حب بلا حدود 173
الشوق إلى الطهر
بقلم مريم الحسن
تتوالى الأيام، حاملةً معها ثقل الشوق ورنين الذكريات. في غرفتها الوارفة، حيث يتسلل نور الشمس خجولاً عبر ستائرها المخملية، جلست "لينا" على مقعدها المفضل قرب النافذة، تتأمل في وجه السماء المتغير، وكأنها تبحث فيه عن إجابات لطالما عصت عليها. لم تكن الألوان الباهتة للسماء تبعث في نفسها الطمأنينة، بل زادتها وهماً وضياعاً. كان قلبها كطائر مذبوح، يرفرف بجناحيه المكسورين في محاولة يائسة للتحليق، لكن قيود الواقع كانت أثقل من أن تتغلب عليها.
تذكرت عبارات "حمزة" الأخيرة، كلماته التي كانت كسهامٍ اخترقت صدرها، لم يكن كلامه قسوة، بل كان حقيقة مرة، مرارةٌ أدت بها إلى إدمانٍ مظلم. إدمانٌ على وهم، على خيالٍ نسجته حوله، وعلى ما تخيلت أنه سيكون. لقد أصبحت أسيرةً لوهجٍ زائف، أضاء لها دروباً وهمية، وحين انطفأ، وجدت نفسها في صحراء قاحلة، لا تعرف كيف السبيل للخروج منها.
هذه الرغبة الملحة، هذا الشوق العميق إلى "حمزة"، لم يكن حباً طاهراً نابعاً من علاقةٍ مقدسة، بل كان تملكاً، شهوةً جامحةً لمنفردٍ بالروح، استوطن فيها حتى أضحت خليةً صغيرةً لا تتسع إلا لطيفه. لقد أغفلته، نسته، أصبحت تتنفس عبيره فقط، حتى اختنق الأكسجين حولها.
في مساء ذلك اليوم، حين غابت الشمس خلف الأفق، وأسدلت المدينة سدول الليل، لم تستطع "لينا" أن تقاوم. نهضت من مكانها، خطواتها مترددة، تسير باتجاه مكتب والدها، حيث تحتفظ بزجاجة عطرٍ قديم، ذي رائحةٍ قويةٍ ومميزة، كان يستخدمها والدها في المناسبات الخاصة. لقد أصبحت هذه الزجاجة بالنسبة لها كتعويذة، حين تشم رائحتها، تشعر وكأنها تقترب من "حمزة"، وكأنها تستحضر روحه.
فتحت الزجاجة، استنشقت العطر بعمق. لم يكن عطر والدها، بل كان عطراً أهدته إياه "فاطمة"، أخت "حمزة" غير الشقيقة، قبل فترةٍ من الزمن. كان عطراً رجولياً، لكنها حين أهدته لـ"لينا"، قالت لها ممازحةً: "إنه عطرٌ جميل، ربما يعجب حمزة يوماً ما." كانت كلماتٌ عادية، بريئة، لكنها في ذهن "لينا" المتوهج، حملت ألف معنى.
تغلغل العطر في أنفها، ثم في رئتيها، ثم في أركان روحها. أحست بدوارٍ خفيف، بشعورٍ غريبٍ يغمرها. لقد أصبح هذا العطر هو الوسيط، القنطرة التي تعبر بها إلى عالم "حمزة" الوهمي. كلما شمته، زاد شغفها، وزادت رغبتها في اللقاء.
في ذات الليلة، وبعد أن استنفدت كل السبل لتهدئة جنونها، قررت "لينا" أن تفعل شيئاً قد يدمر كل شيء. أمسكت هاتفها، وعينها ترتعش، بدأت تكتب رسالةً إلى "حمزة". كانت الكلمات تتناثر على الشاشة، لا منطق لها، لا ترتيب، فقط تعابير عن شوقٍ جامح، وعن رغبةٍ عارمةٍ في رؤيته.
"حمزة، قلبي يعتصر ألماً. لا أستطيع أن أتنفس بعيداً عنك. عطرٌ أملكُه، عطرٌ يذكرني بك، يذكرني بتلك اللحظات.. أرجوك، دعني أراك. مجرد لقاءٍ قصير، لن أزعجك، لن أتحدث، فقط سأنظر إليك."
بعد أن كتبت الرسالة، ترددت. أيعقل أن تفعل هذا؟ أيعقل أن تسقط إلى هذا الهاوية؟ لكن الشوق كان أعمق، والرغبة أشد. بضغطة زر، أرسلت الرسالة.
في الطرف الآخر من المدينة، كان "حمزة" يتأمل النجوم من شرفة منزله. كان يرتدي ملابس نومٍ بسيطة، وتفكر بعمق في الأحداث الأخيرة. كان يشعر بنوعٍ من التضارب الداخلي، فهو لم يكن سعيداً بما حدث، لكنه في نفس الوقت، كان يشعر بنوعٍ من الرضا لأنه استطاع أن يحافظ على مبادئه.
استقبلت هاتفه رسالةً. فتحها بفضول. قرأ الكلمات، ثم أعاد قراءتها. شعر بغضبٍ خفيف، ثم بشيءٍ من الحزن. لقد رأى في رسالة "لينا" ضعفاً، افتقاراً إلى القوة، وهي صفاتٌ كان يخشى أن تتملكها.
"لا أستطيع أن أتنفس بعيداً عنك." كانت هذه العبارة بالذات هي التي أثارت فيه القلق. هل يصل الأمر بـ"لينا" إلى هذا الحد؟ هل أصبحت بهذه الهشاشة؟
فكر في إجابةٍ قاسية، في ردٍ يقطع دابر هذه العلاقة قبل أن تتفاقم. لكن صورة "لينا" كانت تومض في ذهنه، صورة تلك الفتاة الرقيقة، التي كان يرى فيها بذرة خيرٍ عظيمة. هل كان مخطئاً في حكمه عليها؟ هل كانت مجرد ضحية ظروف؟
شعر بالمسؤولية. لقد كان جزءاً من هذه القصة، وإن كان دورُه محايداً نسبياً. لم يستطع أن يتجاهل تماماً أثر كلماته عليها.
بعد تفكيرٍ طويل، وبقلبٍ مثقل، قرر أن يرد. لم يرد عليها برسالةٍ مباشرة، بل اتصل بـ"أخته" "فاطمة"، وهي أقرب الناس إلى "لينا" بعد والدتها.
"فاطمة، هل أنتِ مستيقظة؟" سأل "حمزة" بصوتٍ هادئ. "حمزة؟ خير، هل كل شيء على ما يرام؟" أجابت "فاطمة" بصوتٍ متعب. "لينا.. لقد أرسلت لي رسالةً غريبة. تبدو فيها مضطربةً جداً." "مضطربة؟ كيف؟" "تتحدث عن شوقٍ وعن عدم قدرةٍ على التنفس.. أنا قلقٌ عليها. هل يمكنكِ التحدث إليها؟ ربما تكون بحاجةٍ إلى نصيحةٍ منك." "بالطبع. سأتحدث إليها غداً. لا تقلق."
أنهى "حمزة" المكالمة، وشعر بأن ثقلاً قد أزيح عن كاهله. لقد سلم الأمر إلى أخته، فهي الأقدر على فهم "لينا" وتقديم المساعدة اللازمة. أما هو، فكان عليه أن يبتعد، وأن يحافظ على مسافته، لكي لا يزيد الأمر تعقيداً.
في هذه الأثناء، لم تستطع "لينا" النوم. كانت تنتظر رداً من "حمزة"، أي ردٍ. كل دقيقةٍ تمر، كانت تبدو كأنها دهر. حين رأت أن هاتفه لم يأتِ بأي ردٍ، شعرت بخيبةِ أملٍ مريرة. أخذت زجاجة العطر مرةً أخرى، وشمتها بشغفٍ أكبر، وكأنها تبحث عن عزاءٍ في رائحةٍ لم تعد تجلب لها سوى المزيد من الألم. لقد بدأت تدرك، ولو بصعوبة، أن هذا الإدمان لم يكن سوى طريقٍ مظلم، يقود بها إلى الهلاك. لكن هل كانت لديها القوة الكافية للخروج منه؟