الفصل 1 / 25

حب بلا حدود 173

اللقاء الأول تحت ظلال النخيل

بقلم مريم الحسن

كان الهواء يحمل معه عبير التمر الجني حديثًا، مزيجًا حلوًا يمتزج بشذى التراب الندي بعد سقي الحقول. وقفت "ليلى" عند حافة بستان والديها، تنظر إلى الأفق حيث تتلاشى الشمس في سماءٍ زاهيةٍ بلون الذهب والبرتقالي. كانت تلك لحظاتها المفضلة في اليوم، حين تتوارى عن أعين الجميع، وتجد في صمت الطبيعة ملاذًا لروحها المرهقة. لم يكن الإرهاق جسديًا فقط، بل كان عميقًا، يلامس شغاف قلبها الذي حمل الكثير من الهموم الثقيلة، همومٌ لم تفصح عنها لأحد، حتى لأقرب الناس إليها.

تنهدت ليلى بعمق، وشعرت ببردٍ لطيفٍ يسري في عروقها. كانت ترتدي ثوبًا فضفاضًا بلون السماء الصافية، غطى شعرها الداكن بطرحةٍ رقيقةٍ زادتها وقارًا وهيبة. لم تكن جميلةً بالمفهوم السطحي الذي يعنيه أغلب الناس، لكن جمالها كان كامنًا في تلك العينين الواسعتين العميقتين، اللتين تحملان بريقًا من الذكاء والحزن معًا، وفي تلك الابتسامة الخجولة التي بالكاد ترتسم على شفتيها.

اقتربت خطواتٌ متعثرةٌ من بعيد، قادمةً من جهة منزلهم الريفي. أدركت ليلى أنها ابنة عمها "فاطمة"، التي كانت دائمًا ما تبحث عنها بنوعٍ من الفضول المزعج. فاطمة، الشابة الجذابة، ذات الثياب البراقة والضحكات العالية، كانت تمثل نقيضًا صارخًا لشخصية ليلى الهادئة والمتحفظة.

"ليلى! يا ابنة عمي! أهنا تجدينني؟" صاحت فاطمة بصوتٍ جهوريٍ اخترق صمت المكان.

استدارت ليلى ببطء، وبدا عليها بعض الاستياء، لكنها حاولت جاهدةً أن تخفي ذلك. "كنت أستمتع ببعض الهدوء، يا فاطمة."

اقتربت فاطمة، وعيناها تلمعان بترقب. "وهل وجد هذا الهدوء ما كنتِ تبحثين عنه؟ سمعتُ أن والدي قد أرسل في طلبكِ لبعض الأمور العائلية الهامة. ألم تسمعي؟"

انقبض قلب ليلى. كانت تعرف أن الحديث عن "الأمور العائلية الهامة" غالبًا ما يعني أمرًا يتعلق بزواجها. لقد بلغت السادسة والعشرين من عمرها، ولم يتقدم لها أحدٌ جادٌ في الزواج منذ سنوات. والدها، رجلٌ كريمٌ وصالح، كان دائمًا ما يترك لها حرية الاختيار، لكن الضغوط المجتمعية، وخاصةً من عمتها والدة فاطمة، كانت تتزايد يومًا بعد يوم.

"نعم، سمعتُ. أبي أشار إلى ذلك." أجابت ليلى بصوتٍ خفيض، وهي تعود بنظرها إلى غروب الشمس.

"وما رأيكِ؟" سألت فاطمة بلهفةٍ واضحة. "أتتوقعين أن يكون قد وجد لكِ الرجل المناسب؟ سمعتُ أن فلانًا من التجار الكبار قد سأل عنكِ. تاجرٌ ثريٌ، لكنه في نهاية العقد الرابع من عمره، وله أبناءٌ أكبر منكِ سنًا."

نفرت ليلى من مجرد الفكرة. لم تكن تبحث عن الثراء، ولم تكن تتمنى زوجًا يكبرها بعقدين من الزمن، بل كانت تبحث عن شريكٍ تفهم روحه، عن قلبٍ يشاركها أحلامها البسيطة، عن حبٍ صافٍ ينبع من الاحترام والتفاهم.

"المال ليس كل شيء، يا فاطمة." قالت ليلى بنبرةٍ حازمةٍ لم تعتدها فاطمة منها. "الأهم هو التوافق والتقوى."

ابتسمت فاطمة بسخريةٍ خفية. "التقوى؟ والمال؟ التوافق؟ أوه، ليلى، ما زلتِ تعيشين أحلام اليقظة! الحياة الواقعية مختلفة. الجميع يبحث عن الاستقرار، وعن مستقبلٍ آمن. ومن منا لا يحب المال؟"

لم ترد ليلى. كانت تعرف أن النقاش مع فاطمة لن يصل إلى نتيجة. كانت فاطمة دائمًا ما تنظر إلى الأمور من زاويةٍ ماديةٍ بحتة، بعكس ليلى التي كانت ترى أبعد من ذلك.

"لكن،" استأنفت فاطمة، وقد لاحظت صمت ليلى، "والدي أخبرني أن الأمر يتعلق بشخصٍ آخر. رجلٌ من المدينة، شابٌ، مهندسٌ لامعٌ، ويبدو أنه واعدٌ جدًا. سمعتُ أن والده له علاقاتٌ كبيرة، وأنه ينوي تزويج ابنه في أقرب وقت. أظن أن هذا هو الشخص الذي يتحدث عنه والدكِ."

شعر قلب ليلى بنبضةٍ غريبة. مهندس؟ شاب؟ بدت تلك المواصفات أقرب إلى ما كانت تحلم به. لكنها سارعت إلى قمع أي أملٍ يتسلل إلى قلبها. لم تكن ترغب في أن تعلق آمالها بشائعة.

"وهل تعرفين اسمه؟" سألت ليلى، متظاهرةً باللامبالاة.

"لا، لم يذكروا اسمه. لكنهم قالوا إنه سيأتي غدًا لرؤيتكِ. يجب عليكِ أن تكوني مستعدةً، ليلى. ارتدِي أفضل ثيابكِ، واجعلي والدتكِ تعد لكِ أفضل طعامٍ. يجب أن تتركِ انطباعًا جيدًا. بالطبع، أنا سأساعدكِ في كل شيء."

تنهدت ليلى مرةً أخرى. كانت تعرف أن "مساعدة" فاطمة غالبًا ما تعني التدخل المبالغ فيه وتقديم النصائح غير المرغوبة.

"شكرًا لكِ، يا فاطمة." قالت ليلى بابتسامةٍ مرهقة. "سأفعل ما بوسعي."

"هذا هو المطلوب! تذكري، يا ليلى، أن هذه فرصةٌ لا تعوض. رجلٌ من المدينة، ومهندسٌ! ما الذي يمكن أن تطلبيه أكثر من ذلك؟" قالت فاطمة وهي تصفق بيديها بحماسٍ مصطنع.

تراجعت ليلى خطوةً إلى الوراء. "ربما أطلب قلبًا طيبًا." قالت بصوتٍ هامس، لم تسمعه فاطمة.

"ماذا قلتِ؟"

"لا شيء، لا شيء. سأعود إلى المنزل. أمي تنتظرني." قالت ليلى بسرعة، ثم استدارت مبتعدةً، تاركةً فاطمة واقفةً وحدها تحت ظلال النخيل المتراقصة.

كانت خطواتها ثقيلةً وهي تعود نحو المنزل. لم تكن تتمنى هذا الزواج، ولم تكن تدرك لماذا يشعر والدها بالحاحٍ شديدٍ في هذا الموضوع. هل كانت هناك مشكلةٌ ماديةٌ في العائلة لم تعلم بها؟ هل أراد أن يؤمن مستقبلها قبل أن تتجاوزه سن الزواج؟ أسئلةٌ كثيرةٌ تدور في ذهنها، وكلها تزيد من عبء قلبها.

دخلت المنزل، فوجدت والدتها "أمينة" في المطبخ، تعد طبقًا من الملوخية الشهية. كانت أمينة، امرأةٌ طيبةٌ، هادئةٌ، وذات قلبٍ رحيم، تشبه ابنتها في الكثير من الصفات، لكنها كانت أكثر واقعيةً وقدرةً على التأقلم مع تقلبات الحياة.

"أهلاً بكِ يا ابنتي." قالت أمينة بابتسامةٍ دافئة. "هل تحدثتِ مع فاطمة؟"

"نعم، يا أمي." أجابت ليلى، وهي تجلس على كرسيٍ خشبيٍ قريب.

"وماذا قالت؟"

"قالت إن هناك رجلًا سيأتي غدًا لرؤيتي. مهندسٌ من المدينة."

"هذا خبرٌ جيدٌ." قالت أمينة بارتياحٍ. "الحمد لله. ربما يكون هذا هو الأمان الذي نبحث عنه جميعًا."

نظرت ليلى إلى والدتها. كانت ترى في عينيها الأمل، والرغبة في رؤية ابنتها تستقر. لم تستطع أن تخبرها عن مخاوفها، عن رغبتها في الحب الحقيقي، عن خوفها من أن تكون مجرد صفقةٍ تجاريةٍ.

"أتمنى ذلك يا أمي." قالت ليلى بصوتٍ خافت.

"لا تخافي يا ابنتي. سترين. إن كان هذا الرجل صالحًا، فسيتقبله قلبكِ. والأهم، أن يكون ذا دينٍ وخلقٍ. المال يأتي ويذهب، لكن البركة في الدين والخلق."

"أنتِ على حق يا أمي." قالت ليلى، وهي تفكر في تلك الكلمات. كانت والدتها دائمًا ما تمنحها القوة والأمل.

"الآن، تعالي وساعديني في إعداد طاولة العشاء. والدكِ سيأتي قريبًا."

نهضت ليلى، وبدأت في المساعدة، بينما كانت أفكارها تتطاير بين الخوف والأمل. غدًا، غدًا سيأتي هذا المهندس. هل سيجد في عينيه ما تبحث عنه؟ هل سيشعر بصدقٍ في كلامه؟ وهل سيستطيع قلبها المرهق أن يفتح أبوابه مرةً أخرى؟ الأسئلة بقيت معلقةً في الهواء، تنتظر إجابةً قد تغير مجرى حياتها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%