الفصل 14 / 25

حب في الظلام 174

نداء الواجب ووشوشات القلب

بقلم ليلى الأحمد

استيقظت ليلي على صوت الأذان يصدح في أرجاء المنزل، داعيًا إلى صلاة الفجر. رفعت يديها تتوضأ، وقلبها يتصارع بين سكينة الروح وقلق النفس. لم تكن الأيام الماضية سوى سراب، كل شيء بدا هادئًا، لكن تحت السطح كانت تتخمر أمور لا يعلم مداها إلا الله. نظرت إلى المرآة، ورأت في عينيها ظلًا من الإرهاق لا تخفيه برودة الماء، فقد باتت لياليها قِصَارًا، مليئة بالتساؤلات والخواطر المتلاطمة.

بعد الصلاة، جلست في شرفتها الصغيرة التي تطل على بستان جَدّها، تستنشق عبير الزهور المتفتحة مع بزوغ الشمس. تذكرت كلمات جدها الأخيرة، تلك التي لم تفهمها تمامًا حينها، عن "واجب تجاه العائلة" و"مستقبل يجب تأمينه". هل كان يتحدث عن تلك الفرصة التي عرضها عليها والدها بالعمل في شركته الجديدة، تلك الشركة التي بناها والداها بجهد وعرق؟ لطالما كانت ليلي تحلم بحياة مختلفة، حياة تكرس فيها وقتها للكتابة، للقراءة، وللتطوع في ملاجئ الأيتام. لكن واقعها كان يفرض عليها مسؤوليات أخرى.

في تلك الأثناء، كان مالك قد أمضى صباحه كعادته، يتفقد حقول الزيتون خاصته، لكن عقله لم يكن حاضرًا تمامًا. لم تفارقه صورة ليلي وهي تتحدث مع والدها بالأمس، تلك النظرة التي رأتها في عينيها، نظرة تتأرجح بين التردد والقبول. كان يعلم أن والدها رجل أعمال طموح، وأن عروضه غالبًا ما تكون مغرية، خاصة عندما تتعلق بأبنائه. تساءل إن كانت هذه الفرصة هي ما كان يتمناه والد ليلي لها، أم أنها مجرد خطوة أخرى في مسار رسمه لها؟

عاد مالك إلى المنزل، مستقبلاً بابتسامة والدته التي كانت تعد قهوته الصباحية. "صباح الخير يا ولدي. ما بالك شارد الذهن اليوم؟" سألته بحنان. "صباح النور يا أمي. لا شيء، مجرد تفكير في أمور العمل." أجابها بابتسامة خفيفة. "العمل مهم، لكن لا تنسَ نفسك. وأن تراعي قلبك. هل رأيت ليلي اليوم؟" سألت والدته، وكان في سؤالها لمسة من المعرفة الخفية. احمر وجه مالك قليلًا. "رأيتها بالأمس. تبدو متعبة." "التعب يمر، لكن الرضا يبقى. إنها فتاة طيبة، وتستحق كل الخير. ألم تسمع بفرصة العمل التي عرضها عليها والدها؟" "علمت بها." قال مالك، متجنبًا النظر إليها. "هذه فرصة جيدة لها. ستكون قريبة من عائلتها، وستساعد والدها. والرجال يقدرون المرأة التي تعين زوجها في عمله. هذا ما تعلمناه." أومأ مالك برأسه، لكنه شعر بثقل في صدره. هل كان الأمر بهذه البساطة؟ هل هو مجرد ترتيبات عائلية، أم أن هناك ما هو أعمق؟

في بيت ليلي، كان والدها، السيد أحمد، ينتظرها على مائدة الإفطار. كانت والدتها، السيدة فاطمة، تخدمهما بصمت. "صباح الخير يا أبي." قالت ليلي، وجلست إلى جانب والدتها. "صباح النور يا ابنتي. كيف حالك؟" قال السيد أحمد، وعيناه تفحصان وجهها. "بخير يا أبي، الحمد لله." "أنا سعيد لرؤيتك موافقة على العرض. إنها فرصة ممتازة لك، وستكونين قريبة منا. كما أن الشركة بحاجة لدم جديد، وأنا واثق أن خبرتك في التسويق ستكون مفيدة جدًا." نظرت ليلي إلى طبقها، تتلاعب بقطعة خبز. "أتمنى أن أكون على قدر المسؤولية يا أبي." "بالطبع ستكونين. أنا أثق بكِ. والأهم من ذلك، هو مستقبل أُسرتنا. ألا ترين أن زواجك من مالك، ومن ثم تعاونكم في أعمال العائلة، سيجعل الأمور أكثر استقرارًا؟" تجمد الدم في عروق ليلي. هل كان هذا هو الهدف من وراء كل هذا؟ لم يكن الأمر يتعلق بعملها فحسب، بل كان خطة أكبر، خطة لربط عائلتين، ولتأمين مستقبل مالي. لم تكن تتوقع أن تكون الأمور متشعبة بهذا القدر. "أبي، أنا..." بدأت ليلي، تحاول أن تجد الكلمات المناسبة. قاطعتها والدتها بحزم لطيف: "ليلي، والدك يريد لكِ الأفضل. لا تعانديه. مالك شاب طيب، وابنه الوحيد. وعائلتهما عريقة. هذا زواج مبارك، وسيجمع العائلتين." "لكن يا أمي، أنا لم أتحدث مع مالك عن هذا الأمر." "لا داعي للتحدث. هذا اتفاق بين العائلتين. والآن، استمتعي بإفطارك." شعرت ليلي بالضيق. كانت تشعر بأنها محاصرة. حبها لمالك كان شيئًا، واهتمام والديها بمستقبلها المالي والاجتماعي شيئًا آخر. كيف يمكنها الموازنة بين قلبها ورغبات عائلتها؟

في ذلك المساء، التقت ليلي بمالك في الحديقة الهادئة. كانت السماء قد بدأت تكتسي بالنجوم. "مرحباً مالك." قالت بصوت خافت. "مرحباً ليلي. تبدين قلقة." قال مالك، ملاحظًا توترها. "أنا... أبي عرض عليّ العمل في شركته الجديدة." "علمت بذلك. تهانينا. أعتقد أنها فرصة رائعة لك." "لكن... هو يريدني أن أعمل معه لمساعدته في تأسيس الشركة، ثم... ثم ربط أعمال العائلتين." توقف مالك عن الحركة، وكأنما صعق. "ربط أعمال العائلتين؟" "نعم. قال إن هذا سيجعل الأمور أكثر استقرارًا. وأن زواجي منك، وتعاوننا في العمل، سيجعل كل شيء أفضل." نظر مالك إلى ليلي، ورأى في عينيها مزيجًا من الخوف والاستغراب. لم يكن يتخيل أن تكون الأمور بهذه السرعة، وبهذه الطريقة. كان يظن أن زواجهما سيكون قرارًا مشتركًا، مبنيًا على مشاعرهما. "هل هذا ما تريدينه يا ليلي؟" سأل مالك، وصوته يكاد لا يُسمع. "لا أعرف يا مالك. أنا أحبك، ولكن... هذه مسؤولية كبيرة. وهذه خطط لم أكن أعلم بها." "لم أعلم أن الأمور بهذه التعقيد. اعتقدت أننا سنتحدث عن مستقبلنا معًا، خطوة بخطوة." "وأنا كذلك." قالت ليلي، وعيناها تترقرق بالدموع. "لكن يبدو أن هناك من لديهم خطط أخرى لنا." امتدت يد مالك، وتردد للحظة قبل أن يمسك يد ليلي. كانت يدها باردة، ترتجف قليلاً. "لا تقلقي. سنتحدث مع والدي. وسنجد حلاً. معًا." نظرت ليلي إلى مالك، ورأت في عينيه إصرارًا على حمايتها، وعلى البحث عن طريق لهما. أمل صغير بدأ ينير في قلبها. لكنها كانت تعرف أن الطريق أمامهم ليس مفروشًا بالورود، وأن هناك عقبات أكبر من مجرد تفاهم بينهما، عقبات تتعلق بالعائلات، بالمستقبل، وبكل ما لم يكن مخططًا له.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%