حب بلا حدود 173
الفجر القادم والخوف المستتر
بقلم مريم الحسن
اجتاحت سكون الليل ريحٌ عاتية، لم تكن مجرد عاصفة موسمية، بل كانت همسَ القدر المضطرب، نذيراً بموجةٍ قادمةٍ من التحديات التي ستمتحنُ صميمَ علاقةِ نور وسليمان. في تلك الليلة، وبينما كانت شرفاتُ قصرِ الجدِّ الحاجِّ عبد الرحمن تئنُّ تحت وطأةِ الرياح، كانت قلوبُ أحفادِه تتأرجحُ بين الرجاءِ والقلق.
كانت نور تجلسُ في غرفتها، تتأملُ القمرَ الشاحبَ خلفَ ستائرَ حريريةٍ تتراقصُ مع أنفاسِ الريح. لم تكنْ مجردَ تأملٍ صوفيٍّ، بل كانَ تأملاً في مستقبلٍ يبدو ضبابياً، يختلطُ فيهِ نورُ حبِّها لسليمان بظلالِ ماضٍ لم تكشفْ عن كلِّ أسرارِه بعد. وصلتْها رسالةٌ نصيةٌ من سليمان، كانتْ مقتضبةً كالعادة، تحملُ في طياتِها كلماتٍ قليلةً ولكنها مشحونةٌ بمعنى عميق: "أمورٌ طارئةٌ تستدعي حضوري. لا تقلقي، سأتجاوزُ الأمرَ كما فعلتُ دوماً. أنتِ قوتي. تصبحينَ على خير."
تنهدتْ نورُ تنهيدةً طويلةً، استقرتْ في صدرها كقطعةٍ من ثلجٍ بارد. كانتْ تفهمُ لغةَ سليمان الصامتة، تفهمُ عندما يكونُ تحتَ ضغطٍ شديد، عندما يحاولُ أنْ يحميها من عبءٍ قد لا تستطيعُ حملَه. لكنَّ قلقَها لم يكنْ بسببِ غيابهِ المؤقت، بل بسببِ تلكَ "الأمورِ الطارئة" التي بدأتْ تتوالى كالخيوطِ المتشابكةِ في نسيجِ حياتهم.
في الجهةِ المقابلةِ من المدينة، كانَ سليمانُ يجلسُ في مكتبهِ الفاخر، لم يعدْ بريقُ الأنوارِ الاصطناعيةِ يغطي على قتامةِ الأجواء. كانَ وجههُ يعكسُ صراعاً داخلياً، عيناهُ تلتمعانِ بذكاءٍ حادٍ وعزمٍ لا يلين، ولكنهما تحملانِ أيضاً ثقلَ مسؤوليةٍ أثقلَ مما يتخيلُ القريبونَ. أمامهُ كانتْ مصفوفةٌ من الأوراقِ والمستندات، كلُّ ورقةٍ منها تحملُ بصمةَ مؤامرةٍ دنيئة، وبصمةَ خصومٍ قديمينَ حاولوا بشتى الطرقِ إحداثَ ثغرةٍ في إمبراطوريةِ عائلته.
"سيدي، المعلوماتُ مؤكدة." قالَ السيدُ هاشم، مساعدُ سليمانُ الأمين، بصوتٍ هادئٍ ولكنْ بحذرٍ شديد. "السيدُ فؤاد، شريكُ والدكَ السابق، هوَ المحرِّكُ الأساسيُّ وراءَ هذهِ الحملةِ المسعورة. لديهِ وثائقُ تبدو حاسمة، وقادرٌ على إحداثِ ضررٍ كبيرٍ إذا لم يتمَّ التعاملُ معها بحكمة."
رفعَ سليمانُ بصرهُ، امتلأتْ عيناهُ ببريقٍ قاسٍ. "فؤاد؟ لم أتوقعْ منهُ هذا القدرَ من الحقدِ بعدَ كلِّ هذهِ السنوات. ما هيَ طبيعةُ هذهِ الوثائق؟"
"إنها تخصُّ صفقةَ الأراضي الكبرى التي أبرمها والدكَ قبلَ سنواتٍ طويلة. هناكَ شكوكٌ حولَ بعضِ التفاصيلِ القانونية، وفؤادُ يدَّعي امتلاكَه لأدلةٍ تثبتُ تجاوزاتٍ حدثتْ. هدفهُ ليسَ فقطْ استعادةَ حقوقهِ المزعومة، بل تدميرُ سمعةِ العائلةِ بأكملها."
شعرَ سليمانُ ببرودةٍ تسري في عروقِه. لم يكنْ يعرفُ كلَّ تفاصيلِ أعمالِ والدهِ القديمة، ولكنَّ ما يعرفه يجعلهُ على يقينٍ بأنَّ والدهُ لم يكنْ ليسمحَ بتجاوزاتٍ تمسُّ شرفَ العائلة. هذهِ ربما كانتْ خطةً لزرعِ الشكوكِ وإثارةِ الفتنة.
"هلْ حاولتْ نورُ التواصلَ معك؟" سألَ هاشم، مدركاً مدى تعلقِ سليمانِ بها.
"نعم، رسالةٌ قصيرة. لا أريدُ لها أنْ تقلق. كلُّ هذا يجبُ أنْ يبقى بعيداً عنها. هيَ ليستْ طرفاً في هذهِ المعركة." قالَ سليمانُ بحزمٍ، بينما كانَ يمسحُ على وجههِ بيديهِ القويتين.
"ولكنْ سيدي، إنْ نجحَ فؤاد، فإنَّ تأثيرَ الأمرِ سيطالُ كلَّ فردٍ في العائلة، بمن فيهم الآنسةُ نور." قالَ هاشمُ بصراحةٍ مؤلمة.
في هذهِ اللحظة، استدعى سليمانُ كلَّ قوتهِ الداخلية. لم يعدْ الأمرُ يتعلقُ بمستقبلهِ وحده، بل بمستقبلِ نور، ومستقبلِ عائلتهِ بأكملها. كانَ يعرفُ أنَّ فؤادَ لنْ يهدأَ حتى يرى دماره.
"هاشم، أريدُ منكْ أنْ تقومَ بتحقيقٍ شاملٍ وسريٍّ حولَ جميعِ الصفقاتِ التي كانَ فؤادُ طرفاً فيها معَ والدي. ابحثْ عنْ أيِّ دليلٍ على تلاعبٍ أو تزوير. في الوقتِ نفسهِ، قمْ بتقييمِ مدى خطورةِ الوثائقِ التي يمتلكها. أريدُ أنْ أكونَ مستعداً لأيِّ شيء."
"بالتأكيد، سيدي." أجابَ هاشمُ بانحناءةِ رأس. "ماذا عنْ لقائنا المرتقبِ معَ فؤاد؟"
ترددَ سليمانُ للحظة. كانَ من المفترضِ أنْ يلتقيَ بفؤادَ غداً في محاولةٍ لحلِّ الأمرِ ودياً، ولكنَّ هذهِ المعلوماتَ الجديدةَ قدْ غيرتْ كلَّ شيء.
"لقاؤنا سيتمُّ كما هوَ مخططٌ له. ولكنْ، سيكونُ لديَّ إستراتيجيةٌ مختلفة. لنْ أذهبَ كمنْ يرجو الصفح، بل كمنْ يحملُ في يديهِ سيفَ العدالة. لا تنسَ، هاشم، أنْ نورَ لا تعلمُ شيئاً. أريدُ أنْ يبقى الأمرُ كذلكَ لأطولِ فترةٍ ممكنة."
خرجَ هاشمُ من المكتبِ تاركاً سليمانَ وحيداً معَ أفكارِه. كانَ يشعرُ بثقلِ العالمِ على كتفيه. كيفَ لهُ أنْ يحميَ نورَ منْ هذا الصراعِ الذي يبدو أنهُ لا نهايةَ له؟ هلْ كانَ القرارُ بالارتباطِ بها هوَ الصحيح؟ هلْ كانَ إدخالُها عالمهُ هذا، عالماً مليئاً بالدسائسِ والخيانة، قدْ وضعها في خطرٍ لم تستطعْ أنْ تتخيلَهُ؟
كانَ قلبهُ يتقطعُ ألماً. كلَّما فكرَ في وجهِها الملائكيِّ، في ابتسامتِها التي تضيءُ حياته، زادَ إصرارُه على حمايتها. ولكنهُ كانَ يعلمُ أيضاً أنَّ إخفاءَ الحقائقِ لنْ يفيدَ على المدى الطويل. في النهاية، يجبُ أنْ تواجهَ نورُ الحقيقة، مهما كانتْ مؤلمة.
في تلكَ اللحظة، شعرَ سليمانُ بقوةٍ غريبةٍ تتغلغلُ في كيانه. لم تكنْ قوةً نابعةً من ثروتهِ أو نفوذِه، بل قوةً مستمدةً من الحبِّ والإيمان. كانَ مؤمناً بأنَّ اللهَ معَ الصابرين، وأنَّ الحقَّ غالباً.
وقفَ أمامَ النافذة، يراقبُ الرمالَ الذهبيةَ التي كانتْ تتطايرُ بفعلِ الرياح. كانتْ تذكرهُ بأنَّ كلَّ شيءٍ في هذهِ الحياةِ زائلٌ، إلا الشرفَ والنزاهةَ والحبَّ الحلال. هذهِ هيَ الأصولُ التي سيقاتلُ من أجلِها.
كانَ فجرُ اليومِ التالي يقتربُ، يحملُ معه وعداً بالضوء، ولكنهُ أيضاً يكشفُ عنْ أسرارٍ دفينة. شعرَ سليمانُ بأنَّ هذا اليومَ سيكونُ نقطةَ تحوُّلٍ في حياته، نقطةَ اللاعودة. لم يعدْ بإمكانهِ التراجع، ولا يمكنهُ أنْ يسمحَ لأحدٍ بلمسِ ما هوَ عزيزٌ عليه. كانتْ المعركةُ قدْ بدأتْ، وكانَ على استعدادٍ لخوضِها بكلِّ ما يملك.
---