حب في الظلام 174
ظلال الماضي تراقص الأمواج
بقلم ليلى الأحمد
تلبدت سماء جدة ببعض الغيوم العابرة، كأن الطبيعة تستعد لحدث جلل، أو ربما هي انعكاس لما يعتمل في صدر الفتاة "ليان". جلست على مقعدها المعتاد في حديقة المنزل المطلة على زرقة البحر المالحة، ترقب الأمواج وهي ترتطم بالصخور، كل موجة تحمل في طياتها صدى لحكاية، وهمساً بأسرار لم تُكشف بعد. منذ لقائها المفاجئ بالأستاذ "خالد" في معرض الكتاب، وبعد حديثهما المطول الذي تخطى حدود اللقاء العابر ليغوص في أعماق الروح، شعرت "ليان" بزلزال خفيف ولكنه مؤثر في كيانها. لم تكن تتوقع أبداً أن تجد في شخصية جادة، ترتسم على ملامحها وقار العلم وسمو الخلق، ذلك البريق الذي أشعل في قلبها شيئاً كان خامداً، أو ربما لم ينتبه له أحد من قبل.
كانت أفكارها تتناثر كحبّات لؤلؤ متناثرة على سجادة خضراء، تتجمع ثم تتفرق، لا تستقر على حال. تتذكر كيف بدأ حديثهما، بكلمة عن رواية قديمة، ثم تطور ليصبح نقاشاً حول الأدب، ومن ثم التاريخ، وأخيراً، عن أحلام الأمس وطموحات الغد. كان "خالد" يستمع إليها باهتمام شديد، كان يعكس في عينيه إجلالاً واحتراماً، كأنها تروي له أعظم القصص، لا مجرد أفكار متواضعة لفتاة في مقتبل العمر. لم يكن إعجابها به مجرد إعجاب بذكائه وحكمته، بل كان يتجاوز ذلك إلى احترام عميق لأسلوبه الفريد في التعامل، هدوئه الذي يغلف قوة، وكلماته التي تنساب كالعسل الصافي، تحمل دفءاً وحكمة.
لكن الشك كان يزاحم يقينها، كأن ظلال الماضي تراقص الأمواج، تهدد صفو سماء روحها. لقد سمعت همساً، قيل لها خبراً، سرّاً صغيراً يخص "خالد". لم تكن متأكدة من صحته، بل كانت تتمنى أن يكون مجرد وهم، خيال نسجته ألسنة الناس. لقد قيل إن له ماضياً، ماضياً معقدًا، ماضٍ قد يعيق طريقه، أو ربما قد يعيق طريق أي علاقة قد تنشأ بينهما. هل هو مجرد رجل يبحث عن الاستقرار، أم أنه يحمل أثقالاً تثقل كاهله؟
في تلك الأثناء، كان "خالد" نفسه يقف أمام نافذة مكتبه، يحتسي قهوته السوداء، يراقب حركة السيارات الهادئة في شارع الرياض. كان يشعر بثقل لم يعهده من قبل، ثقل كان يتزايد مع كل يوم يمر، ومع كل كلمة حبٍّ بريئة تظهر في عين "ليان". لم يكن غروراً، بل كان مسؤولية. كان يعلم جيداً أن حياته ليست خطاً مستقيماً، بل هي خريطة معقدة، مليئة بالمنعطفات، بعضها كان قاسياً، وبعضها كان مؤلماً.
لقد قرر أن يصارح "ليان" بكل شيء. لم يكن من رجاله أبداً أن يبدأ علاقة على أساس غير متين، أو أن يخفي جزءاً من حقيقته، خصوصاً أن الأمر قد يمس مستقبلها. كان يعلم أن الصدق قد يكون مؤلماً، ولكنه أفضل من الوهم الذي قد يدمر كل شيء في لحظة. كانت هناك قصة، قصة عن قرار اتخذه في شبابه، قرار كان له تبعاته، تبعات لم يتوقعها، تبعات شكلت هويته، ولكنه لم يختره في جوهره.
قرر أن يدعوها للقاء، ليس في مكان عام، بل في مكان أكثر هدوءاً، ربما في إحدى الحدائق الهادئة خارج المدينة، أو في مكان يحفظ خصوصيتهما. استشار شيخه، الأستاذ "عبد الرحمن"، رجل الحكمة والصلاح الذي كان له دور كبير في حياته. روى له كل شيء، بصوت خفيض، كمن يقرأ وصية، أو كمن يعترف بخطأ قديم. استمع الشيخ "عبد الرحمن" بصبر، بعينين تفيضان بالرحمة والتفهم. لم يوبخه، بل أرشده. قال له: "يا بني، ما مضى قد كان، وما هو آتٍ فبإذن الله. المهم هو أن تعرف كيف تتعامل مع الحاضر، وأن تكون واضحاً مع من تختار. الصدق يفتح أبواباً، والكذب يغلقها. اختر الصدق، حتى لو كان ثقيلاً."
استلهم "خالد" من كلمات شيخه قوة، وقرر أن يحدد موعداً مع "ليان" في اليوم التالي. أرسل لها رسالة عبر الهاتف، يطلب فيها لقاءً عاجلاً، يصف فيها الأمر بأنه "مهم للغاية". لم يذكر تفاصيل، فقط أشار إلى ضرورة أن يكون اللقاء خاصاً.
على الجانب الآخر، تلقت "ليان" الرسالة بقلب يخفق بشدة. "مهم للغاية؟" تساءلت في نفسها. هل كان ما سمعته صحيحاً؟ هل هناك ما سيغير كل شيء؟ هل سيكتشف أنها كانت مخطئة في تقديره؟ أم أن هناك سبباً آخر لهذا الإصرار؟ بدأت تتخيل سيناريوهات متعددة، بعضها يبعث الأمل، وبعضها الآخر يزرع القلق. حاولت أن تقرأ ما بين السطور، ولكن كل شيء بدا غامضاً.
ذهبت إلى والدتها، السيدة "فاطمة"، لتحدثها عن قلقها، عن ذلك الشعور الغامض الذي يحيط بخالد. حكت لها ما سمعته، بصوت هامس، وكأنها تخشى أن تسمع جدران المنزل. ابتسمت السيدة "فاطمة" بحنان، مسحت على رأس ابنتها وقالت: "يا ابنتي، الحياة مليئة بالابتلاءات، وبالاختيارات. ولكن الأهم هو القلب السليم، والنية الصادقة. لا تستعجلي الحكم، ولا تدعي الظنون تسيطر عليك. استمعي إليه، وأعطي لنفسك ولغيرك فرصة. وإذا كان فيه خير، فسييسره الله."
لم تطمئن "ليان" تماماً، ولكن كلمات والدتها كانت كبلسم يخفف من لدغة القلق. كانت تعرف أن لقاء الغد سيكون فاصلًا، نقطة تحول. إما أن تكتشف حقيقة كانت تخشاها، أو أن تجد سبباً لتعميق ثقتها. ظلت تسهر تلك الليلة، بين صلاة ودعاء، تطلب من الله أن يكتب لها الخير، وأن يكشف لها ما فيه صلاح أمرها. كانت تستشعر أن الأمواج تتقاذفها، وأن الظلال بدأت تتكشف، وأن مرحلة جديدة، بكل ما فيها من تحديات، على وشك البدء. ظلت تتساءل: ما هي تلك الحقيقة التي سيكشفها "خالد"؟ وهل ستكون قادرة على مواجهتها؟