حب بلا حدود 173
لقاءٌ على حافةِ الهاوية
بقلم مريم الحسن
معَ بزوغِ خيوطِ الفجرِ الأولى، استيقظتْ نورُ على وقعِ أفكارٍ متضاربة. لم يكنْ نومُها عميقاً، بل كانَ خليطاً من الأحلامِ القلقةِ وتأثيرِ رسالةِ سليمان. نظرتْ إلى ساعتها. كانتْ الشمسُ قدْ بدأتْ ترسلُ أشعتها الذهبيةَ الأولى، لتُعانقَ أوراقَ الأشجارِ في حديقةِ القصرِ وتُلقي بظلالٍ طويلةٍ ورقيقة.
ارتدتْ ملابسَها، أزاحتْ الشعرَ الداكنَ عنْ وجهها، واستقرتْ نظراتُها على صورتِها المصغرةِ معَ سليمان، التي كانتْ دوماً بجانبِ سريرِها. كانتْ ابتسامتهُ فيها طبيعيةً، تبعثُ على السكينة. هلْ كانَ هذا الاستقرارُ مجردَ وهمٍ سينهارُ قريباً؟
نزلتْ إلى قاعةِ الطعامِ حيثُ كانَ أفرادُ العائلةِ يتناولونَ فطورَهم. كانَ الجوُّ هادئاً، يسودهُ احترامٌ متبادلٌ وولاءٌ للعاداتِ والتقاليد. الجدُّ الحاجُّ عبد الرحمن، بوقارهِ المعهودِ ولحيتهِ البيضاءِ التي تشي بالحكمة، كانَ يقرأُ الجريدةَ الصباحية، بينما كانتْ والدةُ سليمان، السيدةُ فاطمة، تشرفُ على تقديمِ القهوةِ والشاي.
"صباحُ الخيرِ يا ابنتي." قالَ الجدُّ بصوتهِ العميقِ وهوَ يرفعُ عينيهِ عنْ الجريدة. "تبدينَ متعبةً قليلاً. هلْ نمتِ جيداً؟"
ابتسمتْ نورُ ابتسامةً باهتة. "صباحُ النورِ يا جدي. نعم، بخيرٍ الحمدُ لله. ربما قلةُ نومٍ فقط."
"قلةُ النومِ قدْ تكونُ علامةً على قلقٍ ينمو في القلب." قالتْ السيدةُ فاطمة، نظرتُها حانيةٌ ولكنها تحملُ ذكاءً لا يُستهانُ به. "أتمنى أنْ يكونَ كلُّ شيءٍ على ما يرام."
لم تكنْ نورُ تريدُ أنْ تُشغلَ بالَهم بأمورٍ قدْ تكونُ مجردَ تخيلاتٍ. كانتْ تعرفُ أنَّ سليمانَ قادرٌ على تجاوزِ أيِّ صعاب. ولكنْ، في أعماقِ قلبِها، كانَ هناكَ شعورٌ بالخطرِ ينمو.
بعدَ انتهاءِ الفطور، تلقتْ نورُ اتصالاً هاتفياً. كانَ المتصلُ هوَ السيدُ غالب، محامي العائلةِ وشريكِ الجدِّ في بعضِ أعمالِه.
"صباحُ الخيرِ يا آنسةَ نور." قالَ بصوتٍ رسميٍّ ولكنهُ يحملُ نبرةَ قلقٍ مبطنة. "أتصلُ لأعلمكِ بأنَّ السيدَ سليمانَ اضطرَّ لتغييرِ موعدِ لقائهِ اليوم. بدلاً منْ اللقاءِ في مقرِّ الشركةِ عندَ الظهيرة، سيكونُ اللقاءُ في مكانٍ آخرَ وفي وقتٍ متأخرٍ قليلاً. لقدْ تركَ لي توجيهاتٍ واضحةً لكِ: لا تقلقي، الأمورُ تحتَ السيطرة، ولكنهُ سيحتاجُ إلى بعضِ الوقتِ لإتمامِ الصفقةِ بنجاح. سيُخبركِ بالتفاصيلِ لاحقاً."
شعرَ قلبُ نورَ بالارتجاف. "صفقة؟ أيُّ صفقةٍ يا عمي غالب؟ وهلْ سيتمكنُ منْ الحضورِ إلى حفلِ الخطبةِ الذي سيُعقدُ مساءَ الغد؟"
"هذهِ هيَ طبيعةُ العملِ يا ابنتي، لا يمكنُ التنبؤُ دائماً. ولكني متأكدٌ أنَّ سليمانَ لنْ يفوتَ هذا اليومَ المهم. لقدْ أكدَ لي ذلك. هوَ فقطْ يحتاجُ إلى إنهاءِ هذا الأمرِ بسرعة. لقدْ تركَ لي أيضاً رسالةً أخرى لكِ. سأوصلُها إليكِ بنفسي."
بعدَ ساعاتٍ قليلة، وصلتْ إلى القصرِ رسالةٌ مختومةٌ بخاتمِ سليمان. فتحتها نورُ بيدينِ مرتعشتين. كانتْ الرسالةُ تتضمنُ اعتذاراً عنْ هذا الارتباك، وتأكيداً بأنَّ ما يحدثُ هوَ مجردُ خطوةٍ ضروريةٍ لضمانِ مستقبلٍ آمنٍ لهما. ذكرتْ الرسالةُ أيضاً بأنَّ شخصاً يدعى "فؤاد" قدْ حاولَ عرقلةَ الأمور، ولكنهُ أكدَ لها بأنَّه سيتعاملُ معهُ وأنَّ الأمرَ سينتهي.
"لا تقلقي يا حبيبتي. هذهِ مجردُ رياحٍ عابرة. قريباً، سأكونُ بجانبكِ، وسنبني حياتنا معاً، أقوى وأكثرَ أمناً. أحبكِ."
لم تستطعْ نورُ أنْ تفهمَ تماماً ما تعنيهِ هذهِ الكلمات. صفقة؟ شخصٌ اسمهُ فؤاد؟ لم يكنْ سليمانُ شخصاً يحبُّ إدخالَ الآخرينَ في دوامةِ أعمالهِ. كانَ دائماً يحاولُ حمايتها. ولكنَّ هذا الارتباكَ المتزايدَ وعدمَ وضوحِ الأمورِ بدأَ يُشعرها بأنَّ هناكَ شيئاً كبيراً يحدثُ، شيئاً قدْ يكونُ خارجَ نطاقِ سيطرته.
في الوقتِ نفسهِ، كانَ سليمانُ في مكانٍ سريٍّ بالمدينة، في مكتبٍ مؤقتٍ بالكادِ يُعرفُ. كانَ بصرهُ مثبتٌ على وجهِ فؤاد، الذي جلسَ أمامهُ بابتسامةٍ ماكرةٍ تخفي وراءَها غدراً قديماً.
"إذاً، أنتَ هنا، سليمان." قالَ فؤادُ بصوتٍ ناعمٍ يخفي لسعةً منَ السم. "كنتُ أتوقعُ منكْ أنْ تكونَ أكثرَ حماساً للقاءٍ سيُحددُ مصيرَ إمبراطوريتِكَ."
"مصيري؟" قالَ سليمانُ بهدوءٍ ظاهري، لكنَّ عيناهُ كانتْ تحملُ بريقاً حاداً. "أنتَ منْ يواجهُ الآنَ خطرَ تدميرِ سمعتِكَ. تلكَ الوثائقُ التي تملكها، هلْ أنتَ متأكدٌ منْ صحتها؟ أمْ أنها مجردُ مزاعمٍ واهيةٍ لترويعِ عائلةٍ لم تؤذيكَ قط؟"
ضحكَ فؤادُ ضحكةً قصيرةً مجوفة. "العائلةُ التي استغلتْ جهدي وعملي لسنواتٍ؟ العائلةُ التي تركتني خارجَ الصورةِ بعدَ أنْ كنتُ شريكاً لجزءٍ كبيرٍ من نجاحِ والدكَ؟ نعم، لديَّ وثائق، وهيَ حقيقيةٌ وصحيحة، وستُسقطُ والدكَ وأنتَ معه."
"والدي لم يكنْ ليسمحَ بتجاوزاتٍ. لديهِ شرفٌ وحسٌّ عالٍ بالمسؤولية." ردَّ سليمانُ بصوتٍ يكادُ يرتعشُ منَ الغضبِ المكبوت. "إنْ كنتَ تمتلكُ شيئاً، فأظهرهُ. ولكنْ اعلمْ، أنَّكْ لنْ تنجحَ في تدميرِ سمعةِ عائلةٍ قامتْ على النزاهةِ والعملِ الجاد."
"النزاهة؟ العملُ الجاد؟" سخرَ فؤاد. "كلُّ شيءٍ في هذهِ الدنيا لهُ ثمن، سليمان. وأنتَ، ووالدكَ، كنتمْ تستغلونَ ثمنَ عملي ببرودٍ عجيب. الآنَ، سأخذُ ما هوَ لي، وأكثر."
"وما هوَ لكَ، بالضبط؟" سألَ سليمانُ، وهوَ يتحركُ ببطءٍ نحو حقيبته. "حقوقكَ؟ أمْ مجردُ الانتقامِ الأعمى؟"
"كلاهما. ولكنْ، هناكَ شيءٌ آخرُ يثيرُ اهتمامي." قالَ فؤادُ وهوَ يُلقي نظرةً سريعةً على حاشيةٍ على صورةٍ صغيرةٍ كانتْ في يدِ سليمان. "هذهِ الجميلةُ... ألمْ تكنْ هيَ الآنسةُ نور؟ خطيبةُ سليمان؟"
تجمدَ سليمانُ في مكانه. شعرَ ببرودةٍ شديدةٍ تسري في جسده. هلْ كانَ فؤادُ يعرفُ بهذا القدر؟ هلْ كانَ يعلمُ بمدى ارتباطِ نورِ به؟
"ابتعدْ عنْها." قالَ سليمانُ بصوتٍ أجش، تحولَ فيهِ الهدوءُ الظاهريُ إلى تحذيرٍ صريح. "هذهِ المرأةُ ليستْ لها علاقةٌ بهذا الأمر. إذا لمستَها، أو حتى فكرتَ في إيذائها، فإنَّ عواقبَ ذلكَ ستكونُ وخيمةً عليكَ وعلى كلِّ منْ حولكَ."
"أوه، سليمان، أنتَ لا تفهم. أنا لا أريدُ أنْ أؤذيها. ولكنْ، ألا ترى؟ أنتَ ترتبطُ بفتاةٍ قدْ تكونُ سبباً في إثارةِ الكثيرِ منَ المشاكل. هلْ أنتَ متأكدٌ منْ أنها تستحقُّ كلَّ هذا؟ ربما هيَ أيضاً لها ماضٍ مخفيٌّ، ألا تظن؟"
انفجرَ سليمانُ في ضحكةٍ مريرة. "لا تبتدعْ أكاذيبَ يا فؤاد. نورُ أنقى منْ أنْ تُقارنَ بما يدورُ في عقلكَ المريض. إنْ كنتَ تريدُ محاربتي، فواجهني مباشرةً. لا تستغلْ نقاطَ ضعفي. هذهِ أخلاقُ الجبناء."
"أنا لا أبحثُ عنْ معركةٍ، سليمان. أنا أبحثُ عنْ حقوقي. والوثائقُ التي بحوزتي، ستُعيدُ لي كلَّ ما فقدتُه، وستُدمرُ كلَّ ما بنيتهُ أنتَ وعائلتك. وأنا متأكدٌ منْ أنَّ القضاءَ سيأخذُ بها على محملِ الجد. وخاصةً إذا أضفتُ بعضَ التفاصيلِ التي أملكها عنْ تاريخِ العائلةِ المظلم."
في هذهِ اللحظة، فتحَ سليمانُ حقيبتهُ، وأخرجَ منها وثائقَ لم تكنْ موجودةً فيها منْ قبل. كانتْ تبدو كأنها خرجتْ منْ العدم.
"وهلْ أنتَ متأكدٌ منْ أنَّ كلَّ الوثائقِ لديكَ سليمةٌ، يا فؤاد؟ وهلْ أنتَ متأكدٌ منْ أنَّكْ لم تتجاوزْ الحدَّ القانونيَّ في جمعِها؟" سألَ سليمانُ بابتسامةٍ ثلجية. "لديَّ أيضاً وثائق. وثائقُ تثبتُ تلاعبكَ في صفقاتٍ عديدة، وثائقُ تدينُكْ بتهمِ الاحتيالِ والابتزاز. وأنا على وشكِ تقديمِها للجهاتِ المختصة. أنتَ لمْ تكنْ وحدكَ منْ يحضرُ لمعركةٍ اليوم."
تغيرَ تعبيرُ فؤادٍ منَ الثقةِ المفرطةِ إلى القلقِ الحقيقي. نظرَ إلى الأوراقِ التي في يدِ سليمان، ثمَّ إلى الهدوءِ المطبقِ في عينيه.
"هذا مستحيل." تمتمَ فؤاد.
"لا شيءَ مستحيلٌ عندما يكونُ المرءُ يدافعُ عنْ أعزِّ ما يملك." قالَ سليمانُ وهوَ ينهضُ. "اليومَ، يا فؤاد، لمْ تعدْ أنتَ منْ يملي شروطَ اللعبة. لقدْ انتهى الأمرُ بالنسبةِ لك. حاولْ أنْ تُصلحَ ما أفسدتْ، قبلَ أنْ تدركَ أنَّ كلَّ شيءٍ قدْ ضاع."
خرجَ سليمانُ منْ المكتبِ، تاركاً فؤادَ محاطاً بالصمتِ والانهيارِ الوشيك. كانتْ هذهِ بدايةَ النهايةِ لفؤاد، ولكنها أيضاً كانتْ بدايةَ مرحلةٍ جديدةٍ منَ التحدياتِ لسليمان. كانَ يعرفُ أنَّه قدْ تغلَّبَ على العقبةِ المباشرة، ولكنَّ معركةَ الحفاظِ على سمعةِ العائلةِ وعلى سلامةِ نورَ قدْ بدأتْ للتو.
---