بحزمٍ، محاولةً إظهارَ ثباتها.
"هلْ أنتِ متأكدةٌ من ذلكَ؟" رفعتْ "ليلى" حاجبيها، "في تجاربي، وجدتُ أنَّ الرجالَ في مثلِ هذهِ المواقفِ يفضلونَ المرأةَ التي تمتلكُ الجاذبيةَ والجرأةَ، والتي تعرفُ كيفَ تجعلُهم يشعرونَ بأنهم ملوكٌ. الحبُّ الحلالُ مفهومٌ جميلٌ، ولكنهُ في الواقعِ قدْ يكونُ مملاً جداً. لا تدعي أنَّ هذا المفهومَ يمنعكِ من تجربةِ كلِّ ما في الحياةِ."
تغيرَ إيقاعُ قلبِ "سارة". كانتْ تشعرُ بصدقِ حديثِ "ليلى" المبطنِ، وبأنَّ خلفَ هذهِ الكلماتِ تجربةً مريرةً. كانتْ "ليلى" تحاولُ أنْ تنقلَ إحباطها وقلقها إلى "سارة"، وأنْ تجعلها تشكَّ في كلِّ ما تؤمنُ بهِ.
"يا خالتي،" قالتْ "سارة" بهدوءٍ، "أنا أحترمُ رأيكِ، ولكنهُ يختلفُ عن قناعاتي. أنا أؤمنُ بأنَّ ما هوَ حلالٌ هوَ ما يدومُ ويباركُ فيهِ اللهُ. وما عدا ذلكَ، فهو إما زائلٌ أو سببٌ للشقاءِ."
نهضتْ "ليلى" ببطءٍ، وتجلى على وجهها شيءٌ من الاستياءِ. "حسناً يا سارةُ، أنا فقطْ أحاولُ أنْ أنصحكِ. ولكنْ، تذكري كلامي هذا عندما تجدينَ نفسكِ في مواقفَ صعبةٍ."
خرجتْ "ليلى" من المكتبةِ، تاركةً وراءها جواً من التوترِ والقلقِ. بقيتْ "سارة" جالسةً، تشعرُ بثقلِ هذهِ المحادثةِ. لقدْ كشفتْ لها "ليلى" عن جانبٍ مظلمٍ من شخصيتها، وعن نظرتها القاصرةِ إلى الحياةِ. ولكنَّ هذهِ التجربةَ زادتْ من تمسكِ "سارة" بقيمها. لقدْ أدركتْ أنَّ إدمانَ الروحِ ليسَ فقطْ في التعلقِ بالممنوعِ، بلْ أيضاً في الاستماعِ إلى أفكارٍ تروجُ للانحرافِ والضلالِ.
في تلكَ الليلةِ، وبينما كانتْ "سارة" تقفُ عندَ نافذتها، تنظرُ إلى سماءِ الليلِ المرصعةِ بالنجومِ، شعرتْ بأنَّها تقفُ على مفترقِ طرقٍ. لمْ تكنْ مخاوفها المتعلقةَ بـ "مالك" هيَ الوحيدةَ التي تعكرُ صفو حياتها. كانتْ هناكَ أيضاً محاولاتٌ خفيةٌ للتأثيرِ عليها، لتغييرِ مسارها.
"يا ربِّ،" تمتمتْ، "إنَّ ظلالَ الماضي تتراقصُ حولي، ولكنَّني أبحثُ عن النورِ الذي يهديني. قوني لأبقى ثابتةً على مبادئي، ولا تجعلني أتبعُ أهواءَ النفسِ أو ضلالاتِ الآخرينَ."
كانتْ تلكَ المحادثةُ معَ "ليلى" بمثابةِ تنبيهٍ لـ "سارة". لقدْ أدركتْ أنَّ الصراعَ ليسَ داخلياً فقطْ، بلْ هوَ خارجيٌّ أيضاً. وأنَّ هناكَ منْ يحاولُ أنْ يستغلَّ مشاعرها ورغباتها لتحقيقِ أهدافٍ خاصةٍ. ولكنَّ "سارة" كانتْ مصممةً على أنْ يكونَ حبُّها لـ "مالك" حبّاً نقياً، قائماً على أسسٍ متينةٍ من الشريعةِ والقيمِ.
ولكنَّ هلْ ستتمكنُ منْ الحفاظِ على هذا النقاءِ في مواجهةِ الإغراءاتِ والمؤثراتِ الخفيةِ؟ هلْ ستنجحُ في إبعادِ ظلالِ الماضي عن مستقبلها؟