حب بلا حدود 173
لقاء تحت ظلال الياسمين
بقلم مريم الحسن
انقضى الليل ببطءٍ، وكل خيطٍ من خيوطه كان يحمل معه مزيجاً من التوتر والترقب. في صباح اليوم التالي، استيقظت "ليلى" مبكراً، كعادتها. لم تستطع النوم بعمق، فقد شغلتها فكرة اللقاء المرتقب بـ "أحمد". كانت تتقلب في فراشها، تتخيل الحوارات الممكنة، والكلمات التي قد تقال. هل سيكون "أحمد" قد هدأ؟ هل سيكون قادراً على شرح ما حدث بصدقٍ ووضوح؟
بعد صلاة الفجر، لم تستطع العودة إلى النوم. قررت أن تبدأ يومها بزيارةٍ سريعةٍ لجدتها، "السيدة عائشة"، لمشاركتها قرارها.
"صباح الخير يا جدتي."
"صباح النور والسرور يا ابنتي. تفضلي."
جلست ليلى بجوار جدتها، وأخبرتها عن مكالمة "أحمد" ولقائهما المزمع.
ابتسمت السيدة عائشة وقالت: "هذا خبرٌ طيبٌ يا ليلى. قلت لكِ إن القلوب تتحدث بلغةٍ لا يفهمها إلا أصحابها. استعدي للقاء، وتوكلي على الله."
"ولكن يا جدتي، ما زلتُ أشعر بالقلق. كلماته كانت جارحة."
"والجرح يلتئم بالكلمة الطيبة، والنية الصادقة. إن كان يشعر بالندم، فربما يستحق فرصةً ليُظهر لكِ ذلك. اسمعي جيداً، وكوني على طبيعتكِ. ما يهم هو أن تكوني صادقةً مع نفسكِ ومع الله."
ودعت ليلى جدتها، وعادت إلى منزلها. أمضت الساعات المتبقية في الاستعداد للقاء. اختارت ملابسها بعناية، ثوباً بسيطاً وأنيقاً، بلونٍ هادئٍ يعكس رغبتها في السلام. اهتمت بتصفيف شعرها، ثم وضعت عطراً خفيفاً، مستوحىً من رائحة الياسمين.
مع اقتراب العصر، بدأت تشعر بأن دقات قلبها تتسارع. طلبت الإذن من والدتها للخروج، وذكرت لها وجهتها، دون تفاصيل كثيرة.
"سأذهب إلى حديقة الياسمين يا أمي، لأتنزه قليلاً."
"حسناً يا حبيبتي، عودي قبل غروب الشمس."
خرجت ليلى، وصارت خطواتها متجهةً نحو حديقة الياسمين. كانت الحديقة كما عهدتها، مليئةً بالجمال والهدوء. أشجار الياسمين المتشابكة، والزهور الملونة، ورائحة التراب الممزوجة بعبق الزهور، كلها كانت تبعث في نفسها شعوراً بالألفة والسكينة.
وصلت قبل "أحمد" بقليل. اختارت مقعداً حجرياً تحت شجرة ياسمينٍ كبيرة، وبدأت تتأمل ما حولها. كانت ترى بعض الأطفال يلعبون في ركنٍ بعيدٍ من الحديقة، وبعض العائلات تتنزه. شعرت بأنها في مكانٍ آمن، مكانٍ يسمح لها بالتنفس بعمق.
بعد دقائق، لمحته قادماً. كان يسير بخطىً ثابتة، ونظراته تبحث عنها. حين رآها، ابتسم ابتسامةً خفيفة، خجولة. اقترب منها، ووقف أمامها.
"السلام عليكِ يا ليلى."
"وعليكِ السلام ورحمة الله وبركاته، أحمد."
"شكراً لأنكِ قبلتِ لقائي."
"جئتُ لأسمع."
جلسا جنباً إلى جنب على المقعد الحجري، تاركين مسافةً احترامٍ متبادلٍ بينهما. ساد الصمت لبرهة، صمتٌ كان مليئاً بالكلمات غير المنطوقة.
"ليلى،" بدأ أحمد بصوتٍ حاول أن يجعله هادئاً، "أعلم أن كلماتي بالأمس كانت مؤلمة. لم يكن ذلك ما أردتُ قوله، ولم يكن هذا أسلوبي في التعامل. كنتُ غاضباً، ومحبطاً، وخائفاً. خائفاً من أن تخسرني، ومن أن تخسري أنتِ شيئاً لم تبدئي في بنائه بعد."
"ولكنك قلتَ ما قلته."
"نعم، قلتُه. وكان خطأً فادحاً. لم أفكر بعمقٍ في تأثير كلماتي عليكِ. لقد انشغلتُ بالخوف من أن تضيع مني الفرصة، فنسيتُ أن أبني الثقة. لقد سمعتُ كلاماً عنكِ، وشائعاتٍ، وبدأتُ أشك. هذا الشك، ممزوجاً برغبتي الشديدة في أن تكوني لي، جعلني أتجاوز حدود الاحترام. أعتذر لكِ من كل قلبي، يا ليلى. أعتذر عن أي ألمٍ سببته لكِ."
نظرت ليلى إليه، ورأت في عينيه صدقاً وحسرة. لم تكن تلك النظرات المتعالية التي رأتها بالأمس. كان هناك ندمٌ واضح.
"ماذا سمعتَ يا أحمد؟" سألت بصوتٍ هادئ.
تردد أحمد قليلاً، ثم قال: "سمعتُ أنكِ ربما تنظرين إلى شخصٍ آخر. كلامٌ لا أساس له من الصحة، ولكنه تملكني. تملكني الخوف، وجعلني أتحدث بكلامٍ أجوف. أنتِ تعرفينني، وأنا أعرفكِ. لطالما احترمتُكِ، ولطالما رأيتُ فيكِ ما لا أراه في غيركِ. كنتُ أطمح لأن تكوني شريكة حياتي، ولكنني لم أحسن التعبير عن هذه الرغبة. لقد خفتُ أن أفقد هذه الفرصة الثمينة، فجعلتُ الأمور أسوأ."
"أنتَ تعرف أنني لا أفعل شيئاً لا يرضي الله، ولا أسمح لأحدٍ بالتدخل في أموري بهذه الطريقة. ألا تثق بي؟"
"أثق بكِ، أثق بكِ بشدة. المشكلة لم تكن فيكِ، بل كانت فيَّ. في ضعفي، في خوفي، وفي وسوسات الشيطان. لم أكن أريد أن أخسر شرف التقدم لخطبتكِ، ولكني في نفس الوقت، لم أكن أريد أن أتقدّم دون أن أتأكد من أن كل شيءٍ واضحٌ تماماً. لقد ارتكبتُ خطأً فادحاً في طريقة تعاملي."
راحت ليلى تفكر. ما قاله "أحمد" بدا منطقياً. كان خوفه من فقدانها، وخوفه من الشائعات، قد جعله يتصرف بتهور. ولكن هل يكفي الاعتذار؟
"ولكن كيف سنمضي قدماً الآن؟" سألت. "لقد أحدثتَ شرخاً في الثقة."
"أعلم ذلك، وأنا على استعدادٍ لفعل أي شيءٍ لإصلاح ما أفسدتُ. إذا كنتِ تسمحين لي، أرغب في أن نبدأ من جديد. أرغب في أن أثبت لكِ، بالقول والفعل، أنني رجلٌ يستحق ثقتكِ. أرغب في أن أتقدم لكِ بصدقٍ، وأن أبني معكِ حياةً كريمةً، ترضي الله ورسوله."
نظر إليها "أحمد" بعينين مليئتين بالأمل. كانت نظراته تحمل وعداً بمستقبلٍ مختلف، مستقبلٍ يبنى على الصدق والوضوح.
"ما الذي كنتَ تطمح فيه حقاً يا أحمد؟" سألت ليلى، بصوتٍ بدا أكثر ليناً.
"كنتُ أطمح لأن أكون زوجكِ، يا ليلى. أن أكون سندكِ، وشريك حياتكِ. أن نبني بيتاً يعمر بالطاعة والحب، وأن نربي أبناءً صالحين. كل ما قلته بالأمس كان تعبيراً فظاً عن هذه الرغبة العميقة. أردتُ أن أحافظ على فرصةٍ لن تتكرر. لقد رأيتُ فيكِ كل الصفات التي أتمناها في شريكة حياتي. ولكنني لم أحسن التصرف."
تنهدت ليلى. بدأت تشعر بأن قلبها يلين. كانت حديقة الياسمين تتراقص أوراقها في النسيم، وكأنها تشاركها مشاعرها المتضاربة.
"أنا... لا أعرف ما أقول."
"لا تقولي شيئاً الآن. فقط فكري. فكري فيما إذا كانت هناك فرصةٌ لإصلاح ما حدث. فكري فيما إذا كان يمكن للثقة أن تُعاد. أنا على استعدادٍ لأن أنتظر، وأن أثبت لكِ. أرجوكِ، لا ترفضي الفرصة بالكامل. لقد أخطأتُ، ولكن قلبي لم يكذب."
وقف "أحمد"، ومدّ يده قليلاً باتجاهها، ولكنه سرعان ما سحبها، مدركاً أنه قد تجاوز الحدود.
"سأترككِ الآن لتفكري. أتمنى أن يكون لي الشرف برؤيتكِ مرةً أخرى، في وقتٍ لاحق."
ثم غادر، تاركاً ليلى وحدها تحت شجرة الياسمين. كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، وترسم ظلالاً طويلةً على أرض الحديقة. نظرت ليلى حولها، تتأمل في كلماته. كانت مشاعرها لا تزال متضاربة، ولكن بصيص أملٍ قد بدأ يتسلل إلى قلبها. هل يمكن لـ "أحمد" أن يغير الصورة التي رسمتها عنه كلماته الأخيرة؟ هل يمكن للصدق والاعتذار أن يعيدا بناء ما تهدم؟
رفعت ليلى رأسها نحو السماء، تتأمل في زرقتها الصافية. كان الهواء يحمل رائحة الياسمين، ورائحة المستقبل. المستقبل الذي بدا الآن أقل غموضاً، وأكثر احتمالاً.