الفصل 20 / 25

حب بلا حدود 173

هدير العاصفة وكشف الأسرار

بقلم مريم الحسن

كانت رائحة الياسمين، التي اعتادت سارة أن تمنحها سكينة لا تضاهى، تبدو اليوم مثقلة بالغيوم، نذير شؤم يلفّ أرجاء منزلهم الوارف. جلست على حافة النافذة، تتأمل في سماءٍ كان يلونها الغروب بلونٍ دامٍ، وكأنها تعكس الاضطراب الذي يعصف بداخلها. لم يعد الصمت الذي خيّم على المنزل يحتمل، بل أصبح ثقيلاً، متوهجاً بكلماتٍ لم تُنطق، وبنظراتٍ تحمل ما هو أعمق من أي لغة.

منذ لقائها المفاجئ بـ"أحمد" في ذلك المقهى، والذي بدا كصدفةٍ قاسية، لم تهدأ روحها. كان وجوده، بابتسامته التي تحمل ألف قصة، وبصوته الذي يذكرها بالماضي البعيد، كفيضٍ مفاجئ اقتحم حياتها الهادئة. لم تكن تنكر شعورها نحوه، ذاك القرب الغريب الذي نشأ بينهما في سنوات المراهقة، والأحلام التي نسجتها خيوط الأمل والشباب. لكنها كانت تعرف الحدود، وتدرك جدار "يوسف" الشاهق الذي يفصل بينها وبين تلك الآمال.

الآن، وبعد أن علم "يوسف" بشيءٍ ما، شعرت وكأن الأرض تميد تحت قدميها. لم يكن "يوسف" رجلاً عادياً، كان يمتلك بصيرةً حادة، وقلباً يعشق الكمال، وروحاً لا ترحم الغدر. نظراته الأخيرة كانت تحمل برودةً جليدية، وكلماته القليلة كانت كطعناتٍ موجعة: "سأتأكد من كل شيء، يا سارة. ولن يمرّ أي أمرٍ دون علمي."

تنهدت بعمق، وهي تتذكر تفاصيل لقاء "أحمد" الأخير. كان وجهه شاحباً، وعيناه تائهتان. "سارة، أنا في ورطةٍ كبيرة. شيءٌ قديمٌ عاد ليطاردني. وإذا انكشف، فإنه سيؤثر عليكِ أيضاً. أريد أن أحذركِ." لم يفصح عن المزيد، لكن الخوف الذي رآه في عينيه كان كافياً ليوقظ ألف قلقٍ في قلبها.

دخلت والدتها الغرفة، بملامحٍ متعبةٍ وعباءةٍ مطرزةٍ بخيوطٍ فضية. جلست بجانبها، ووضعت يدها على كتفها برفق. "ما الذي يشغل بالكِ يا ابنتي؟ أرى في عينيكِ ما لا تستطيعين البوح به."

تغلبت سارة على ريقها بصعوبة. "أمي، هل تعتقدين أن الأسرار يمكن أن تدوم للأبد؟ هل تعتقدين أن ماضينا يمكن أن يختفي تماماً؟"

نظرت إليها والدتها بحنانٍ ممزوجٍ بالحزن. "يا ابنتي، الماضي مثل النهر، قد يخفت جريانه أحياناً، لكنه لا يجف أبداً. والأسرار، إن كانت مدفونةً في قلوبٍ مؤمنة، فقد تبقى مدفونةً. ولكن إن سعت ريحٌ كاشفة، فسينكشف ما كان."

"ولكن ماذا لو كان هذا الكشف سيجلب الدمار؟ ماذا لو كان سيحطم كل شيء بنيناه؟" سألت سارة بصوتٍ مختنق.

"المؤمن لا يخاف من الحق، يا ابنتي. إن كان ما تخفينه بريئاً، فستجدين له مخرجاً. وإن كان فيه ما يستوجب الحساب، فالحمد لله الذي ستر عليكِ حتى الآن، ونسأل الله أن يتجاوز عن تقصيرنا."

في تلك اللحظة، اقتحم "يوسف" الغرفة، بعباءته السوداء التي تضفي عليه هالةً من الغموض، وعيناه الثاقبتان تبحثان في الأرجاء. وقف أمامها، ونبرته باردةً كصقيع الشتاء. "سارة، أريد أن أتحدث معكِ وحدنا. الآن."

لم تسمح له بالرد. سحبها من يدها، بلمسةٍ خاليةٍ من الحنان، وخرج بها إلى الشرفة، حيث كانت نسمات الليل الباردة تلفح وجوههما. كان صمت "يوسف" أبلغ من أي كلام. كانت عيناه تحملان شيئاً لم تره فيه من قبل: مزيجاً من الألم والشك والغضب المكتوم.

"لقد علمتُ شيئاً، يا سارة." قال أخيراً، وصوته يرتجف قليلاً. "شيءٌ يجعلني أشك في كل ما عرفته عنكِ، وعن حياتنا."

ارتعش جسد سارة. "ماذا تقصد؟"

"أحمد. رأيته. رأيتُه يقابلكِ. وبدا أن بينكما حديثاً ذا بال."

شعرت بأنها ستختنق. "كان ذلك صدفةً يا يوسف. قابلته بالصدفة. ولم يكن هناك شيءٌ خاص."

"الصدف في هذه الحياة، يا سارة، نادراً ما تكون صدفاً." سخر "يوسف" بمرارة. "هل لي أن أعرف ما هو هذا الحديث الذي لم يكن خاصاً؟ هل لي أن أعرف لماذا كان يبدو عليكِ القلق الشديد؟"

لم تجد سارة ما تقوله. لقد انحصرت الكلمات في حلقها. حاولت استجماع شجاعتها، استحضار تلك القوة التي كانت تعرف أنها كامنةٌ فيها، لكن الخوف كان أقوى.

"هل هناك شيءٌ تخفينه عني، يا سارة؟ شيءٌ يخص ماضيكِ، أو ماضي أحمد؟" سأل "يوسف"، وعيناه لا تفارقان عينيها، باحثاً عن أدنى علامةٍ للكذب.

"لا… لا شيء." قالت سارة بصوتٍ ضعيف.

"هل أنتِ متأكدة؟" استمر "يوسف"، مقترباً منها أكثر، حتى كادت أن تشعر بأنفاسه تلفح وجهها. "لأنني لن أسمح لأي شيءٍ بتهديد استقرارنا. لن أسمح لأي ماضٍ بأن يعود ليطفو على السطح ويشوه حاضرتنا."

وفجأة، تذكرت سارة كلمات والدتها: "إن كان ما تخفينه بريئاً، فستجدين له مخرجاً." هل كان ماضيها مع أحمد بريئاً؟ كان بريئاً في حد ذاته، لكن ارتباطه بحياة "يوسف" الآن، وبالمستقبل الذي نسجته له، هو ما جعل الأمر معقداً.

"يوسف…" بدأت سارة، بقلبٍ ينبض بعنف. "هناك شيءٌ يجب أن تعرفه. شيءٌ قديمٌ جداً."

كان هذا هو الاعتراف. كانت هذه هي اللحظة التي لم تستطع الفرار منها. كان هذا هو هدير العاصفة الذي طالما خشيت أن يأتي. كانت أسرار الماضي على وشك أن تنكشف، وأن تلقي بظلالها القاتمة على مستقبلٍ كانت تأمل أن يكون مشرقاً.

نظر إليها "يوسف" بانتظار. كانت عيناه تنتظران منها الصدق، أو الكذب. وفي تلك اللحظة، أدركت سارة أنها لم تعد تستطيع الكذب. لقد حان وقت الحقيقة، مهما كانت مؤلمة.

"أحمد… كان صديقي المقرب في صغري. بل أكثر من صديق. كانت هناك مشاعر… مشاعر طفولية، ربما. ولكنها كانت حقيقية." بدأت سارة، وصوتها يرتعش. "ثم اختفى فجأة، ولم أعرف عنه شيئاً لسنوات. وعندما عدتُ لمقابلته مؤخراً، اكتشفت أنه يواجه مشكلةً كبيرة… مشكلة قديمة تتعلق بأعمالٍ قامت بها عائلته في الماضي. وهو يشعر بالقلق من أن تخرج هذه المشكلة إلى النور، وأن تؤثر على كل من له علاقة به."

سكتت سارة، تلتقط أنفاسها. كانت ترى في وجه "يوسف" تعابير متغيرة. الغضب يتلاشى ليحل محله شيءٌ أقرب إلى الذهول، ثم إلى الشك العميق.

"وما علاقة هذا كله بي، يا سارة؟" سأل "يوسف" بنبرةٍ باردة، لكن هذه المرة ببطءٍ شديد، كما لو كان يحل لغزاً معقداً. "هل يهدد هذا أحمد عائلتي؟ هل يحاول التلاعب بكِ؟"

"لا، لا أبداً." سارعت سارة بالنفي. "هو فقط… يشعر بالذنب. ويريد أن يتأكد من أن لا أحد من الذين عرفهم سابقاً سيتأذى. لقد حاول أن يحذرني."

"أن يحذركِ؟ من ماذا؟"

"لا أعرف بالضبط. ولكن شعرتُ بخطورة الموقف. وشعرتُ أنه قد يكون هناك شيءٌ سيخرج إلى السطح ويؤثر على سمعة عائلتكِ، على عائلتي… وربما حتى على زواجنا."

تنهد "يوسف" بعمق، وأدار ظهره لها، ونظر إلى سماءٍ بدأت نجومها تطلّ. "أنتِ تقولين أن أحمد يخشى انكشاف أمرٍ قديمٍ له علاقة بعائلته. أمرٌ قد يؤثر على سمعتنا. وهذا أحمد، الذي كان لكِ معه ماضٍ، يعود ليقول لكِ هذا؟"

"نعم."

"وهل صدقتِ كل كلمةٍ قالها؟ هل صدقتِ أنه كان مجرد تحذير؟"

"لم أصدق كل شيء، ولكن شعرتُ بالقلق. وبأن هناك شيئاً يخفيه."

"وأنتِ، يا سارة، هل لديكِ ما تخفينه أيضاً؟"

اتسعت عينا سارة. "ماذا تقصد؟"

"هل كنتِ على علمٍ بهذا الأمر الذي يخشاه أحمد قبل اليوم؟ هل كان هناك تواصلٌ بينكما قبل هذه "الصدفة"؟"

"لا، أبداً. لم أعرف شيئاً."

"حسناً. إذاً، دعيني أضع الأمور في نصابها." قال "يوسف" ببطء، وعاد لينظر إليها. "أنا بحاجةٍ إلى معرفة كل شيء. كل حرف، كل كلمة، كل تفصيل. ولن أقبل بأقل من ذلك. وإذا اكتشفتُ أنكِ أخفيتِ عني شيئاً، أو أن هناك ما هو أبعد من مجرد 'مشاعر طفولية'، فسيكون الأمر مختلفاً جداً، يا سارة. لن تكون هناك حدودٌ أخرى."

كانت كلماته بمثابة حكمٍ بالإعدام على آمالها. لقد وصلت إلى نقطة اللاعودة. إما أن تصدق "يوسف" في كل كلمةٍ تقال، وإما أن تواجه عواقب وخيمة. كانت تلك هي لحظة الحقيقة، لحظةٌ ستحدد مسار حياتها، ومستقبل زواجها، ومصير علاقتها بالرجل الذي أقسمت له بالولاء. وكان الظلام يتزايد، حاملاً معه تهديداتٍ لم تستطع سارة فهم مداها بعد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%