حب بلا حدود 173
همسات الشوق في حديقة الياسمين
بقلم مريم الحسن
تسللت أشعة الشمس الأولى، كسِهامٍ ذهبيةٍ تخترق ستائر غرفتها البسيطة، لتوقظ "ليلى" من سباتها العميق. فتحت عينيها ببطء، تتلمس خيوط الواقع المتشابكة. الأمس كان يوماً ثقيلاً، مثقلاً بمشاعر مختلطة، بين سعادةٍ خجولةٍ خالجت قلبها عند سماع كلمات "أحمد" الرقيقة، وقلقٍ يتسلل إليها من فكرة المستقبل. استقامت جالسةً، وقد لاحت على وجهها علامات التفكير. مدّت يدها لتلامس خصلة شعرٍ انزلقت على جبينها، ثم رفعتها لتثبتها خلف أذنها. ما زالت صورة "أحمد" تتردد في ذهنها، ابتسامته الهادئة، نظراته المليئة بالصدق والاحترام. كان حديثه عن المستقبل، عن بناء بيتٍ عامرٍ بالألفة والمودة، يزرع في قلبها بذرة أملٍ كانت قد قاربت على الذبول.
نهضت من سريرها، وقد قررت أن تبدأ يومها بنشاطٍ يتجاوز هموم الأمس. اتجهت نحو النافذة، لتفتحها على مصراعيها، مستنشقةً عبير الياسمين الذي فاح من الحديقة الصغيرة. كان الياسمين رمزاً في عائلتها، ينمو ويزهر دائماً، بغض النظر عن تقلبات الفصول. تذكرت جدتها، رحمها الله، التي كانت تحب زراعة الياسمين والعناية به، وتقول لها دائماً: "يا ابنتي، الياسمين يحتاج إلى صبرٍ ورعاية، مثله مثل أي حبٍ أصيل. فلا تستهيني بقوته الناعمة."
في تلك اللحظة، سمعت صوت والدتها من الخارج يناديها: "ليلى، يا ابنتي، هل استيقظتِ؟ أحضرت لكِ بعض الفاكهة الطازجة."
أجابت بصوتٍ فيه دفءٌ ظاهر: "نعم يا أمي، قادمة."
ارتدت ثوبها، واتجهت نحو المطبخ حيث وجدت والدتها، السيدة "فاطمة"، تضع طبقاً من التوت والعنب والكرز على المائدة. كانت والدتها سيدةً فاضلة، تتمتع بحكمةٍ ورزانةٍ اكتسبتها من تجارب الحياة.
ابتسمت ليلى قائلة: "بارك الله فيكِ يا أمي، ما أحلى هذا الصباح!"
جلست بجانبها، وبدأت تتناول الفاكهة، بينما كانت والدتها تتحدث عن استعدادات زواج ابنة عمها، "سارة".
قالت السيدة فاطمة: "غداً سيكون موعد عقد قران سارة وأحمد. نسأل الله لهما التوفيق والسعادة. لقد جهزنا كل شيء، والمنزل يفيض بالفرح. أتمنى أن نرى قريباً فرحتكِ يا ليلى."
شعرت ليلى بوخزةٍ خفيفةٍ في قلبها عند ذكر "أحمد" الآخر، زوج سارة المستقبلي. ورغم أن الأمر لا يعنيهم مباشرة، إلا أن تكرار اسم "أحمد" في سياقاتٍ مختلفةٍ كان يثير في نفسها شعوراً غريباً.
قالت ليلى بتكتمٍ: "إن شاء الله يا أمي، كل شيءٍ بأوانه."
فهمت والدتها نظرتها، وأدركت أن هناك أموراً تشغل بال ابنتها. وضعت يدها بحنانٍ على يد ليلى وقالت: "يا ابنتي، أعرف أن ما حدث بينكِ وبين أحمد، ابن عم والدكِ، لم يكن بالأمر الهين. ولكني أقول لكِ دائماً، الله لا يبتلي عبده إلا ليقربّه، وليختبر صبره. وقد رأيتِ في أحمد ما يدل على طيب أصله وحسن خلقه. ورغم أن الأمر انتهى، إلا أننا لا نغلق الأبواب أمام الخير."
تنهدت ليلى وقالت: "كانت كلماتٍ قوية يا أمي. لا أنساها."
"وقد سمعتِ ما كان يدور في خاطره. ليس كل ما يقال في لحظة غضبٍ يعكس الحقيقة الكاملة. أنتِ فتاةٌ ذكيةٌ، ولديكِ قلبٌ طيب. أعرف أنكِ ستقررين ما فيه خيركِ وصلاحكِ."
ارتدت ليلى ثوبها، وقررت أن تذهب إلى دار جدتها، السيدة "عائشة"، التي كانت تقضي فيها معظم وقتها. جدتها كانت ملاذها الأول، ومصدر حكمتها.
حين وصلت ليلى إلى دار جدتها، وجدتها تجلس في شرفتها المطلة على حديقةٍ مزهرة. كانت رائحة الورد تفوح في المكان، والهدوء يسود الأجواء.
"السلام عليكِ يا جدتي."
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، يا زهرة البيت. تفضلي يا حبيبتي."
احتضنتها جدتها بحرارة، ثم جلست بجانبها.
"ما الذي أتى بكِ في هذا الوقت المبكر يا ليلى؟ هل هناك ما يشغل بالكِ؟"
لم تستطع ليلى كبت ما في قلبها، فبدأت تحكي لجدتها كل ما دار بينها وبين "أحمد" في الأمس. كانت جدتها تستمع إليها بصبرٍ وهدوء، تتخلل حديثها أحياناً إيماءاتٍ تعبر عن تفهمها.
حين انتهت ليلى من حديثها، قالت جدتها وعيناها تلمعان بالدفء: "يا ابنتي، إن القلوب تتعلق بمن أحسن إليها، وبمن يشعرها بالأمان. ما سمعتِه من أحمد ليس بالكلام الهين، ولكنه أيضاً لم يكن إلا اعترافاً ضمنياً بما كان يكنّه لكِ. الرجل الصادق قد يخطئ في التعبير، ولكنه لا يخفي صدق مشاعره."
"ولكن كيف يا جدتي؟ لقد قال أشياءً تجعلني أشك في كل شيء."
"الشيطان يوسوس ليُفسد بين الناس، وهو يسعى لإثارة الشكوك والظنون. أحمد شابٌ طيبٌ، ورأيتُ فيه الخير منذ أن عرفته. إن كان كلامه فيه قوة، فربما كان يريد أن يوصل لكِ رسالةً قويةً، رسالةً تقول إن مشاعره تجاهكِ أعمق مما تتخيلين، وأنه يخشى أن يضيع منكِ. أحياناً، الخوف من الخسارة يجعلنا نقول ما لا نحتسب."
فكرت ليلى فيما قالته جدتها. هل يمكن أن يكون "أحمد" قد عبر عن خوفه بهذه الطريقة؟ إنها تفكر في كلماته، في تلك النظرات التي جمعت بين العتاب والرجاء.
"ولكن يا جدتي، ماذا عن المستقبل؟ كيف نعود إلى الوراء؟"
"العودة إلى الوراء ليست دائماً هي الحل. أحياناً، علينا أن ننظر إلى الأمام، وأن نبني جسراً فوق الماضي. إن كان في قلب أحمد شيءٌ صحيحٌ، فربما يستحق هذا الشيء فرصةً. أنتِ لم تظلميه، ولم يكن بينكما ما يمنع من الحديث. المسألة الآن، هل أنتِ مستعدةٌ لأن تسمحي له بتوضيح الأمور؟"
صمتت ليلى، وهي تتأمل بحرصٍ في كلمات جدتها. كانت تشعر بتناقضٍ داخليٍ عميق. جزءٌ منها لا يزال يتألم من كلمات الأمس، والجزء الآخر يبدأ يشعر بتيارٍ خفيٍ يدفعه نحو فهمٍ أعمق، نحو احتمالٍ قد يكون فيه سعادةٌ لم تتوقعها.
"لا أعرف يا جدتي. أشعر بالحيرة."
"الحيرة طريقٌ طبيعيٌ حين تقف المرء أمام مفترق طرق. ولكن تذكري دائماً، الصلاة والاستخارة تفتحان أبواب الفهم. تحدثي مع الله، وهو دليلُك. والأهم، استمعي إلى صوت قلبكِ. قلبكِ لم يكذب عليكِ من قبل."
بعد أن ودعت جدتها، عادت ليلى إلى منزلها. جلست في غرفتها، وهي تشعر بثقلٍ أكبر، ولكنه ثقلٌ ممزوجٌ بالأمل. أخذت مصلاها، وبدأت تصلي. في كل سجدةٍ، كانت تطلب من الله أن يرشدها إلى الطريق الصحيح، أن يوفقها لما فيه خيرها وصلاحها.
وبينما هي جالسةٌ، تتلو أذكار الصباح، رن هاتفها. كان رقماً غير مسجل. ترددت قليلاً، ثم أجابت.
"مرحباً؟"
صوتٌ رجوليٌ هادئٌ أجاب: "ليلى؟"
تعرفت على الصوت فوراً. كان "أحمد".
"نعم، أنا ليلى."
"أتمنى ألا أكون قد أزعجتكِ. أردتُ فقط أن أتحدث معكِ قليلاً. ما حدث بالأمس... لم يكن ما أردتُ قوله بهذا الشكل."
شعرت ليلى بقلبها يخفق بقوة. صوت "أحمد" كان أكثر هدوءاً وحزناً هذه المرة.
"لقد سمعتكَ جيداً."
"أعرف ذلك. ولهذا السبب أنا أتصل. كنتُ في حالةٍ من الارتباك والخوف، ولم أحسن التعبير. أخشى أن أكون قد سببتُ لكِ ألماً، وهذا آخر ما كنتُ أتمناه."
"كلماتكَ كانت قوية."
"وأعلم ذلك. ولكن صدقيني، لم يكن في قلبي إلا كل احترامٍ وتقديرٍ لكِ. كل ما قلته... كان نابعاً من مكانٍ عميقٍ بداخلي، مكانٍ يخشى أن تبتعدي. أرجوكِ، هل تسمحين لي بأن أشرح لكِ ما كان يدور في ذهني؟ ربما في مكانٍ هادئ، بعيداً عن ضغوط الأمس؟"
نظرت ليلى إلى مصلاها، ثم إلى نافذتها التي يداعب نسيمها ستائرها. صوت جدتها يتردد في أذنيها: "استمعي إلى صوت قلبكِ."
شعرت بقلبها يميل نحو الاستماع. ربما كانت جدتها على حق. ربما كان هناك ما يستحق أن يُقال، وأن يُفهم.
"حسناً." أجابت ليلى بصوتٍ ثابت. "أين تريد أن نلتقي؟"
انتهت مكالمة "أحمد" وليلى، تاركةً وراءها هدوءاً مشوباً بترقبٍ كبير. كانت ليلى قد اتخذت قراراً، قراراً قد يغير مجرى حياتها.
"فلنلتقِ في حديقة الياسمين، بالقرب من منزل جدتي. غداً، بعد صلاة العصر. ما رأيكِ؟"
"حديقة الياسمين؟ ستكون أجمل بكثير بوجودكِ فيها. غداً، بعد صلاة العصر. شكراً لكِ يا ليلى. شكراً لأنكِ منحتيني هذه الفرصة."
أغلقت ليلى الهاتف، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامةٌ خفيفة، لا تخلو من قلقٍ خفي. حديقة الياسمين... مكانٌ يحمل ذكرياتٍ كثيرة. هل ستكون هذه الحديقة شاهداً على بدايةٍ جديدة؟ أم ستشهد على فصلٍ جديدٍ من الأحزان؟ المستقبل وحده كفيلٌ بالإجابة.