الفصل 6 / 25

حب بلا حدود 173

قناع اليقين

بقلم مريم الحسن

واصلت "لينا" غرقها في بحر الشوق، تغذيته برائحة العطر الذي أصبح كالمخدر، يغيبها عن واقعها الأليم. في كل مرةٍ تشمه، كانت تشعر بأنها تقترب من "حمزة"، تتلمس دفء حضوره الوهمي، تتنفس عبير الأمل الزائف. لكن هذا الأمل سرعان ما كان يتبدد، تاركاً وراءه فراغاً أعمق، وألماً أكبر. لم تعد تفيق إلا على صدى كلماتها اليائسة، على حوارٍ داخليٍ لا ينتهي، بين رغبتها الجامحة وبين صوتٍ خافتٍ من عقلها يحذرها.

كانت تستيقظ كل صباحٍ وهي تشعر بثقلٍ على صدرها، بثقلِ الشعور بالذنب، وبالخجل من نفسها. كيف وصلت إلى هذه الحال؟ كيف سمحت لنفسها بأن تصبح أسيرةَ وهم؟ كانت تتذكر أيامها الخوالي، أيام البراءة، حين كانت أحلامها بسيطة، وتطلعاتها نقية. أين ذهبت تلك "لينا"؟ هل ضاعت للأبد في دهاليز هذا التعلق المريض؟

في إحدى الليالي، بينما كانت تتأمل وجه القمر الباهت، شعرت بشيءٍ غريبٍ يتسلل إلى روحها. لم يكن مجرد شوقٍ، بل كان إدراكاً مؤلماً. أدركت أن "حمزة" لم يكن يوماً ملكاً لها، وأن تعلقها به بهذه الطريقة لم يكن إلا ضرباً من العناد، وتحدٍّ لدينها وقيمها.

تذكرت نظرات "حمزة" المتفحصة، كلماته التي كانت تحمل الكثير من الجدية والوقار. لم يكن رجلاً عابثاً، بل كان يمثل لها القوة، والاستقرار، والأمان. لكنها، بتهورها، استطاعت أن تهز هذه الصورة، وأن تجعل نفسها تبدو ضعيفةً، متشبثة.

"لماذا أفعل هذا بنفسي؟" تساءلت بصوتٍ خافت، يكاد لا يُسمع. "لماذا أبحث عن الخراب؟"

في تلك اللحظة، شعرت بأنها تقف على مفترق طرق. طريقٌ يؤدي إلى المزيد من الانحدار، وطريقٌ آخر، وإن كان شاقاً، يؤدي إلى النجاة. هل تمتلك القوة الكافية لاختيار الطريق الصحيح؟

في صباح اليوم التالي، استيقظت "لينا" على صوتِ طرقٍ على باب غرفتها. كانت "فاطمة"، أخت "حمزة". جاءت "فاطمة" بقلبٍ مثقل، بعد أن تحدثت إلى "حمزة" في الليلة السابقة. كانت "فاطمة" الشقيقة الكبرى، والحكيمة، التي لطالما لجأت إليها "لينا" في أوقات الشدة.

"صباح الخير يا حبيبتي." قالت "فاطمة" وهي تدخل الغرفة، وعيناها تبحثان عن علامات الإرهاق والضيق في وجه "لينا". "صباح النور يا فاطمة." ردت "لينا" بصوتٍ ضعيف. "كيف حالك اليوم؟" سألت "فاطمة" بابتسامةٍ حانية. "بخير، الحمد لله." كذبت "لينا" بقلبٍ واجف. "هل أنتِ متأكدة؟" أصرت "فاطمة". "حمزة أخبرني أنكِ تشعرين بالضيق. هل هناك شيءٌ يزعجك؟"

وقفت "فاطمة" في منتصف الغرفة، تتأمل "لينا" بعينين تحملان خليطاً من القلق والحكمة. كانت "فاطمة" امرأةً قوية، هادئة، تملك من الخبرة ما يكفي لتفهم أسرار القلوب. كانت تعرف أن "لينا" تخفي شيئاً، وأن هذا الشيء يثقل كاهلها.

"يا لينا،" بدأت "فاطمة" بجدية، "أنا أعرف أنكِ تمرّين بفترةٍ صعبة. وأعرف أنكِ تبحثين عن السعادة، وعن الأمان. ولكنني أخشى أنكِ تبحثين عنهما في المكان الخطأ."

ارتعش جسد "لينا" قليلاً. هل عرفت "فاطمة" سرها؟ هل عرفت عن إدمانها لشوق "حمزة"؟

"لا أدري ماذا تقصدين يا فاطمة." قالت "لينا" محاولةً أن تبدو طبيعية. "أعرف أنكِ متعلقةٌ بـ"حمزة"." قالت "فاطمة" بهدوء، مما جعل "لينا" تشعر بأن الأرض قد انشقت لتبتلعها. "ولكن هذا التعلق، بهذه الطريقة، ليس صحياً. إنه يستهلككِ، ويضعكِ في موقفٍ ضعيف."

"ولكنني.. ولكنه.. هو..!" حاولت "لينا" أن تدافع عن مشاعرها، لكن الكلمات خذلتها. "يا عزيزتي،" قطعت "فاطمة" حديثها بحنان، "الحب الحقيقي، الحب الطاهر، يبنى على أسسٍ متينة. على الاحترام، وعلى المودة، وعلى التوافق الروحي. أما هذا الشوق العارم، هذا التملك، فهو ليس حباً، بل هو نوعٌ من الإدمان. إدمانٌ على صورةٍ رسمتها في ذهنك، على وهمٍ قد لا يكون له وجود."

كانت كلمات "فاطمة" كبلسمٍ باردٍ على جرحٍ غائر. كانت صادقة، لكنها موجعة. شعرت "لينا" برغبةٍ عارمةٍ في البكاء، في إخراج كل ما يعتمل في صدرها.

"أنا.. أنا لا أعرف كيف أتصرف." اعترفت "لينا" بصوتٍ متهدج. "أشعر وكأنني غارقة. لا أستطيع التنفس."

"هذه هي نقطة البداية يا لينا." قالت "فاطمة" بابتسامةٍ مشجعة. "الاعتراف بالضعف هو أول خطوةٍ للقوة. أنتِ لستِ وحدكِ. أنا معكِ، و"حمزة" أيضاً، رغم أنه قد لا يظهر ذلك، لكنه يهتم لأمركِ."

"حمزة؟" استغربت "لينا". "ولكنه..!" "حمزة رجلٌ طيب، ولديه مبادئ. هو لم يكن يريد إيذاءكِ، ولكنه أراد أن يضع حداً لما كان يحدث. ربما كانت طريقته قاسية، لكن نيته كانت صادقة."

أخذت "فاطمة" بيد "لينا" وجلست بجانبها. "يا لينا، أنتِ فتاةٌ جميلة، وذكية، ولديكِ قلبٌ طيب. لا تدعي هذا التعلق المريض يسرق منكِ مستقبلك. هناك الكثير من الخير في حياتك، الكثير من الفرص. عليكِ فقط أن تفتحي عينيكِ، وأن تري الأمور بوضوح."

"ولكن كيف؟ كيف أتخلص من هذا الشعور؟" سألت "لينا" وهي تشعر ببعض الأمل يتسلل إلى قلبها. "بالتدريج. أولاً، توقفي عن شم هذا العطر. إنه ليس سحراً، بل هو مجرد رائحةٍ تذكركِ بوهم. ثانياً، حاولي أن تشغلي نفسكِ. اقرئي، تعلمي شيئاً جديداً، مارسي هواياتكِ القديمة. ابتعدي عن الأفكار التي تعيدكِ إلى الوراء."

"وهل.. هل سأنسى "حمزة"؟" سألت "لينا" بصوتٍ مرتجف. "لن تنسي، ولكنكِ ستتجاوزين. الحب الحقيقي يأتي في وقته، ومن الشخص المناسب، وبالطريقة الصحيحة. الحب الذي تبحثين عنه، الحب الطاهر، هو الذي يجعلكِ أقوى، وليس الذي يضعفكِ."

قضت "فاطمة" ساعاتٍ طويلة مع "لينا"، تتحدث إليها، تنصحها، وتدعمها. كانت "فاطمة" ترى في "لينا" ابنةً، وفي "حمزة" أخاً، وكانت تأمل أن تجمع بينهما السعادة يوماً ما، ولكن بالطريقة الصحيحة.

عندما غادرت "فاطمة"، شعرت "لينا" بنوعٍ من السلام الداخلي. كانت لا تزال تشعر بالألم، لكن الألم كان ممزوجاً بالأمل. لقد بدأت تدرك أنها كانت ترتدي قناع اليقين، وأن هذا القناع كان يخفي ضعفاً عميقاً. الآن، قررت أن تخلع هذا القناع، وأن تواجه نفسها، وأن تبدأ رحلة الشفاء.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%