روحي تعشقك 172
ظلال الماضي في قلبِ الحاضر
بقلم ليلى الأحمد
جلستْ نورٌ معَ سعادٍ في حديقةِ بيتِ الحكمة، حيثُ تتسلقُ الياسمينُ أسوارَها وتفوحُ رائحتُهُ العطرةُ في الأجواء. كانتْ الشمسُ قدْ بدأتْ تميلُ نحو الغروب، تلقي بظلالِها الطويلةِ على الأزقةِ المرصوفةِ بالحجارة. استمرتْ نورٌ في محاولةِ طمأنةِ صديقتها، ولكنَّ القلقَ كانَ يرتسمُ على وجهِ سعادٍ رغمَ كلِّ محاولاتِها.
"يا سعاد، ربما يمكننا التحدثُ إلى شيخِ الحكماء؟ أو ربما إلى السيدةِ عائشة؟ إنهمُ رجالٌ صالحون، وذوو رأيٍ حكيم. ربما يفهمونَ وضعَكِ." اقترحتْ نورٌ بتردد.
هزتْ سعادُ رأسَها بيأس. "لقد فكرتُ في كلِّ شيءٍ تقريبًا. أعرفُ أنَّ عائلتي لنْ تستمعَ إليَّ. إنهمُ متمسكونَ بتقاليدَهم، ويرونها السبيلَ الوحيدَ لحمايتي. ولكنَّ هذا الزواجَ سيقضي على كلِّ ما أنا عليه."
"ولكنَّ العلمَ وحبَّه ليسَ أمرًا مذمومًا. إنَّ الإسلامَ يحثُّ على طلبِ العلمِ للعلمِ النافع. والطبُّ من أنفعِ العلوم." قالتْ نورٌ محاولةً إيجادَ بصيصِ أمل.
"صحيحٌ، ولكنَّ المجتمعَ لا يرى الأمورَ دائمًا بهذهِ الطريقة. لا يزالُ دورُ المرأةِ محدودًا في نظرِ الكثيرين. وخاصةً في عائلتي. إنهمُ يرون أنَّ دراستي للطبِّ ما هيَ إلا إلهاءٌ عن واجبي الأساسي." انخفضَ صوتُ سعادِ وهيَ تقولُ: "أخشى أنْ أُجبرَ على التخلي عن كلِّ شيءٍ أحبُّه."
صمتتْ نورٌ للحظة، تفكرُ بعمق. كانتْ تدركُ صعوبةَ الموقف، ولكنَّ إيمانَها بصداقتهما وشغفَ سعادِ بالعلمِ كانا يدفعانِها للمحاولة. "هل تذكرينَ عندما كنا صغيرتين، وكيفَ كنّا نقضي ساعاتٍ في قراءةِ كتبِ الطبِّ القديمة؟ كيفَ كنتِ تحلمينَ بعلاجِ أمراضٍ مستعصية؟"
ابتسمتْ سعادُ ابتسامةً باهتة. "نعم، أتذكر. كانتْ أيامًا بسيطة، ولكنها مليئةٌ بالأمل."
"هذا الأملُ لا يزالُ موجودًا، يا سعاد. ربما نحتاجُ إلى طريقةٍ أخرى. ربما نحتاجُ إلى إظهارِ مدى أهميةِ ما تقومينَ به. ربما... ربما نحتاجُ إلى دليلٍ ملموسٍ على فائدةِ ما تتعلمينَه."
"دليلٌ؟ ماذا تقصدين؟" سألتْ سعادُ بنظرةٍ متسائلة.
"فكرتُ في هذا الأمرِ كثيرًا. هناكَ بعضُ الأعشابِ النادرةِ التي تحدثَ عنها ابنُ سينا في كتبِه، والتي لا يزالُ بعضُها غيرَ مستخدمٍ بشكلٍ فعال. ألا يمكنُ لنا أنْ نحاولَ إيجادَها، ودراسةَ خصائصِها، وربما... ربما إيجادَ علاجٍ لبعضِ الأمراضِ التي يعاني منها الناسُ في مجتمعِنا؟"
اتسعتْ عينا سعادٍ قليلًا. كانتْ فكرةً جريئة، ولكنها مغرية. "ولكن... هذا يتطلبُ جهدًا كبيرًا، وربما... ربما حتى سفرًا. وعائلتي لنْ توافقَ على أيِّ شيءٍ يتطلبُ ابتعادي."
"لا، ليسَ سفرًا. أعتقدُ أنَّ هناكَ بعضَ هذهِ الأعشابِ النادرةِ تنمو في مناطقَ قريبةٍ منا. في الجبالِ المحيطةِ بمدينتِنا. إذا استطعنا جمعَ بعضِها، وتحديدِ خصائصِها، وتقديمِ نتائجَ واضحة، ربما... ربما نغيرُ رأيَ عائلتِكِ، أو على الأقلِّ نكسبُ بعضَ الوقت."
"وهل تعتقدينَ حقًا أنَّ هذا ممكنٌ؟" سألتْ سعادُ بشيءٍ من الأمل.
"نؤمنُ بهِ يا سعاد. نحنُ لسنا فتياتٍ صغيرتينَ تحلمنَ في الخيال. نحنُ طالباتُ علمٍ. ولدينا العقلُ والقدرةُ على الإنجاز. الأهمُ هوَ الإيمانُ بما نقومُ بهِ، والإصرار."
بدأتْ ابتسامةٌ خفيفةٌ ترتسمُ على وجهِ سعاد. لم تكنْ تلكَ الابتسامةُ الباهتةُ التي كانتْ تظهرُ سابقًا، بل كانتْ ابتسامةَ عزيمةٍ وتحدٍ. "ربما... ربما لديكِ حق. ربما علينا أنْ نواجهَ الأمرَ بشجاعةٍ أكبر."
"بالضبط! لقد رأيتُ أنَّ أباكِ، السيدُ أحمد، رجلٌ يقدرُ العلمَ والمنطق. إذا استطعنا تقديمَ دليلٍ علميٍ قاطعٍ على فائدةِ عملِكِ، قدْ يقبلُ الأمر."
"ولكنَّ الوليد؟ ابنَ عمي؟" سألتْ سعادُ ببعضِ الخوف.
"الوليدُ رجلٌ طموحٌ، أليسَ كذلك؟ ربما يرى في زواجِكِ رجلًا متعلمًا، وبنتَ عائلةٍ مرموقة، فرصةً لتعزيزِ مكانتِه. إذا أثبتِّ أنَّ لديكِ قيمةً علميةً وعمليةً، قدْ يرى فيكِ شريكةَ حياةٍ يمكنُ أنْ تساهمَ في مجدِه، لا مجردَ زوجةٍ تعتني بالمنزل."
شعرتْ نورٌ بأنَّ هناكَ شيئًا ما في حديثِها هذا قدْ لامسَ وترًا حساسًا. كانتْ تعلمُ أنَّ الوليدَ شخصٌ يهمه رأيُ الآخرينِ فيه، وأنَّه يسعى دائمًا لتحقيقِ مكانةٍ مرموقة.
"الأمرُ لنْ يكونَ سهلًا، يا سعاد. ولكنَّ اللهَ معَ الصابرين. علينا أنْ نبدأَ في البحثِ فورًا. هل تعرفينَ أينَ يمكنُنا إيجادُ الكتبِ التي تتحدثُ عن الأعشابِ النادرةِ في جبالِنا؟"
"نعم، أعتقدُ أنَّ لدينا بعضَ النصوصِ القديمةِ في مكتبةِ بيتِ الحكمةِ التي قدْ تساعدُنا. ولكنَّ الوصولَ إلى المناطقِ التي تنمو فيها هذهِ الأعشابِ قدْ يكونُ صعبًا."
"سنجدُ طريقةً. المهمُ أنْ نبدأَ." أمسكتْ نورٌ بيدِ سعادِ بقوة. "تذكري، يا سعاد. إنَّ أشدَّ الليالي ظلمةً، تليها أشرقُ الفجر. والأملُ دائمًا موجودٌ لمنْ يسعى إليه."
شعرتْ سعادُ بأنَّ عبئًا كبيرًا قدْ انزاحَ عن صدرِها، ولو قليلًا. لم تكنْ المشكلةُ قدْ حُلتْ بعد، ولكنَّ وجودَ نورٍ إلى جانبِها، والخطوةُ الأولى نحو إيجادِ حل، أعطتها دفعةً معنويةً هائلة.
في هذهِ الأثناء، كانَ الأستاذُ محمود، أحدُ أشهرِ الأطباءِ في بيتِ الحكمة، يتحدثُ معَ شيخِ الحكماءِ في مكتبِهِ الواسع. كانتْ رائحةُ الحبرِ والورقِ القديمِ تملأُ المكان. "يا سيدي، لاحظتُ أنَّ نورَ وسعادَ تقضيانِ وقتًا طويلًا في دراسةِ الأعشابِ النادرة. إنَّ شغفَهمَا مثيرٌ للإعجاب."
"نعم، الأستاذُ محمود. إنَّ الشاباتِ في هذهِ الأيامِ يملكنَ عقولًا نيرةً وشغفًا للعلمِ لا يقلُّ عنَ الرجال. ولكنَّ التحدياتِ التي تواجهُهنَّ أكبر." قالَ شيخُ الحكماءِ بنبرةٍ تحملُ حكمةَ السنين. "هل لاحظتَ شيئًا غريبًا عليهما؟"
"في الحقيقة، كانتْ سعادُ تبدو مضطربةً بعضَ الشيءِ في الأيامِ الأخيرة. ولكنَّ نورَ كانتْ تحاولُ أنْ تكونَ سندًا لها."
"ربما هناكَ ما يثقلُ كاهلَ سعاد. علينا أنْ نكونَ حاضرينَ لدعمِهنَّ، ولكنْ دونَ أنْ نتدخلَ إلا إذا طُلبَ منا ذلكَ صراحةً. دعْ للعقولِ الشابةِ فسحةً لتجربةِ حلولِها أولًا."
كانتْ هذهِ الكلماتُ تحملُ في طياتِها فهمًا عميقًا لطبيعةِ التعلمِ والنمو. لم يعرفْ الأستاذُ محمودُ حينها، أنَّ قرارَ شيخِ الحكماءِ هذا، سيكونُ لهُ أثرٌ كبيرٌ على مستقبلِ سعاد. فالظلالُ بدأتْ تتكشفُ عن حقائقَ أعمق، والماضي كانَ على وشكِ أنْ يلقي بظلالِه على قلبِ الحاضر.