حب في الظلام 174
نبضات الأمل الخفي
بقلم ليلى الأحمد
تسلل صوت الأذان من مئذنة المسجد، يحمل معه نسمة هدوء على روح فهد. كان يقف في شرفة المسجد، يتأمل الساحة المزدحمة بمرتادي المسجد، في انتظار صلاة العصر. كانت صورته عن نور قد ترسخت في ذهنه، كلوحة فنية بديعة، تجمع بين الحياء والوقار، بين الذكاء والبراءة.
بعد أن أبلغه أحمد عن احتمالية وجود ترتيبات لزواج نور من رجل آخر، شعر فهد بخيبة أمل، ولكنها لم تكن سبباً للتراجع. بل كانت دافعاً له لبذل المزيد من الجهد، ولإثبات جديته.
في تلك الليلة، وبعد استشارة والده، قرر فهد أن يرسل رسالة رسمية إلى الحاج محمود، يطلب فيها مقابلة. كان يعلم أن هذه الخطوة تتطلب شجاعة، وأنها قد تحمل معها رفضاً. ولكن إيمانه بمشاعره، وبأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، كان يدفعه للمضي قدماً.
وصلت الرسالة إلى الحاج محمود، الذي كان يتلقى العديد من الطلبات والزيارات. قرأ الرسالة بعينين متفحصتين، ثم استدعى ابنته نور. "يا نور، هذه رسالة من المهندس فهد. يطلب فيها مقابلة." ارتعش قلب نور. هل كانت هذه هي اللحظة التي كانت تخشاها، أو تتمناها؟ "ماذا قال؟" سألت بصوت مرتجف. "يطلب مقابلة لبحث أمر هام." نظرت نور إلى والدها. كان في عينيه مزيج من الحيرة والتردد. "أبي، هل تعتقد…؟" "لا أعرف يا ابنتي. ولكن دعينا نرى. لقد وافقت على مقابلته. غداً بعد صلاة العصر."
كان اليوم التالي مليئاً بالترقب. نور استيقظت مبكراً، واستعدت، ولكن قلبها كان يعتصر خوفاً وترقباً. والدتها، أمينة، كانت تراقبها بعينين حذرتين، لكنها فضلت الصمت، ربما كانت تنتظر لترى ما ستسفر عنه المقابلة.
في المسجد، كان فهد يستعد للقاء. كان قد ارتدى أفضل ثيابه، ورتب أفكاره. تحدث مع والده، الذي قدم له النصائح والدعم. "يا بني، كن صادقاً، وكن مهذباً. واذكر الله دائماً. فما كتب الله لك، فسيكون."
وصل فهد إلى منزل الحاج محمود. استقبله الحاج محمود بترحاب، ودعاه إلى غرفة الضيوف. كان الجو مليئاً بالرسمية، ولكن الحاج محمود حاول كسر الجليد ببعض الأحاديث العامة.
بعد تبادل الأحاديث الأولية، نظر فهد إلى الحاج محمود مباشرة. "يا عمي الحاج محمود، جئت اليوم لأطلب يد ابنتك الكريمة، نور، لابني فهد." ارتسمت على وجه الحاج محمود علامات المفاجأة. كان يعلم أن هناك احتمالات أخرى، ولكنه لم يتوقع أن تكون بهذه السرعة. "يا بني، أنا أقدر شجاعتك وجرأتك. نور فتاة صالحة، وأسرتها كريمة. ولكن كما تعلم، هناك أمور قد تكون معقدة." "أعلم يا عمي، ولهذا السبب أتيت إليك مباشرة. أنا أحترم رغباتك، ورغبات أسرتها. ولكنني أؤمن بأن السعادة الحقيقية تنبع من الزواج المبني على الحب والتفاهم. وأنا على استعداد لبذل كل ما في وسعي لأكون زوجاً صالحاً، وابناً لكم."
في تلك اللحظة، دخلت نور إلى الغرفة، وقد بدت كأنها تحمل كل جمال ورقة الربيع. نظرت إلى فهد، وشعرت بنبضة قلب قوية. كان يبدو هادئاً، ولكن عينيه كانت تحملان صدقاً عميقاً.
"نور، يا ابنتي، المهندس فهد يطلب يدكِ." نظرت نور إلى والدها، ثم إلى فهد. لم تستطع الكلام، ولكن ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيها. "نحن نحترم قرارك يا ابنتي، ولكننا نريد أن نسمع رأيكِ." "يا أبي، أنا… أريد أن أتحدث مع المهندس فهد على انفراد، إذا سمحت." ارتسمت ابتسامة على وجه فهد. لقد فهم المعنى. "بالطبع يا ابنتي. إذا سمح الحاج محمود، يمكننا التحدث في الحديقة."
خرجت نور وفهد إلى الحديقة، تاركين الحاج محمود مع أفكاره. كان الجو جميلاً، ورائحة الزهور تملأ المكان. "السلام عليكم يا أخت نور." "وعليكم السلام يا أخ فهد." "آمل ألا أكون قد سببت لكِ إزعاجاً بطلبي المفاجئ." "لا يا أخ فهد، بالعكس. لقد… أسعدني اهتمامك." "أعلم أن هناك أموراً قد تكون صعبة. سمعت أن هناك ترتيبات أخرى." "نعم، ولكنني… لا أشعر بالارتياح تجاهها." "لهذا السبب قررت المجيء. لأقول لكِ أنني على استعداد لتقديم كل ما أملك، لأسعدكِ. أنا لا أملك المال الكثير مثل السيد كريم، ولكنني أملك قلباً صادقاً، وإرادة قوية لبناء مستقبل معكِ." "يا أخ فهد، إن المال ليس كل شيء. الأهم هو القلوب الصادقة، والتفاهم المتبادل." "هل… هل يمكن أن تعطيني فرصة؟ فرصة لإثبات أنني أستحق ثقتكِ، وثقة أسرتكِ؟" نظرت نور في عينيه. كانت ترى فيه الأمان، والصلاح، والأمل. "سأتحدث مع والديّ. وسأرى ما يمكن فعله." "شكراً لكِ يا أخت نور. ثقِ بالله، وسيعطينا ما فيه الخير."
عادت نور إلى الغرفة، وقد شعرت براحة غريبة. تحدثت مع والدها، وأخبرته عن مشاعرها. "يا أبي، قلبي يشعر بالراحة تجاه المهندس فهد. أشعر أنه رجل صالح، ولن يخيب ظني." نظر الحاج محمود إلى ابنته. كان يعلم أن سعادتها هي الأهم. "حسناً يا ابنتي. إذا كان هذا ما ترغبين به، فسنتحدث مع والدته. ولكن يجب أن نكون حذرين، ونحترم جميع الأطراف."
في تلك الليلة، لم تستطع نور النوم. كانت مشاعر الأمل تتنافس مع مشاعر القلق. ولكنها كانت تعلم أنها اتخذت الخطوة الأولى نحو تحقيق سعادتها. لقد نبض قلبها بالأمل، وبإمكانية بناء مستقبل مشرق، مع الرجل الذي شعرت بأن الله قد أراده لها.