حب بلا حدود 173
ظلال الماضي
بقلم مريم الحسن
كانت الأيام التالية محفوفةً بالصعاب. لم تكن "لينا" لتتخلى عن إدمانها فوراً. كانت الروح كالحقل، تحتاج إلى وقتٍ وجهدٍ لتنظيفها من الأعشاب الضارة. في كل مرةٍ كانت تشعر فيها بوخزةٍ من الشوق، كانت تمسك بزجاجة العطر، تتأرجح بين رغبتها في استنشاقه وبين نصائح "فاطمة" التي كانت كالنور في الظلام.
في إحدى الليالي، بينما كانت تجلس وحدها، وغرفة المعيشة شبه مظلمة، استولت عليها ذكرياتٌ قديمة، ذكرياتٌ لم تعد تتذكرها إلا في لحظات ضعفها. ذكرياتٌ تتعلق بوالدها، بطفولتها، وبصراعاتٍ عائليةٍ دفنتها في أعماق نفسها.
كان والدها، "السيد فؤاد"، رجلاً ذا هيبةٍ، ولكن بخيلاً في إظهار مشاعره. لقد كان مثالاً للرجل الشرقي الذي يعتقد أن القوة تكمن في الصلابة، وأن إظهار العواطف هو ضعف. كانت "لينا" دائماً تشعر بالمسافة بينها وبينه، مسافةٌ لم تستطع سدها بكلماتٍ أو بلفتات.
تذكرت حين كانت صغيرة، كيف كانت تحلم بأن يحتضنها، أن يقول لها أنه يحبها. لكنه كان يكتفي بمنحها كل ما تحتاج إليه مادياً، معتبراً أن هذا هو أقصى درجات الحب.
ذات يوم، حين كانت في مرحلة المراهقة، وبينما كانت تعاني من مشكلةٍ دراسيةٍ كبيرة، لجأت إليه طلباً للمساعدة. لكنه، بدل أن يحتضنها ويطمئنها، وبدلاً من أن يشرح لها بلطفٍ كيف تتجاوز الصعاب، نظر إليها ببرودٍ وقال: "لا أريد أن أرى دموعكِ. ابحثي عن حلٍ لمشكلتكِ بنفسكِ. القوة لا تأتي بالبكاء، بل بالعمل."
كانت تلك الكلمات كالصقيع، جمدت قلبها الصغير. في تلك اللحظة، شعرت بأنها فقدت دفء الأبوة، وأنها أصبحت وحيدةً في مواجهة العالم. منذ ذلك اليوم، بدأت "لينا" تبني حول نفسها جداراً من الصلابة، جداراً كانت تعتقد أنه سيحميها من الأذى.
لكن هذا الجدار، بدل أن يحميها، أصبح سجناً. أصبح يمنعها من الشعور، ومن التعبير عن مشاعرها، ومن بناء علاقاتٍ صحية. لقد تعلمت أن تخفي ضعفها، وأن ترتدي قناع القوة، حتى عندما كانت تشعر بالألم العميق.
والآن، حين أصبحت متعلقةً بـ"حمزة" بهذه الطريقة، كانت تلك الجدران تتصدع. كانت تشعر بحاجتها الماسة إلى الدفء، إلى الأمان، إلى الحب غير المشروط. لكنها، بفعل تربيتها، لم تعرف كيف تحصل على ذلك، إلا بطرقٍ خاطئة، بطرقٍ تزيدها انغماساً في الألم.
شعر "حمزة" بدوره، بأن هناك شيئاً ما يزعجه. لم تكن مجرد مسألة "لينا" وشوقها. كان يشعر بقلقٍ عميقٍ تجاهها، وبشعورٍ غامضٍ بأن قصتها لم تكن بهذه البساطة. لقد لاحظ في حديثه مع "فاطمة" بأن "لينا" كانت تتحدث عن ذكرياتٍ مؤلمة، عن شعورٍ بالوحدة.
قرر "حمزة" أن يقوم ببحثٍ بسيط. لم يكن يريد التطفل، لكنه أراد أن يفهم. بدأ بالحديث مع بعض أصدقاء العائلة القدامى، دون أن يذكر اسم "لينا" بشكلٍ مباشر، محاولاً أن يستشف طبيعة حياة "السيد فؤاد" وعلاقته ببناته.
اكتشف "حمزة" أن "السيد فؤاد" كان رجلاً ذا سمعةٍ طيبةٍ في مجتمعه، لكنه كان صارماً في تربيته، ولم يكن معروفاً بتقديمه الحنان لبناته. كانت "لينا" هي الأصغر، والأكثر حساسية، ولذلك ربما تأثرت بأسلوب تربيته أكثر من أختيها الأكبر منها.
كلما اكتشف "حمزة" المزيد، كلما زاد شعوره بالشفقة تجاه "لينا". لم يعد الأمر مجرد إعجابٍ أو حبٍ بريء، بل أصبح يحمل في طياته شعوراً بالمسؤولية. كان يرى في "لينا" فتاةً تحتاج إلى من يحتضن ضعفها، لا من يتجاهله.
وفي هذه الأثناء، كانت "لينا" تتصارع مع أشباح ماضيها. بدأت تشعر بأن إدمانها لـ"حمزة" ليس سوى محاولةٍ يائسة لملء الفراغ الذي تركه والدها في قلبها. كانت تبحث عن الأمان، عن القوة، عن الحب الذي لم تحصل عليه.
في يومٍ من الأيام، وبينما كانت تتصفح ألبومات الصور القديمة، وجدت صورةً لها وهي طفلةٌ صغيرة، تجلس في حضن والدتها. كانت "والدتها"، "السيدة عائشة"، امرأةً حنونة، وطيبة، توفيت وهي صغيرة. كانت "لينا" تتذكر والدتها بصعوبة، لكنها كانت تتذكر دفء حضنها، ورائحة عطرها.
لم يكن عطر والدتها هو نفسه العطر الذي كانت تستخدمه الآن. بل كان عطراً مختلفاً، عطرٌ نسائي، ناعم، يذكرها بالحب غير المشروط. حين شمته "لينا"، شعرت بشيءٍ من الراحة، بشيءٍ من الحنين.
"يا أمي،" همست "لينا" والدموع تتجمع في عينيها، "لو كنتِ هنا، هل كنتِ ستفهمني؟ هل كنتِ ستساعدينني؟"
في تلك اللحظة، أدركت "لينا" أن إدمانها لـ"حمزة" لم يكن سوى صدىً لشوقها المكبوت لوالدتها. كانت تبحث عن البديل، عن شخصٍ يعوضها عن الحنان الذي افتقدته.
لكن "حمزة" لم يكن والدها، ولم يكن والدتها. كان رجلاً، ورجلاً ينوي أن يتقدم لخطبتها بالطريقة الشرعية، إذا كانت الأمور تسير على ما يرام. كان لديه دورٌ مختلفٌ في حياتها، دورٌ كان يجب أن يكون مبنياً على الحب، والاحترام، لا على سد الفراغ.
أخذت "لينا" زجاجة العطر التي تذكرها بـ"حمزة"، ونظرت إليها طويلاً. ثم، ببطء، وضعتها في قاع حقيبتها، في مكانٍ لا يمكنها الوصول إليه بسهولة. لقد كانت بدايةً صغيرة، لكنها كانت بدايةً مهمة. لقد بدأت تدرك أن الشفاء يتطلب مواجهة كل الظلال، ظلال الماضي، وظلال الحاضر.