حب في الظلام 174

أثير الماضي في أروقة الذكريات

بقلم ليلى الأحمد

عادت "ليلى" إلى شقتها الصغيرة، وهي تحمل في حقيبتها رائحة البحر والملح، وفي قلبها همسات أحمد. لم تكن تعلم لماذا شعرت بهذا الانجذاب الغامض لهذا الرجل الذي قابلته للتو. ربما كانت طبيعة لقائهما، في تلك اللحظة الهشة من وحدتها، أم ربما كانت كلماته التي لامست وترًا حساسًا في روحها.

كانت شقتها بسيطة، تزيّنها صورٌ قديمةٌ لوالديها، ذكرياتٌ محنطةٌ في إطارٍ من الزمان. كانت هذه الصور هي نافذتها الوحيدة على عالمٍ جميلٍ فقدته. كلما نظرت إليها، شعرت بلسعةٍ من الحنين، وشعورٍ أعمق بأن هناك ما هو مخبأ، ما هو غير معروف.

جلست على أريكتها القديمة، وفتحت جهاز حاسوبها المحمول. لم يكن هدفها البحث عن إجاباتٍ جديدةٍ لم تكن متاحة، بل كانت تريد أن تستعيد ذكرياتٍ ربما تكون قد غفلت عنها. كانت تبحث في ملفاتها القديمة، في رسائلها، في صورها، عن أي خيطٍ قد يقودها إلى الحقيقة.

كانت "ليلى" منذ صغرها فتاةً فضوليةً، تحب أن تكشف الألغاز. لم يكن شغفها بالأطفال الأيتام مجرد عملٍ خيري، بل كان امتدادًا لشعورها بالضياع، ورغبتها في بناء عالمٍ جديدٍ لمن فقدوا عالمهم. كانت تعتقد دائمًا أن كل طفلٍ يمتلك قصة، وأن هذه القصص تستحق أن تُروى، وأن تُحمى.

بينما كانت تتصفح أحد الألبومات الرقمية، ظهرت صورةٌ قديمةٌ لوالديها، كانت صغيرةً جدًا في الصورة، تمسك بيد والدتها. ضحكةٌ عذبةٌ ارتسمت على وجهها وهي تتذكر تلك اللحظة. كانت والدتها، "فاطمة"، امرأةً نادرة، تجمع بين الرقة والقوة. أما والدها، "سليمان"، فكان رجلًا حكيمًا، محبًا للحياة، يعشق القراءة والعلوم.

"أين أنتم الآن؟" تساءلت بصوتٍ مكسور. "هل تسمعونني؟"

تذكرت كيف كان والدها يتحدث عن أهمية البحث عن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة. وكيف كانت والدتها تشجعها دائمًا على التمسك بقيمها، وعدم التخلي عن إيمانها.

في تلك اللحظة، وصلها إشعارٌ عبر البريد الإلكتروني. كان من أحد زملائها في الجمعية، يبلغها عن وصول دفعةٍ جديدةٍ من الأيتام، وأن هناك حاجةً ماسةً لمساعدتها. ابتسمت "ليلى"، فكلما شعرت بأنها على وشك الغرق في بحر الحزن، كان عملها هو مرساتها.

"حان وقت العمل." قالت لنفسها، وأغلقت الحاسوب.

في اليوم التالي، ذهبت "ليلى" إلى مقر الجمعية. كان المكان يعج بالحياة، بصخب الأطفال، بضحكاتهم، بأحلامهم الصغيرة. كان هناك طفلٌ جديدٌ، وجهه شاحب، وعيناه تائهتان. اقتربت منه "ليلى" ببطء، وقدمت له ابتسامةً حانية.

"مرحبًا يا بطل، اسمي ليلى. ماذا اسمك؟"

خفض الطفل رأسه، ولم يجب.

"لا بأس، لا تتحدث إذا كنت لا تريد. أنا هنا لألعب معك، ولنسمع قصصًا شيقة."

بدأت "ليلى" تحكي له قصةً خياليةً عن أميرٍ شجاعٍ يبحث عن كنزٍ مفقود. وبينما هي تحكي، لاحظت الطفل يرفع رأسه تدريجياً، وعيناه تتركزان على كلماتها. في نهاية القصة، ابتسم الطفل ابتسامةً باهتة، وكانت تلك الابتسامة كافيةً لتغمر قلب "ليلى" بالدفء.

"أنت تحكي قصصًا جميلة." قال الطفل أخيرًا بصوتٍ ضعيف.

"شكرًا لك. وأنت، هل لديك قصةٌ تريد أن تخبرني بها؟"

تردد الطفل، ثم قال: "أنا... أنا أبحث عن أمي."

شعر قلب "ليلى" بالأسى. "أنا أفهم شعورك. أنا أيضًا فقدت والديّ. لكن تذكر، أن هناك دائمًا أملٌ في العثور على من نحب."

في تلك اللحظة، دخلت مديرة الجمعية، "السيدة عائشة"، وهي امرأةٌ في عقدها السادس، تملك حكمة السنين ونظرةً ثاقبة. اقتربت من "ليلى" وقالت بصوتٍ هادئ: "ليلى، هل لديك وقتٌ لأتحدث معكِ في مكتبي؟"

"بالتأكيد، سيدة عائشة."

في المكتب، جلست "ليلى" أمام "السيدة عائشة"، وهي تشعر بتزايد القلق.

"ليلى، أعرف أنكِ تبحثين عن إجاباتٍ تخص عائلتك. وأنكِ لم تتوقفي عن البحث طوال هذه السنوات."

"نعم، سيدة عائشة."

"هل تعلمين أن هناك ملفاتٍ قديمةٍ في الجمعية، تخص الأطفال الذين تم إيداعهم هنا منذ زمن؟"

"لا، لم أكن أعلم."

"بعض هذه الملفات قديمة جدًا، ومعظمها غير منظم. لكن، مؤخرًا، اكتشفنا صندوقًا قديمًا في المخزن، يحتوي على بعض الأوراق التي يبدو أنها تخص قضايا قديمة جدًا، وقبل تأسيس الجمعية بشكلها الحالي."

شعرت "ليلى" بأن نبض قلبها يتسارع. "وماذا وجدتِ في هذا الصندوق؟"

"وجدنا بعض الأوراق، وبعض الرسائل. والغريب أن بعض هذه الأوراق تحمل اسم عائلتك."

ارتعشت يد "ليلى" وهي تضعها على الطاولة. "اسم عائلتي؟ كيف؟"

"لا أعرف التفاصيل الكاملة بعد. لكن يبدو أن هناك علاقةً بين اختفاء والديك، وبين بعض الأشخاص الذين كانوا مرتبطين بهذه الجمعية في بدايتها. هناك رسالةٌ مكتوبةٌ بخطٍ تعرفينه جيدًا."

"خط والدي؟" سألت بصوتٍ شبه مسموع.

"نعم. يبدو أنها رسالةٌ إلى شخصٍ ما، تتحدث عن خوفه، وعن مؤامرةٍ ما."

كانت الكلمات تنزل على "ليلى" كالصواعق. مؤامرة؟ خوف؟ هل كان اختفاء والديها مجرد حادث، أم أنه كان مدبرًا؟

"هل يمكنني رؤية هذه الرسالة؟" سألت، وصوتها يرتجف.

"بالتأكيد. لقد أحضرتها هنا."

مدت "السيدة عائشة" يدها إلى درج مكتبها، وأخرجت مظروفًا قديمًا، بدا عليه علامات الزمن. فتحته "ليلى" بأصابع مرتعشة، ووجدت ورقةً صفراء، مكتوبةً بخطٍ مألوفٍ جدًا.

"إلى من يهمه الأمر، أخشى على عائلتي. هناك من يراقبني، وهناك من يريد النيل مني ومن أملاكي. لا أعرف ما هي خطتهم، لكني أشعر بالخطر يحيط بنا. أرجوكم، احموا زوجتي وابنتي. إن قدر لي أن أغيب، فابحثوا عن الحقيقة في ... "

توقفت "ليلى" عن القراءة، ولم تكمل. كانت الكلمات محفورةً في ذهنها، والارتباك يتملكها. هل كانت هذه الرسالة هي بداية الحل، أم بداية المزيد من المتاعب؟

"من هو هذا الشخص الذي كان والدي يكتب له؟" سألت، وقد فقدت السيطرة على مشاعرها.

"لا نعرف. الرقم الهاتفي المذكور في الرسالة لم يعد موجودًا. ولكن، هناك اسمٌ آخر مذكورٌ في أوراقٍ أخرى، اسمٌ قد يكون مرتبطًا بهذا الموضوع."

"وما هو هذا الاسم؟"

"اسم... أحمد."

جمدت "ليلى" في مكانها. أحمد. هل يمكن أن يكون هو نفس أحمد الذي قابلته على الشاطئ؟ هل كان هذا اللقاء مصادفةً، أم أنه جزءٌ من خطةٍ أكبر، خطةٌ بدأها والدها قبل سنوات؟

نظرت إلى "السيدة عائشة"، عيناها مليئتان بالتساؤلات. "لكن... كيف؟"

"هذا ما سنحاول معرفته معًا، يا ليلى." قالت "السيدة عائشة" بابتسامةٍ مطمئنة. "لا أعتقد أن الأمر صدفة، أن يلتقي بكِ شخصٌ اسمه أحمد، بينما أنتِ تبحثين عن إجاباتٍ تتعلق باسم أحمد."

كانت "ليلى" تشعر وكأنها في حلم. العالم الذي كانت تظنه ثابتًا، قد بدأ يتشكل من جديد، بطريقةٍ لم تكن تتوقعها أبدًا. لم تعد وحيدةً في بحثها، ولم تعد تبحث في الظلام. ربما، كان أحمد هو الدليل الذي سيضيء لها الطريق.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%