حب في الظلام 174
همسات الليل على شاطئ الوحدة
بقلم ليلى الأحمد
كانت موجات البحر تهمس بأسرارها العتيقة لشاطئٍ اختارته الوحدة مستقرًا لها. لم يكن البحر مجرد مسطح مائي هادر، بل كان مرآةً لروحٍ تعيش في أعمق أعماقها. كانت "ليلى"، وهي فتاةٌ في مطلع عقدها الثالث، تقف على حافة الرمال الرطبة، ترتشف من برودة النسيم العليل التي تلامس وجهها بشغف. لم يكن هذا الشاطئ مجرد مكانٍ للفرار من صخب الحياة، بل كان ملاذها، ملجأها الذي تحتضنه في جوف الليل، بعيداً عن عيونٍ قد لا تفهم عمق حزنها أو سرّ شغفها.
كانت الأصابع ترتعش قليلاً وهي تمسك بيدها بجهازٍ يضيء بشاشته الخافتة، يرسم خريطةً دقيقةً لنجومٍ تتلألأ في سماءٍ حالكة السواد. "ليلى" لم تكن مجرد فتاةٍ تحلم، بل كانت باحثةً عن الحقائق، عن لغزٍ تتناثر خيوطه في الكون، ولغزٌ آخر ينسج تفاصيله في قلبها. كانت تعمل في إحدى الجمعيات الخيرية التي تُعنى بالأطفال الأيتام، وكانت مهمتها الأولى والأخيرة هي إضاءة دروب هؤلاء الصغار، منحهم الأمل الذي افتقدته هي نفسها في سنواتٍ مضت. كل ابتسامةٍ تشرق على وجه طفل، كانت تعيد لها شظايا روحها المبعثرة.
ومع كل موجةٍ تداعب قدميها، كانت تتذكر ذلك اليوم. اليوم الذي توقف فيه الزمن. يوم اختفى والداها في ظروفٍ غامضة، تاركين وراءهما فراغًا لا يملؤه شيء، وصدمةً لا تبرؤ منها جراح. كانت حينها في سن المراهقة، عالمها الذي بناه الحب والأمان انهار فجأة، ليتركها تواجه الحياة وحيدة، مع شعورٍ غامضٍ بأن هناك ما هو أعمق من مجرد حادث.
"يا رب، متى سأجد الإجابة؟" تمتمت بصوتٍ يكاد يضيع مع هدير الأمواج. كانت ترفع رأسها إلى السماء، تبحث عن إشارة، عن بوصلةٍ تدلها على الطريق. لقد استنفدت كل السبل المتاحة، وكل الأبواب التي طرقتها أغلقت في وجهها. لكن إيمانها لم يتزعزع، بل كان يزداد قوةً مع كل عقبة.
وفجأة، انقطعت تلك اللحظة الساكنة. صوتٌ عميقٌ وقوي قطع سكون الليل. "هل أنتِ بخير؟"
التفتت "ليلى" بسرعة، كان قلبها يخفق بعنف. أمامها، وقف رجلٌ لم ترَ مثله من قبل. طولٌ فارع، وملامحٌ تحمل أصالةً عربيةً لا تخطئها عين. لحيته الخفيفة تُضفي عليه هيبةً، وعيناه الداكنتان تتوهجان بذكاءٍ وحنان. كان يرتدي ملابس بسيطة، لكن وقفته كانت توحي بعظمةٍ كامنة.
"نعم، أنا بخير. فقط... أفكر." أجابت بصوتٍ مرتبك، وهي تحاول استعادة رباطة جأشها.
"هذا الشاطئ لا يبدو مكانًا للتفكير فقط، بل للهروب أيضًا." قال وهو يقترب خطوةً، تاركًا مسافةً محترمة. "هل تسمحين لي بالانضمام إليك؟"
ترددت "ليلى" للحظة. لم تكن معتادةً على التحدث مع غرباء، خاصةً في وحدتها هذه. لكن كان هناك شيءٌ في نظراته، شيءٌ من النبل والصدق، جعلها تشعر بالأمان. "بالتأكيد، تفضل."
جلس بجانبها، وهما يستمعان إلى أغنية البحر الخالدة. صمتٌ مريحٌ لفّ المكان، لم يكن صمتًا خاليًا من الكلام، بل كان مليئًا باللغة التي تفهمها الأرواح.
"اسمك؟" سأل بعد فترة، بابتسامةٍ لطيفة.
"ليلى."
"و أنا أحمد."
"هل أنت من هنا؟" سألت.
"أتيت من بعيد، باحثاً عن هدوءٍ أفتقده في زحام المدن." أجاب. "ولكن هذا الهدوء الذي أجده هنا... مختلف."
"مختلفٌ في ماذا؟" سألت بفضول.
"فيه روحٌ تتألم، لكنها لا تستسلم. فيه حكمةٌ تنسجها السنون، لكنها لا تبلى." نظر إليها بعمق، وعيناه تلمعان. "مثل هذه السماء، كل نجمةٍ فيها قصة."
شعرت "ليلى" بصدق كلماته، وكأنها قد قرأت ما في سرها. "أنا... أحاول أن أفهم هذه القصص."
"والفهم يأتي بعد البحث، والبحث يتطلب صبرًا وإصرارًا." قال، ثم أشار بيده نحو الأفق. "أحياناً، تأتي الإجابات من حيث لا نتوقع، مثل سفينةٍ تظهر فجأةً من الضباب."
كانت تلك الكلمات وكأنها موجهةٌ إليها تحديداً. هل كان هذا الرجل يمتلك حسًا خارقاً؟ أم أنها مجرد صدفة؟
"هل تؤمن بالصدف؟" سألت.
"أؤمن بأن الله يرتب لنا أقدارنا، وأن ما يبدو صدفةً هو في الأصل حكمةٌ مدبرة." أجاب بجدية. "ولكن يجب علينا أن نبذل جهدنا، وأن نسعى نحو ما نريد. فالكون لا يعطي إلا لمن يطلب."
ابتسمت "ليلى" بخفة، شعرت بأن هذا اللقاء قد جاء في وقته تمامًا. "ربما تكون على حق."
"الليل يحمل معه الكثير من الأسرار، يا ليلى. بعضها مؤلم، وبعضها يبشر بالخير. المهم هو ألا نسمح للظلام بأن يسرق منا نور الأمل." قال، وهو ينهض. "أعتقد أني قد وجدت ما كنت أبحث عنه."
"وما هو؟" سألت بسرعة.
"قصة." قال بنظرةٍ غامضة، ثم أضاف: "وسأحاول أن أفهمها. هل لي أن ألتقي بكِ مرةً أخرى؟"
لم تجب "ليلى" على الفور. كانت عيناها تتنقلان بين وجهه والسماء المرصعة بالنجوم. شعرت بتيارٍ غريبٍ يسري في عروقها. هل كان هذا الرجل مجرد عابر سبيل؟ أم بدايةُ فصلٍ جديدٍ في كتاب حياتها؟
"ربما." قالت أخيراً، وبصوتٍ خافتٍ بالكاد يُسمع.
نظر إليها أحمد بابتسامةٍ واسعة، ثم استدار ومشى مبتعداً، تاركاً إياها وحيدةً مع همسات الموج وعطر البحر. لكن هذه المرة، لم تكن الوحدة ثقيلةً كالعادة. لقد ترك هذا الغريب بصمةً، وترك وراءه سؤالاً أكبر من مجرد أسئلة الماضي. سؤالٌ يتمحور حول المستقبل، وحول هذا الرجل الذي ظهر فجأةً كأنه جزءٌ من أحلامها، وكأنه وعدٌ لم يُعلن بعد.
كانت النجوم تزداد بريقاً، وكأنها تشجعها على ذلك الأمل الجديد. وقفت "ليلى" تتأمل ظله وهو يختفي في ظلام الليل، وشعرت بأن شيئاً ما قد تغير. شيءٌ قد بدأ يتشكل في قلبها، شيءٌ لطالما افتقدته: إحساسٌ بأنها ليست وحدها تمامًا في هذا العالم.