الفصل 8 / 25

روحي تعشقك 172

رياح التغيير تهب على بيت الحكمة

بقلم ليلى الأحمد

كانت نسمات الفجر الأولى تداعِبُ أستارَ نافذةِ غرفةِ نور، حاملةً معها عبقَ الزهورِ المتفتحةِ في بستانِ بيتِ الحكمةِ العريق. استيقظت نور على هذهِ النسماتِ العطرة، وقلبُها يخفقُ برقةٍ كرفيفِ أجنحةِ فراشةٍ رقيقة. لم يكن مجردُ استيقاظٍ عادي، بل كانَ بدايةَ يومٍ جديدٍ يحملُ في طياته مزيجًا من الترقبِ والأمل. الأيامُ الأخيرةُ كانتْ مليئةً بالأحداثِ المتسارعة، ولم تعدْ مجردَ فتياتٍ تحلمنَ بأيامٍ هادئة، بل أصبحتْ نساءً يواجهنَ الواقعَ بكلِّ ما فيهِ من تحدياتٍ وفرص.

جلستْ على طرفِ السرير، وشعرُها الداكنُ كليلٍ طويلٍ ينسدلُ على كتفَيها. نظرتْ إلى المصحفِ الذي كانَ على الطاولةِ الصغيرةِ بجانبِ سريرها، والى الكتابِ الذي كانتْ تدرسهُ بالأمس. كانتْ تفضلُ أن تبدأَ يومَها بالذكرِ والدعاءِ، ثمَّ تتجهُ إلى علمها الذي أصبحَ يلتهمُ شغفَها. بيتُ الحكمةِ لم يعدْ مجردَ صرحٍ علمي، بل أصبحَ وطنًا ثانيًا لها، مكانًا يحتضنُ أحلامَها ويشحذُ عزيمتها.

لم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتى سمعتْ طرقًا خفيفًا على الباب. "أمي؟" سألتْ بصوتٍ ناعمٍ وهيَ تنهضُ لتفتحَ الباب. كانتْ والدتها، السيدةُ زينب، واقفةً بابتسامةٍ دافئةٍ تحملُ في يدها طبقًا من الفاكهةِ الطازجة. "صباحُ الخير يا نور. رأيتُكِ مستيقظةً مبكرًا، فظننتُ أنكِ بحاجةٍ إلى بعضِ الطاقةِ ليومكِ."

"جزاكِ اللهُ خيرًا يا أمي. أنتِ دائمًا سباقةٌ إلى إسعادي." قبلتْ نورُ جبينَ والدتها، ودخلتْ إلى الغرفةِ لتضعَ الطبقَ على الطاولة. "هل لدى جدتي أيُ أخبارٍ جديدةٍ بخصوصِ السفينة؟" سألتْ وهيَ تجلسُ بجانبِ والدتها. كانَ مصيرُ رحلةِ شقيقها أحمدَ إلى الأندلسِ يشغلُ بالَ العائلةِ بأكملها، وبالأخصِ والدتها التي كانتْ دائمًا ما تشعرُ بقلقٍ زائدٍ على أبنائها.

تنهدتْ السيدةُ زينب وقالتْ: "لا جديدَ حتى الآن، يا ابنتي. دعواتُنا أنْ تكونَ رحلتُهُ آمنةٌ وأنْ يعودَ إلينا سالمًا. ولكني لا أستطيعُ أنْ أمنعَ قلبي من القلق." ضمتْ ابنتها بحنانٍ وقالتْ: "ربما تحتاجُ إلى فترةٍ من الراحةِ قبلَ أنْ يعودَ إلى الدراسةِ المكثفة. إنَّ العقلَ السليمَ في الجسمِ السليم."

تحدثتْ نورٌ عن دروسِها وعن التقدمِ الذي أحرزتهُ في دراسةِ طبِّ الأعشاب، ثمَّ انتقلتْ للحديثِ عن زميلتها سعاد، وعن التغييراتِ التي لاحظتها عليها مؤخرًا. "يا أمي، سعادُ تبدو مختلفةً هذهِ الأيام. أصبحتْ أكثرَ انطواءً، وأقلَّ تحدثًا عن أحلامِها. أشعرُ أنَّ شيئًا ما يثقلُ كاهلَها."

"ربما كانتْ تواجهُ بعضَ الصعوباتِ الشخصية. كوني قريبةً منها، يا نور. الصديقةُ وقتَ الضيق." قالتْ السيدةُ زينب وهيَ تبتسمُ لابنتها. كانتْ علاقةُ نورٍ بسعادِ قويةً جدًا، وكانتْ تشعرُ دائمًا بالمسؤوليةِ تجاهَ صديقتها.

بعدَ أنْ غادرتْ والدتها، أخذتْ نورٌ بضعَ دقائقٍ للتأمل. كانتْ تفكرُ في أحمد، في حلمِه بأنْ يصبحَ طبيبًا ماهرًا، وأنْ يساهمَ في تطويرِ طبِّ المسلمين. كانتْ تشاطرُهُ هذا الحلمَ، وتؤمنُ بأنَّ النساءَ يمكنُهنَّ لعبُ دورٍ كبيرٍ في هذا المجال. ولكنَّ التقاليدَ كانتْ تقفُ حاجزًا كبيرًا أمامَ تحقيقِ ذلك.

في تلكَ اللحظة، سمعتْ صوتَ سعادِ يناديها من الخارج. "نور! هل أنتِ موجودة؟"

فتحتْ نورٌ النافذةَ وقالتْ: "نعم يا سعاد، أنا هنا. تفضلي بالدخول."

دخلتْ سعادُ وهيَ ترتدي حجابَها الذي يلفُّ وجهَها بشكلٍ يخفي قسمًا كبيرًا منه. كانتْ تبدو شاحبةً وعيناها تحملانِ تعبيرًا غريبًا من الحزنِ والخوف. "صباحُ الخير يا نور." قالتْ بصوتٍ متردد.

"صباحُ النور يا سعاد. هل أنتِ بخير؟ رأيتُكِ تبدينَ متعبةً بالأمس."

جلستْ سعادُ على طرفِ السريرِ وبدأتْ تفركُ يديها بتوتر. "نعم، أنا بخير. فقط... لم أنمْ جيدًا."

"هل حدثَ شيءٌ؟" سألتْ نورٌ بلهجةٍ قلقة، وانحنتْ لتجلسَ بجانبِ سعاد.

ترددتْ سعادُ للحظات، ثمَّ قالتْ بصوتٍ منخفضٍ بالكادِ يُسمع: "أنا... أنا في ورطةٍ كبيرةٍ يا نور."

نظرتْ نورٌ إلى صديقتها بدهشةٍ ممزوجةٍ بالقلق. كانتْ هذهِ المرةَ الأولى التي تسمعُ فيها سعادُ تتحدثُ بهذهِ الطريقة. "ما هيَ الورطة؟ هل يمكنني المساعدة؟"

"لا أدري إنْ كانَ بإمكانِ أحدٍ المساعدة." رفعتْ سعادُ نظرها إلى نور، وعيناها تلمعانِ بالدموع. "لقد... لقد كذبتُ على عائلتي. قلتُ لهم إنني أدرسُ الفقهَ، لكنني في الحقيقةِ... كنتُ أقضي معظمَ وقتي في بيتِ الحكمة، أتعلمُ فنونَ الطبِّ وأشعارَ العرب."

ارتسمتْ الدهشةُ على وجهِ نور. لم تكنْ تتوقعُ هذا الأمرَ أبدًا. "ولكن... لماذا؟ ألا تدعمُكِ عائلتُكِ؟"

"أمي دائمًا ما كانتْ ترفضُ فكرةَ أنْ تعملَ المرأةُ خارجَ المنزل. تريدُني أنْ أتزوجَ شابًا صالحًا، وأنْ أكونَ ربةَ منزلٍ تعتني بزوجِها وأطفالِها. هذا هوَ مصيرُ النساءِ في نظرِها." سقطتْ دمعةٌ على خدِّ سعاد. "لقد سمعتُ أمي تتحدثُ معَ والدي الليلةَ الماضية. لقد... لقد وافقوا على زواجي من ابنِ عمي، الوليد. وهوَ رجلٌ... رجلٌ لا أحترمه، ولا أطيقُ مجالستَهُ. زواجٌ قريبٌ جدًا، يا نور. خلالَ شهرٍ واحد."

شعرتْ نورٌ بالصدمةِ تغمرُها. كانتْ سعادُ دائمًا ما تتحدثُ عن أحلامِها، عن رغبتِها في المساهمةِ في المجتمع، عن حبِها للعلم. لم يخطرْ ببالِها أبدًا أنَّ كلَّ هذا قدْ يتوقفُ بسببِ زواجٍ مفروض. "هذا... هذا أمرٌ جللٌ يا سعاد. ولكنْ... ألا يمكنكِ التحدثُ إلى والديكِ؟ شرحُ الأمرِ لهما؟"

"حاولتُ، ولكنَّ الأمرَ ازدادَ سوءًا. لقد اعتبروا دراستي للطبِّ مجردَ هوايةٍ سخيفة، وعنادي ضعفٌ وعصيان. أخشى أنْ يتمَ حرماني من بيتِ الحكمةِ تمامًا، وأنْ أُجبرَ على هذا الزواجِ المرير."

أمسكتْ نورٌ بيدِ سعادِ بحنانٍ وقالتْ: "لا تقلقي، يا سعاد. سنبحثُ عن حلٍ معًا. أنتِ لستِ وحدكِ. أنا هنا."

نظرتْ سعادُ إلى نورٍ بعينينِ ممتلئتينِ بالأمل، ولكنَّ الحزنَ لم يغبْ عنها. كانَ عليها أنْ تواجهَ مستقبلًا لم تخترهُ، وأنْ تتخلى عن أحلامِها التي كانتْ تضيءُ حياتَها. هل ستتمكنُ من التغلبِ على هذهِ العقبات؟ هل سيجدنَ طريقًا لإنقاذِ مستقبلِ سعاد؟ رياحُ التغييرِ قدْ بدأتْ تهبُّ بقوةٍ على بيتِ الحكمة، حاملةً معها عواصفَ لم تكنْ في الحسبان.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%